الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال ( ونبيذ العسل والتين ونبيذ الحنطة والذرة والشعير حلال وإن لم يطبخ   ) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إذا كان من غير لهو وطرب لقوله عليه الصلاة والسلام { الخمر من هاتين الشجرتين ، وأشار إلى الكرمة والنخلة } خص التحريم بهما

والمراد بيان الحكم ، ثم قيل يشترط الطبخ فيه لإباحته ، وقيل لا يشترط وهو المذكور [ ص: 101 ] في الكتاب ; لأن قليله لا يدعو إلى كثيره كيفما كان

التالي السابق


( قوله وكذلك لو سلطا المرتهن على بيعه ) قال صاحب الغاية ; أي كما أن الأب والوصي يضمنان للصبي إذا هلك عبده الذي رهناه عند المرتهن فكذلك يضمنان إذا سلطا المرتهن على بيعه فباعه انتهى

أقول : ليس هذا بشرح صحيح ، إذ يأبى عنه جدا قول المصنف في التعليل ; لأنه توكيل بالبيع وهما يملكانه

والصواب أن مراد المصنف ها هنا هو أن الأب والوصي كما يجوز لهما أن يرهنا بدين عليهما عبدا للصغير كذلك يجوز لهما أن يسلطا المرتهن على بيع ذلك العبد ، فحينئذ ينتظم التعليل المذكور ويظهر وجه ترك المصنف قيد فباعه بعد قوله وكذلك لو سلطا المرتهن على بيعه ، إذ لو كان مراده ما زعمه الشارح المزبور لكان ذكر ذلك القيد مما لا بد منه ، بل كان عليه أن يزيد على ذلك القيد شيئا آخر وهو أن يقول وأخذ ثمنه لنفسه بدل دينه على الراهن ، إذ لو جعل ثمنه رهنا موضع عينه ولم يتلفه لا يضمنان شيئا للصبي ; لأنهما يملكان رهن مال الصبي بدين عليهما ويملكان التوكيل ببيع ماله ، فمن أين يلزمهما الضمان بمجرد تسليطهما المرتهن على بيعه ، وبيع المرتهن إياه إذا لم يتلف المرتهن ثمنه بل حفظه بدل المبيع ( قوله : وهو قاصر الشفقة فلا يعدل عن الحقيقة في حقه إلحاقا له بالأب ) قلت : قوله إلحاقا له بالأب [ ص: 161 ] عاد للمنفي دون النفي تأمل تقف ( قوله ولو رهنه بدين على نفسه وبدين على الصغير جاز لاشتماله على أمرين جائزين ) قال صاحب العناية : يريد به رهن الأب والوصي متاع الصغير لدين على نفسه ، ورهنهما ذلك لدين على الصغير ، وعلى هذا المعنى رأي جمهور الشراح ها هنا

أقول : فيه بعد عما يتحمله كلام المصنف ، فإن الذي ذكره المصنف فيما قبل إنما هو رهن الأب متاع الصغير لدين على نفسه أو لدين على الصغير دون رهن الوصي إياه ، فالظاهر أن الضمير في قوله : ولو رهنه بدين على نفسه وبدين على الصغير راجع إلى الأب فقط ، فدرج رهن الوصي أيضا في بيان مراد المصنف ها هنا لا يناسب سياق كلامه

وأيضا قال المصنف فيما بعد : وكذلك الوصي وكذلك الجد أب الأب إذا لم يكن الأب أو وصي الأب

ولا يخفى أن هذا العطف والتشبيه يقتضي أن يكون قوله : ولو رهنه بدين على نفسه وبدين على الصغير مخصوصا بالأب ، فدرج الوصي في مضمونه لا يناسب لحاق كلامه

فالحق في شرح هذا المقام ما ذكره صاحب العناية حيث قال : أراد بهما رهن الأب متاع الصغير بدين نفسه وبدين على الصغير انتهى

ثم قال صاحب العناية في بيان وجه قول المصنف لاشتماله على أمرين جائزين : وذلك ; لأنه لما ملك أن يرهن بدين كل واحد منهما على الانفراد ملك بدينهما ; لأن كل ما جاز أن يثبت لكل واحد من أجزاء المركب جاز أن يثبت للكل دون العكس انتهى

أقول : في هذه الكلية منع ظاهر ; ألا يرى أن إنسانا أو فرسا يطيق تحمل كل واحد من أجزاء البيت المركب من الأحجار والأشجار مثلا ولا يطيق تحمل الكل قطعا ، وأن رجلا شجاعا يطيق مقابلة كل واحد من آحاد العسكر على الانفراد [ ص: 162 ] ولا يطيق مقابلة مجموع العسكر معا ، وهذا في الأمور الخارجية

وأما في الأحكام الشرعية فكما أنه يجوز لرجل أن يجامع كل واحدة من الأختين منفردة عن الأخرى بملك نكاح أو بملك يمين ولا يجوز له أن يجمعهما معا في الجماع بشيء من ذينك السببين ، ولعل سائر الشراح وصاحب الكافي تنبهوا لعدم صحة الكلية فقالوا في البيان والتعليل : وذلك ; لأنه لما ملك أن يرهن بدين كل واحد منهما على الانفراد فكذلك بدينهما ولم يزيدوا على هذا المقدار شيئا

لكن لا يخفى على الفطن المتأمل أن تعليلهم المذكور بدون تلك الكلية لا يفيد الشفاء في إثبات المدعى هنا

ثم إن بعض الفضلاء لما تنبه لاختلال الكلية الواقعة في كلام صاحب العناية قصد الإصلاح حيث قيد قوله : لأن كل ما أجاز أن يثبت لكل واحد من أجزاء المركب جاز أن يثبت للكل بأن قال : إذا لم يمنع مانع كما في الجمع بين الأختين وسائر ما لا يجوز الجمع بينهما

أقول : هذا التقييد يخل بالمقام ، أما أولا فلأن التعليل المذكور لا يتم إثباتا للمدعى حينئذ ، فإن عدم تحقق المانع فيما نحن فيه أول المسألة ; إذ لو كان بينا في نفسه لما احتيج إلى ذكر جواز رهن الأب متاع الصغير بدين على نفسه وبدين على الصغير بعد أن ذكر فيما قبل جواز رهنه إياه بكل واحد منهما

وأما ثانيا فلأنه لا يتم حينئذ قول صاحب العناية دون العكس ، فإن ما يثبت للكل يجوز أن يثبت للجزء إذا لم يمنع عنه مانع سيما في الأمور الهينة ( قوله ولهذا قال في كتاب الإقرار : إذا أقر الأب أو الوصي بغصب مال الصغير لا يلزمه شيء ; لأنه لا يتصور غصبه لما أن له ولاية الأخذ ) وأورد عليه بعض الفضلاء حيث قال : لم لا يكون إقرارا بالاستعمال في حاجته فإنه متعد فيه [ ص: 163 ] ولهذا يضمنه انتهى

أقول : ليس ذاك بشيء فإن الاستعمال في حاجة نفسه ليس بداخل في حقيقة الغصب ولا أمر لازم له ; إذ الغصب في اللغة أخذ الشيء من الغير على سبيل التغلب

وفي الشريعة أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده

كما مر ذلك كله في صدر كتاب الغصب ، ولا شك في عدم دخول الاستعمال في حاجة نفسه في شيء من معنى الغصب ولا في عدم لزومه لشيء منهما فكيف يكون الإقرار بالغصب إقرارا بالاستعمال في حاجته




الخدمات العلمية