الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

أما الخمر فالكلام فيها في عشرة مواضع : أحدها في بيان مائيتها وهي النيء من ماء العنب إذا صار مسكرا وهذا عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم

وقال بعض الناس : هو اسم لكل مسكر لقوله عليه الصلاة والسلام { كل مسكر خمر } : وقوله عليه الصلاة والسلام { الخمر من هاتين الشجرتين } وأشار إلى الكرمة والنخلة ، ولأنه مشتق من مخامرة العقل وهو موجود في كل مسكر

ولنا أنه اسم خاص بإطباق أهل اللغة فيما ذكرناه ولهذا اشتهر استعماله فيه وفي غيره غيره ، [ ص: 91 ] ولأن حرمة الخمر قطعية وهي في غيرها ظنية ، [ ص: 92 ] وإنما سمي خمرا لتخمره لا لمخامرته العقل ، على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصا فيه

[ ص: 93 ] فإن النجم مشتق من النجوم وهو الظهور ، ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر وهذا كثير النظير

والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين رحمه الله ، والثاني أريد به بيان الحكم ; إذ هو اللائق بمنصب الرسالة

والثاني في حق ثبوت هذا الاسم  وهذا الذي ذكره في الكتاب قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما إذا اشتد صار خمرا ، ولا يشترط القذف بالزبد ; لأن الاسم يثبت به ، وكذا المعنى المحرم وهو المؤثر في الفساد [ ص: 94 ] بالاشتداد

ولأبي حنيفة رحمه الله أن الغليان بداية الشدة ، وكمالها بقذف بالزبد وسكونه ; إذ به يتميز الصافي من الكدر ، وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع

وقيل يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد احتياطا

التالي السابق


( قوله : لأنه صار دينا بالبيع بأمر الراهن فصار كأن الراهن رهنه وهو دين ) قال بعض [ ص: 148 ] الفضلاء : فيه بحث ، فإن المقيس عليه هو رهن الدين غير صحيح فكيف يثبت الحكم في الفرع قياسا عليه انتهى

أقول : لا يخفى على الفطن أن مراد المصنف بتعليله المذكور ليس إثبات الحكم فيما نحن فيه بطريق القياس على رهن الدين حتى يتوجه البحث المذكور ، بل مراده به بيان أن حكم الرهن يبقى في الدين الذي صار خلفا عن العين المبيع بأمر الراهن ; لأن الأصل كان صالحا لأن يكون رهنا فكذا خلفه تبعا ، وإن لم يصلح الدين للرهنية أصالة فكم من شيء يثبت ضمنا وتبعا ولا يثبت أصالة وقصدا ، فقوله فصار كأن الراهن رهنه وهو دين إشارة إلى معنى الخلفية لا إلى القياس

وهذا مع ظهوره لكل متأمل متقن قد صرح به أكثر الشراح حيث قالوا : فإن قيل : لو رهن الدائن ابتداء لا يصح ; لأنه لا يكون محلا للرهن

قلنا : نعم ، ولكن يبقى حكم الرهن [ ص: 149 ] في الدين لكونه بدلا عن المقبوض ، وهو قد كان صالحا لذلك فيثبت هذا الحكم في خلفه تبعا لا مقصودا انتهى .




الخدمات العلمية