الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

( ولا يحل له أن يمس وجهها ولا كفيها  وإن كان يأمن الشهوة ) لقيام المحرم وانعدام الضرورة والبلوى ، بخلاف النظر لأن فيه بلوى . والمحرم قوله عليه الصلاة والسلام { من مس كف امرأة ليس منها بسبيل وضع على كفه جمرة يوم القيامة } وهذا إذا كانت شابة تشتهى ، أما إذا كانت عجوزا لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها ومس يدها لانعدام خوف الفتنة . وقد روي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يدخل بعض القبائل التي كان مسترضعا فيهم وكان يصافح العجائز ، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه استأجر عجوزا لتمرضه ، وكانت تغمز رجليه [ ص: 26 ] وتفلي رأسه ، وكذا إذا كان شيخا يأمن على نفسه وعليها لما قلنا ، فإن كان لا يأمن عليها لا تحل مصافحتها لما فيه من التعريض للفتنة . والصغيرة إذا كانت لا تشتهى يباح مسها والنظر إليها لعدم خوف الفتنة .

التالي السابق


( قوله : لأن في الأراضي رخوة ويتحول الماء [ ص: 74 ] إلى ما حفر دونها ) أقول : كان الظاهر أن يقال : فيتحول الماء بالفاء ; لأن سبب تحول الماء إلى ما حفر دونها إنما هو رخوة الأراضي لا غير ، إذ لو كانت فيها صلابة لم يتحول الماء إلى ما حفر دونها قطعا فلا بد من أداة التفريع .

ثم أقول : لقائل أن يقول : إن هذا التعليل تعليل في مقابلة النص ; لأن قوله عليه الصلاة والسلام { من حفر بئرا فله مما حولها أربعون ذراعا } ظاهر في كون الأربعين من كل الجوانب الأربعة ، على أن يكون من كل جانب عشرة أذرع كما صرح به في الكافي وعامة الشروح ، وقد تقرر في علم الأصول أن التعليل في مقابلة النص غير صحيح ، فكيف يتم الاستدلال بما ذكره على كون الصحيح أنه من كل جانب . ويمكن الجواب بأن المقصود من الحريم دفع الضرر عن صاحب البئر ، والضرر لا يندفع عنه بعشرة أذرع من كل جانب . فلو لم يكن الأربعون من كل جانب لزمه الحرج وهو مدفوع بالنص ، فكان مآل هذا التعليل هو الاستدلال بالنص الدال على دفع الحرج ، وقد اكتفى فيه بما يدل على لزوم الضرر المؤدي إلى الحرج ، ويرشدك إليه تقرير صاحب الكافي هاهنا حيث قال : والصحيح أن المراد به أربعون ذراعا من كل الجوانب ; لأن المقصود دفع الضرر عن صاحب البئر الأول لكي لا يحفر أحد في حريمه بئرا أخرى فيتحول إليها ماء بئره ، وهذا الضرر لا يندفع بعشرة أذرع من كل جانب ، فإن الأراضي تختلف صلابة ورخاوة ، فربما يحفر بحريمه أحد بئرا أخرى فيتحول ماء البئر الأولى إليه فيتعطل عليه منفعة بئره ، وفي مقدار أربعين ذراعا من كل جانب يندفع هذا الضرر بيقين انتهى فتدبر ( قوله وله ما روينا من غير فصل ، والعام المتفق على قبوله والعمل به أولى عنده من الخاص المختلف في قبوله والعمل به ) يريد بقوله ما روينا قوله عليه الصلاة والسلام { من حفر بئرا فله مما حولها أربعون ذراعا } وبقوله من غير فصل : أي من غير فصل بين العطن والناضح ، ويريد بالعام المتفق على قبوله والعمل به قوله عليه الصلاة والسلام { من حفر بئرا فله مما حولها أربعون ذراعا } وبقوله أولى عنده ، أي عند أبي حنيفة رحمه الله ، ويريد بالخاص المختلف في قبوله والعمل به حديث الزهري وهو قوله { حريم العين خمسمائة ذراع ، وحريم بئر العطن أربعون ذراعا ، وحريم بئر الناضح ستون ذراعا } كذا في العناية وغيرها .

