الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

( ولو استهلك العبد المرهون مالا يستغرق رقبته  ، فإن أدى المرتهن الدين الذي لزم العبد فدينه على حاله كما في الفداء ، وإن أبى قيل للراهن بعه في الدين إلا أن يختار أن يؤدي عنه ، فإن أدى بطل دين المرتهن ) كما ذكرنا في الفداء ( وإن لم يؤد وبيع العبد فيه يأخذ صاحب دين العبد دينه ) ; لأن دين العبد مقدم على دين المرتهن وحق ولي الجناية لتقدمه على حق المولى ، [ ص: 194 ] ( فإن فضل شيء ودين غريم العبد مثل دين المرتهن أو أكثر فالفضل للراهن وبطل دين المرتهن ) ; لأن الرقبة استحقت لمعنى هو في ضمان المرتهن فأشبه الهلاك ( وإن كان دين العبد أقل سقط من دين المرتهن بقدر دين العبد وما فضل من دين العبد يبقى رهنا كما كان ، ثم إن كان دين المرتهن قد حل أخذه به ) ; لأنه من جنس حقه ( وإن كان لم يحل أمسكه حتى يحل ، وإن كان ثمن العبد لا يفي بدين الغريم أخذ الثمن ولم يرجع بما بقي على أحد حتى يعتق العبد ) ; لأن الحق في دين الاستهلاك يتعلق برقبته وقد استوفيت فيتأخر إلى ما بعد العتق ( ثم إذا أدى بعده لا يرجع على أحد ) ; لأنه وجب عليه بفعله

التالي السابق


( فصل في حكم الفعلين )

لما ذكر حكم الفعل الواحد ذكر في هذا الفصل حكم الفعلين لأن الاثنين بعد الواحد ، كذا في الشروح ( قوله ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله عمدا قبل أن تبرأ يده إلخ ) أقول : لقائل أن يقول : إذا اختلف حكم الفعلين بأن يكون أحدهما عمدا [ ص: 249 ] والآخر خطأ يعطى كل واحد حكم نفسه سواء تخلل بينهما البرء أو لم يتخلل كما سينكشف في الأصل الآتي ذكره ، فيكون قوله قبل أن تبرأ يده في وضع هذه المسألة مستدركا لتمام جوابها ، وهو أن يؤخذ بالأمرين جميعا بدون ذكر ذلك القيد ، بل يوهم ذكره أن لا يكون الجواب كذلك فيما بعد أن تبرأ يده بناء على أن تخصيص الشيء بالذكر في الروايات يدل على نفي الحكم عما عداه كما صرحوا به ، وعن هذا قال في وضع المسألة الثانية أو قطع يده عمدا ثم قتله خطأ بدون ذكر ذلك القيد .

ثم أقول : يمكن أن يقال : فائدة ذكر ذلك القيد في المسألة الأولى التنبيه من أول الأمر على أن تخلل البرء ليس بمؤثر فيما إذا اختلف الفعلان فإنه إذا أعطى كل واحد منهما حكم نفسه فيما إذا لم يتخلل البرء ففيما إذا تخلل ذلك أولى ، وبهذا يندفع إيهام أن لا يكون الجواب فيما إذا تخلل البرء كالجواب فيما إذا لم يتخلل ، فإن تخصيص الشيء بالذكر إنما يدل في الروايات على نفي الحكم عما عداه إن لو لم يكن ما عداه أولى بثبوت الحكم المذكور له .

وأما إذا كان أولى بذلك فيدل على اشتراك ما عداه معه في الحكم المذكور بالأولوية بطريق دلالة النص بلا ريب وما نحن فيه من هذا القبيل . ثم إنه لما حصل التنبيه على ذلك في المسألة الأولى حصل الاستغناء عنه في المسألة الثانية لاشتراكهما في اختلاف الفعلين ولهذا لم يذكر ذلك القيد فيها . ثم لما جاء إلى المسألة الثالثة والرابعة .

[ ص: 250 ] قيدهما بتخلل البرء لتجانس الفعلين عمدا وخطأ فيهما فلا بد في الأخذ بالأمرين جميعا من تخلل البرء في البين ( قوله فصار كتخلل البرء ) قال بعض الفضلاء : منقوض بما إذا كان كلاهما خطأ .

أقول : كيف يكون منقوضا بذلك وقد تداركه المصنف صراحة فيما بعد حيث قال : وبخلاف ما إذا كانا خطأين ، وعلله بتعليلين بإزاء تعليلي أبي حنيفة ما إذا كانا عمدين ، وتعليله الثاني وهو قوله ولأن أرش اليد إنما يجب عند استحكام أثر الفعل إلخ دافع قطعا لتوهم انتقاض قوله فصار كتخلل البرء بما إذا كانا خطأين تأمل تفهم . وقال صاحب معراج الدراية : فإن قيل : لو كان بمنزلة تخلل البرء ينبغي أن لا يكون للإمام خيار كما لو تخلل البرء . قلنا : المسألة مجتهد فيها ، فالقاضي يقضي على ما وافق رأيه انتهى .

أقول : في الجواب نظر ، فإن قول المصنف بعد بيان خيار الإمام وهذا عند أبي حنيفة يأبى هذا الجواب جدا فإن قضاء القاضي في المسألة المجتهد فيها على ما وافق رأيه ليس بقول أبي حنيفة فقط بل صاحباه أيضا يقولان به كما لا يخفى على العارف بمسائل الفقه . ثم إن هذا كله على تقدير أن يكون الخيار للإمام عند أبي حنيفة ، وأما إذا كان الخيار للولي عنده كما ذكره شمس الأئمة السرخسي ونقل عنه الشراح قاطبة حتى قال صاحب العناية بعد نقل ذلك عنه : فعلى هذا يكون قوله فإن شاء الإمام معناه يبين لهم أن لهم الخيار ، فلا تمشية رأسا للسؤال على الوجه المذكور .

نعم يرد أن يقال : فما معنى قول أبي حنيفة في هذه المسألة بأن للولي الخيار مع الجزم في المسائل السابقة بأن يؤخذ بالأمرين جميعا ، [ ص: 251 ] وعلة تعذر الجمع متحققة في الكل عنده بلا تفاوت كما تبين في الكتاب ؟




الخدمات العلمية