الهداية شرح بداية المبتدي
( ومن استولد أمة غيره بنكاح ثم ملكها صارت أم ولد له ) وقال الشافعي رحمه الله : لا تصير أم ولد له ، [ ص: 45 ] ولو استولدها بملك يمين ثم استحقت ثم ملكها تصير أم ولد له عندنا ، وله فيه قولان وهو ولد المغرور . له أنها علقت برقيق فلا تكون أم ولد له كما إذا علقت من الزنا ثم ملكها الزاني ، وهذا ; لأن أمومية الولد باعتبار علوق الولد حرا ; لأنه جزء الأم في تلك الحالة والجزء لا يخالف الكل .
ولنا أن السبب هو الجزئية على ما ذكرنا من قبل ، والجزئية إنما تثبت بينهما بنسبة الولد الواحد إلى كل واحد منهما كملا وقد ثبت النسب [ ص: 46 ] فتثبت الجزئية بهذه الواسطة ، بخلاف الزنا ; لأنه لا نسب فيه للولد إلى الزاني ، وإنما يعتق على الزاني إذا ملكه ; لأنه جزؤه حقيقة بغير واسطة . نظيره من اشترى أخاه من الزنا لا يعتق ; لأنه ينسب إليه بواسطة نسبته إلى الوالد وهي غير ثابتة .
فتح القدير
( قوله : ومن استولد أمة غيره بنكاح ) يعني تزوج أمة لغيره فولدت له ( ثم ملكها صارت أم ولد ) بذلك الولد الذي ولدته بعقد النكاح ولو كان نكاحا فاسدا وهو قول أحمد في رواية . ( وقال الشافعي : لا تصير أم ولد له ) وهو قول مالك ، وعلى هذا الخلاف لو جاءت به من وطء بشبهة فملكها ، ثم عندنا تصير أم ولد له من وقت ملكها لا من وقت العلوق ، وعند زفر من وقت ثبوت النسب منه ; لأن أمومية الولد عند الملك بالعلوق السابق فبعد ذلك العلوق كل من ولد لها ثبت له حق الحرية ، ونحن نقول : إنما ثبت فيها وصف الأمية بعد الملك ، وإن كان بأمر متقدم فقبله الولد منفصل ولا سراية في المنفصل قبل الأمومة .
ويتفرع على هذا أنه لو ملك ولدا لها من غيره قبل أن يملكها له بيعه عندنا خلافا له ; لأنه ليس ابن أم ولد له ، بخلاف ما لو ملك ولده منها قبل ملكها فإنه يعتق عليه اتفاقا . وفي المبسوط : لو طلقها فتزوجت بآخر فولدت منه ثم اشترى الكل صارت أم ولد له وعتق ولده ، وولدها من غيره يجوز بيعه خلافا لزفر ، بخلاف الحادث في ملكه من غيره فإنه في حكم أمه ، ولو استولدها بملك اليمين ثم استحقت أو بنكاح على أنها حرة فظهرت أمة تصير أم ولد له عندنا .
وللشافعي فيه قولان : في قول تصير أم ولد له ، وفي آخر [ ص: 45 ] لا تصير أم ولد له ( وهو ولد المغرور ) وهو حر بالقيمة يوم الخصومة ( قوله : له ) أي للشافعي ( أنها علقت برقيق فلا تكون أم ولد كما إذا علقت من الزنا ثم ملكه الزاني ، وهذا ; لأن أمومة الولد باعتبار علوق الولد حرا ) ، وإنما قلنا : إن الأمومة باعتبار علوق الولد حرا ( ; لأنه جزء الأم في تلك الحالة والجزء لا يخالف الكل ) وهو حر ، فلا بد أن تستحق هي الحرية .
واعترض من قصر نظره على خصوص المذكور بأن الرق في أم الولد مستمر إلى موت سيدها ، والولد علق حرا فقد خالف الجزء الكل ، وهذا ; لأنه جزء منفصل وليس كالمتصل ، وتمام تقرير المذكور يدفع هذا الاعتراض ، وإنما اقتصر المصنف اقتصارا للعلم ببقية التقرير .