أقول : هذا الدليل المذكور من قبل أبي حنيفة منقوض بما إذا كانت البئر عينا ، فإن حريمها خمسمائة ذراع بالإجماع كما سيأتي مع أن ما رواه من قوله عليه الصلاة والسلام { من حفر بئرا فله مما حولها أربعون ذراعا } لا يفصل ذلك أيضا ، وإن كون العام المتفق على قبوله والعمل به أولى عنده من الخاص المختلف في قبوله ، والعمل به يقتضي أن يكون حريمها أربعين ذراعا عنده فليتأمل في الفرق ، [ ص: 75 ] قوله ولأن القياس يأبى استحقاق الحريم ; لأن عمله في موضع الحفر والاستحقاق به ففيما اتفق عليه الحديثان تركناه ، وفيما تعارضا فيه حفظناه ) يعني أن الحديثين اتفقا في الأربعين فتركنا القياس في هذا القدر ، وفيما وراء الأربعين تعارضا ، لأن العام ينفيه ، والخاص يثبته فتساقطا فعملنا بالقياس ، كذا في شرحتاج الشريعة وغيره . أقول : فيه بحث لأن المتعارضين من الدليلين إنما يتساقطان إذا لم يكن لأحدهما رجحان على الآخر ، وأما إذا كان لأحدهما رجحان على الآخر فيجب العمل بالراجح وترك الآخر ، والأمر فيما نحن فيه كذلك ; لأن العام إنما ينفي ما وراء الأربعين بطريق المفهوم وهو غير معتبر عندنا ، وإن سلم أنه ينفي ذلك بمنطوقه فإنما ينفيه بطريق الإشارة ، والخاص يثبته بطريق العبارة . وقد تقرر في علم الأصول أن عبارة النص ترجح على إشارته عند التعارض فلزم أن لا يسقط الخاص بل وجب أن يعمل به ، ويترك القياس لظهور أن يترك القياس في مقابلة النص . قال تاج الشريعة : فإن قلت : كيف يتعارضان ، وقد ذكر القبول في أحدهما والاختلاف في الآخر ؟ قلت : يعني به صورة المعارضة ، كما يقال إذا تعارض المشهور مع خبر الواحد ترجح المشهور وعدم التعارض معلوم انتهى .

واقتفى أثره صاحب الكفاية والشارح العيني . أقول : الجواب ليس بصحيح ، إذ لو كان المراد بتعارضهما هاهنا صورة التعارض التي لا تنافي رجحان أحدهما على الآخر لما تم قول المصنف وفيما تعارضا فيه حفظناه . ولما صح قولهم في شرح ذلك وفيما وراء الأربعين تعارضا فتساقطا فعملنا بالقياس ، إذ التساقط والعمل بالقياس إنما يتصور في حقيقة التعارض بأن يتساويا في القوة ولم يوجد المخلص . وأما في صورة التعارض مع رجحان أحدها على الآخر فيجب العمل بالراجح وترك الآخر والقياس ، وقد عرف ذلك كله في أصول الفقه . ثم أقول : الظاهر في الجواب أن يقال : مدار هذا الدليل على التنزيل عما ذكر في الدليل السابق من كون العام المتفق على قبوله أولى من الخاص المختلف في قبوله : يعني لو سلم عدم رجحان أحدهما على الآخر وتساقطهما فيما تعارضا فيه ، وهو ما وراء الأربعين حفظنا القياس فيه وهو يكفينا فيما نحن فيه تأمل ترشد .

( قوله ولأنه قد يستقي من بئر العطن بالناضح ومن بئر الناضح باليد فاستوت الحاجة فيهما ) [ ص: 76 ] أقول : هذا التعليل ضعيف جدا ; لأنهم صرحوا بأن المراد من بئر العطن ما يستقى منه باليد ، ومن بئر الناضح ما يستقى منه بالبعير فكيف يتم أن يقال : قد يستقى من بئر العطن بالناضح ومن بئر الناضح باليد ، ولئن سلم ذلك فهو على الندرة فكيف يتم أن يقال : فاستوت الحاجة فيهما ( قوله وقيل إن التقدير في البئر والعين بما ذكرناه في أراضيهم لصلابة بها وفي أراضينا رخاوة فيزاد كي لا يتحول الماء إلى الثاني فيتعطل الأول ) أقول : فيه إشكال ، إذ المقادير مما لا مدخل فيه للرأي أصلا ، وإنما مدارها النص من الشارع كما صرحوا به واتفقوا عليه . والذي ثبت بالنص فيما نحن فيه ما ذكر فيما قبل لا غير ، فتصير الزيادة عليه عملا بالرأي فيما هو من المقادير وهو لا يجوز فليتأمل في الدفع ( قوله وما عطب في الثانية ففيه الضمان ; لأنه متعد فيه حيث حفر في ملك غيره ) أقول : في التعليل قصور ; لأنه لا يتمشى فيما إذا حفر الأول بغير إذن الإمام على أصل أبي حنيفة ، فإنه يجعل الحفر هناك تحجيرا كما مر آنفا ، وبمجرد التحجير لا تصير البئر الأولى ولا حريمها ملكا للمحجر فلا يصدق هناك على أصله أن يقال إن الثاني حفر في ملك غيره ، فالأولى في التعليل أن يقال : لأنه متعد فيه حيث حفر في حق غيره ، إذ لا شك أن الحق يثبت بالتحجير كما يثبت بالإحياء ، ولهذا لا يقدر [ ص: 77 ] الإمام أن يأخذها من يد المحجر ويدفعها إلى غيره إلا إذا حجر أرضا ولم يعمرها ثلاث سنين كما مر فيتمشى التعليل بهذا الوجه في الصورة المذكورة أيضا على أصل أئمتنا الثلاثة جميعا




الخدمات العلمية