الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            نهاية المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                            ( ويحرم ) ولا يصح ( بيع الزرع الأخضر ) وإن كان بقلا لم يبد صلاحه ( في الأرض )   ( إلا بشرط قطعه ) أو قلعه كما في المحرر للنهي في خبر مسلم عن ذلك ، فإن باعه وحده من غير شرط قطع أو قلع لم يصح البيع ويأثم لتعاطيه عقدا فاسدا ( فإن ) ( بيع معها ) أي الأرض ( أو ) بيع وحده بقل بعد بدو صلاحه أو زرع ( بعد اشتداد الحب )  أو بعضه ولو سنبلة واحدة كاكتفائهم في التأبير بطلع واحد وفي بدو الصلاح بحبة واحدة ( جاز بلا شرط ) كبيع الثمرة مع الشجرة في الأول وكبيع الثمرة بعد بدو الصلاح في الثاني ، [ ص: 150 ] وما أفهمه كلام المصنف من جواز بيعه معها بشرط قطعه أو قلعه ليس بمراد كما استفيد من قوله قبيله ، ولا يجوز بشرط قطعه ، وسيأتي أن ما يغلب اختلاطه وتلاحقه لا بد في صحة بيعه من شرط قطعه مطلقا ( ويشترط لبيعه ) أي الزرع بعد الاشتداد ( وبيع الثمر بعد بدو الصلاح ظهور المقصود ) منه لئلا يكون بيع غائب ( كتين وعنب وشعير ) لظهوره في سنبله ، ويجري ذلك في كل ما يظهر ثمره أو حبه ( وما لا يرى حبه كالحنطة والعدس ) بفتح الدال والسمسم ( في السنبل لا يصح بيعه دون سنبله ) لاستتاره ( ولا معه في الجديد ) لأن المقصود مستتر بما ليس من مصالحه : ومثل ذلك جوز القطن قبل تشققه وبزر الكتان في جوزه ، والقديم الجواز لما روى مسلم عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع السنبل حتى يبيض } : أي يشتد فيجوز بعد الاشتداد .

                                                                                                                            وأجاب عنه الشارح بأنه في سنبل الشعير جمعا بين الدليلين والأرز كالشعير ، وقيل كالحنطة .

                                                                                                                            والذرة نوعان : بارز الحبات كالشعير ، وفي كمام كالحنطة ، ومثلها في ذلك الدخن .

                                                                                                                            قال بعضهم : والمرئي إنما هو بعض حباته .

                                                                                                                            قال القاضي : ومع ذلك فالقياس الصحة كما يصح بيع نحو بصل ظهر بعضه ا هـ .

                                                                                                                            قيل ويرد أن القياس فيهما تفريق الصفقة فيصح في المرئي فقط إن عرف بقسطه من الثمن ، هذا والأوجه فيه عدم الصحة في الجميع ، إذ شرط التوزيع إمكان العلم بما يخص كلا من الثمن وهو مفقود هنا ، ولا يصح بيع الجزر والفجل ونحوه كالثوم والقلقاس والبصل في الأرض  لاستتار مقصودها ، وعد الروضة معها السلق محمول على أحد نوعيه ، وهو ما يكون مقصوده مغيبا في الأرض .

                                                                                                                            أما ما يظهر مقصوده على وجهها وهو المعروف بأكثر بلاد مصر والشام فيجوز بيعه كالبقل ، ويجوز بيع ورقها الظاهر بشرط قطعه كالبقول .

                                                                                                                            وفي الأنوار لا يجوز بيع الجوز في قشرته العليا مع الشجر   .

                                                                                                                            وقياسه امتناع بيع القطن [ ص: 151 ] قبل تشققه ولو مع شجره ( ولا بأس بكمام ) وهو بكسر أوله وعاء الطلع وغيره ( لا يزال إلا عند الأكل ) بفتح الهمزة ، وأما مضمومها فهو المأكول كرمان وموز وبطيخ وباذنجان وطلع نخل لأن بقاءه فيه من مصالحه ، ومثل ذلك ما يكون بقاؤه فيه سببا لادخاره كأرز وعلس ، ومن ذهب إلى أن الأرز كالشعير لعله باعتبار نوع كذلك ، وإنما لم يصح السلم في الأرز والعلس كما سيأتي في بابه لأن البيع يعتمد المشاهدة ، بخلاف السلم فإنه يعتمد الصفات ، وهي لا تفيد الغرض في ذلك لاختلاف القشر خفة ورزانة ، ولأن السلم عقد غرر فلا يضم إليه غرر آخر من غير حاجة ، ويشهد لذلك أن المعجونات لا يصح السلم فيها قطعا ، ولا خلاف في جواز بيعها ، ومما نقل عن فتاوى المصنف من صحة السلم في الأرز على الأصح محمول على المقشور ( وما له كمامان ) مثنى كمام استعمالا له في المفرد مجازا ، إذ هو جمع كمامة أو كم بكسر أوله ، فقياس مثناه كماة أو كمامتان ( كالجوز واللوز والباقلا ) بتشديد اللام مع القصر ، ويكتب بالياء وبالتخفيف مع المد ويكتب بالألف ، وقد يقصر القول ( يباع في قشره الأسفل ) إذ بقاؤه فيه من مصالحه ( ولا يصح في الأعلى ) لا على الشجر ولا على أرض لاستتاره بما ليس من مصلحته ، وفارق صحة بيع القصب في قشره الأعلى بأن قشره ساتر لجميعه وقشر القصب لبعضه غالبا ، فرؤية بعضه دالة على باقيه ، وما فرق به أيضا من كون قشره الأسفل قد يمص معه فصار كأنه في قشر واحد كالرمان محل نظر ، إذ قشرة كل منهما السفلى قد تؤكل معه ، وزعم بعضهم أن الأوجه أن محل الكلام في باقلا لا يؤكل معه قشره الأعلى وإلا جاز كبيع اللوز في قشره الأعلى قبل انعقاد الأسفل لأنه مأكول كله ، وظاهر كلامهم يخالفه ( وفي قول يصح ) بيعه في الأعلى ( إن كان رطبا ) لحفظه رطوبته فهو من مصلحته ورجحه كثيرون في الباقلا بل نقله الروياني عن الأصحاب والأئمة الثلاثة ، والإجماع الفعلي عليه وما حكاه جمع من أن الشافعي أمر الربيع بشرائه له ببغداد معترض بأن الربيع لم يصحبه بها وبفرض صحته فهو مذهبه القديم ، وقد بالغ في الأم في تقرير عدم صحة بيعه ، وسيأتي في إحياء الموات الكلام على الإجماع الفعلي ، وإلحاق اللوبيا بذلك مردود بأنها مأكولة كلها كاللوز قبل انعقاد [ ص: 152 ] الأسفل .

                                                                                                                            التالي السابق



                                                                                                                            الخدمات العلمية