الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

( وما يباح النظر إليه للرجل من الرجل يباح المس   ) لأنهما فيما ليس بعورة سواء . قال ( ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر الرجل إليه منه إذا أمنت الشهوة ) لاستواء الرجل والمرأة في النظر إلى ما ليس بعورة كالثياب والدواب . وفي كتاب الخنثى من الأصل : أن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي  بمنزلة نظر الرجل إلى محارمه ; لأن النظر إلى خلاف الجنس أغلظ ، فإن كان في قلبها شهوة أو أكبر رأيها أنها تشتهي أو شكت في ذلك يستحب لها أن تغض بصرها ، ولو كان الناظر هو الرجل إليها وهو بهذه الصفة لم ينظر ، وهذا إشارة إلى التحريم . ووجه الفرق أن الشهوة عليهن غالبة وهو كالمتحقق اعتبارا ، فإذا اشتهى الرجل كانت الشهوة موجودة في الجانبين ، ولا كذلك إذا اشتهت المرأة ; لأن الشهوة غير موجودة في جانبه حقيقة واعتبارا فكانت من جانب واحد ، والمتحقق من الجانبين في الإفضاء إلى المحرم أقوى من المتحقق في جانب [ ص: 30 ] واحد .

التالي السابق


( فصل في كري الأنهار ) قال جماعة من الشراح : لما فرغ من ذكر مسائل الشرب احتاج إلى ذكر مؤنة كري الأنهار التي كان الشرب منها ، ولكن لما كانت مؤنة الكري أمرا زائدا على النهر إذ النهر يوجد بدون مؤنة الكري كالنهر العام أخر ذكره انتهى . أقول : فيه كلام . [ ص: 82 ] أما أولا فلأن المصنف لم يفرغ من ذكر مسائل الشرب ، بل هو في أثناء ذكر مسائلها بعد ، كيف وقد قال فيما قبل فصول في مسائل الشرب ، وهو الآن شرع في الفصل الثاني من تلك الفصول . وأما ثانيا فلأن النهر العام أيضا لا يوجد بدون مؤنة الكري ، بل له مؤنة من بيت مال المسلمين كما صرح به المصنف فيما بعد حيث قال : فالأول كريه على السلطان من بيت مال المسلمين ; لأن منفعة الكري لهم فيكون مؤنته عليهم . لا يقال : مرادهم أن النهر العام يوجد بدون مؤنة الكري على أهله لا أنه يوجد بدونها مطلقا يشير إليه قول المصنف فيما بعد : وأما الثاني فكريه على أهله لا على بيت المال فلا يضرهم وجوب مؤنة النهر العام على السلطان لأنا نقول : مؤنة النهر العام وإن كانت على السلطان في الظاهر حيث كان صرفها من يده إلا أنها في الحقيقة على أهلها أيضا ، وهم عامة المسلمين ، يرشد إليه قول المصنف : لأن منفعة الكري لهم فتكون مؤنته عليهم في تعليل قوله فالأول كريه على السلطان من بيت مال المسلمين : ولئن سلم أن مؤنة النهر العام على السلطان نفسه فلا يجدي نفعا أيضا ، إذ لا يلزم حينئذ أن يوجد النهر بدون مؤنة [ ص: 83 ] الكري مطلقا فلا يثبت كون مؤنة الكري أمرا زائدا على النهر ، فلا يتم وجه التأخير الذي ذكروه هاهنا .

ثم أقول : ما ذكروه هاهنا مع كونه غير تام في نفسه مستغنى عنه بالكلية بما ذكروه من قبل عند قول المصنف فصول في مسائل الشرب : فصل في المياه ، فإنهم قالوا هناك : لما فرغ من إحياء الموات ذكر ما يتعلق به من مسائل الشرب ; لأن إحياء الموات يحتاج إليه ، وقدم فصل المياه على فصل الكري ; لأن المقصود هو الماء انتهى فتأمل ( قوله وله أن المقصد من الكري الانتفاع بالسقي ، وقد حصل لصاحب الأعلى فلا يلزمه إنفاع غيره ) قال صاحب النهاية : والصواب نفع غيره ; لأن الإنفاع في معنى النفع غير مسموع ، كذا وجدت بخط الإمام تاج الدين الزرنوجي ، إلى هنا كلامه واقتفى أثره جماعة من الشراح ولم يزيدوا عن ذلك شيئا . وقال صاحب الغاية : استعمل الإنفاع في معنى النفع وهو ضد الضرر ، ولم يسمع ذلك في قوانين اللغة وجاء أرجعته في لغة هذيل بمعنى رجعته ، ويجوز على قياسه أنفعته بمعنى نفعته . ولكن اللغة لا تصح بالقياس ، ويجوز أن يكون ذلك سهوا من الكتاب بأن يكون في الأصل انتفاع غيره من باب الافتعال ا هـ كلامه .

وقال الشارح العيني بعد نقل كلام هؤلاء الشراح على الترتيب المذكور : قلت : لا يلزم أن تكون الهمزة هنا للتعدية لكون النفع متعديا بدون الهمزة ، بل يجوز أن تكون للتعريض من باب أبعته فإن باع متعد ، ولما قصدوا منه التعريض أدخلوا الهمزة عليه على قصد أن يكون المفعول معرضا لأصل الفعل ، فإن معنى أبعته عرضته للبيع وجعلته منتسبا إليه ، وكذلك هاهنا يكون المعنى فلا يلزمه أن يجعل غيره معرضا للنفع ولا منتسبا إليه انتهى .

أقول . ليس هذا بشيء ، إذ مآله أيضا إثبات اللغة بالقياس ، وهو غير صحيح على ما صرحوا به ، ولو صح ذلك لكان قياس ما في الكتاب على أرجعه بمعنى رجعه أولى وأحسن من قياسه على أباعه بمعنى عرضه للبيع كما لا يخفى على ذي فطرة سليمة .




الخدمات العلمية