وحاصل الوجه المذكور أن جزأها حر ومقتضاه حريتها ، إذ لا يخالف الجزء الكل ، إلا أن الاتصال بعرضية الانفصال ، والولد وإن كان جزءا حالة الاتصال لكنه جعل كشخص على حدة في بعض الأحكام حتى جاز إعتاقه دونها فثبت به حق الحرية عملا بشبهي الجزئية وعدمها ; لما بقي منها في الحال ، وهذا المعنى لا يوجد إذا علقت برقيق ، وتأيد هذا بقوله صلى الله عليه وسلم { أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته } وتقدم الحديث فشرط في ثبوت حق العتق أن تلد من سيدها ، وهذه ولدت من زوجها . ( ولنا أن سبب الأمومة ) في محل الإجماع وهو الأصل ( هو الجزئية على ما ذكرنا من قبل ) يعني عند قوله أول الباب ; ولأن الجزئية قد حصلت بين الواطئ والموطوءة بسبب الولد ( والجزئية إنما ثبتت بينهما بنسبة الولد إلى كل منهما كملا ) فتثبت الجزئية بناء على ثبوت النسب ، فثبوت استحقاق الحرية بناء على ثبوت [ ص: 46 ] الجزئية الثابت بناء على ثبوت النسب وهو ثابت في الزوج فتثبت الأمومة ( بخلاف الزنا فإنه لا نسب يثبت للولد من الزاني ) فلا تصير الأمة التي جاءت بولد من الزنا إذا ملكها الزاني أم ولد له استحسانا ، خلافا لزفر حيث قال تصير أم ولد له وهو القياس . فإن قيل : فكان ينبغي أن لا يعتق الولد إذا ملكه أبوه من الزنا إذا كان لا يثبت نسبه منه أجاب بقوله ( وإنما يعتق على الزاني إذا ملكه ; لأنه جزؤه حقيقة بغير واسطة نظيره ) أي نظير أم الولد من الزنا حيث لا تعتق عليه ; لعدم انتسابه إلى أبيه ( من اشترى أخاه من الزنا لا يعتق ) عليه ; لأنه لا ينسب إليه بغير واسطة بل ( بواسطة نسبته إلى الوالد ) وهي غير ثابتة حتى لو كانت ثابتة عتق كما إذا كان أخاه لأمه فصار الحاصل أن الأمومة تتبع ثبوت النسب عند الملك .
والعتق المنجز يتبع حقيقة الجزئية عند الملك أو ثبوت الانتساب إليه بواسطة ثابتة ، وقوله صلى الله عليه وسلم " أيما أمة " الحديث ، ليس فيه قصر الأمومة على السيد بل إنها تثبت منه غير متعرض لنفيها عن غيره ، فإذا صح تعليله بثبوت نسب ما تأتي به منه ثبتت من غيره إذا ثبت النسب منه ، وقد صح من الزوج فتثبت بالولادة منه وهذا ; لأنا ننفي المفهوم المخالف ، وهم وإن أثبتوه قدموا عليه القياس ، فإذا صح قياس الزوج على السيد في ثبوت الأمومة لزم على المذهبين إلا أنه يشكل على تعليلنا ما إذا ادعى نسب ولد أمته التي زوجها من عبده ، فإنه نسبه إنما يثبت من العبد لا من السيد وتصير أم ولد له .
وجوابه أن ثبوت الأمومة ; لإقراره بثبوت النسب منه ، وإن لم يصدقه الشرع فكان دائرا مع ثبوت النسب شرعا أو اعترافا . ومما تنتفي فيه الأمومة ما ذكر في الإيضاح : أمة جاءت بولد فادعاه أجنبي لا يثبت نسبه صدقه المولى أو كذبه ، فإن ملكه المدعى عتق ولا تصير أمه أم ولد له


