الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                فَصْلٌ جِمَاعُ هَذَا أَنَّكَ أَنْتَ إذَا كُنْتَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَصْلَحَتِكَ ; وَلَا قَادِرٍ عَلَيْهَا ; وَلَا مُرِيدٍ لَهَا كَمَا يَنْبَغِي ; فَغَيْرُكَ مِنْ النَّاسِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِمَصْلَحَتِكَ ; وَلَا قَادِرًا عَلَيْهَا ; وَلَا مُرِيدًا لَهَا ; وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ وَلَا تَعْلَمُ ; وَيَقْدِرُ وَلَا تَقْدِرُ ; وَيُعْطِيكَ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ ; كَمَا فِي حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ : { اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ ; وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ ; وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ ; فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ ; وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ ; وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } . فَصْلٌ وَهُوَ مِثْلُ الْمُقَدِّمَةِ لِهَذَا الَّذِي أَمَامَهُ ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ فَهُوَ هَمَّامٌ حَارِثٌ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ ، بَلْ كُلُّ حَيٍّ فَهُوَ كَذَلِكَ لَهُ عِلْمٌ وَعَمَلٌ بِإِرَادَتِهِ . وَالْإِرَادَةُ هِيَ الْمَشِيئَةُ وَالِاخْتِيَارُ ، وَلَا بُدَّ فِي الْعَمَلِ الْإِرَادِيِّ الِاخْتِيَارِيِّ مِنْ مُرَادٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، وَلَا يَحْصُلُ الْمُرَادُ إلَّا بِأَسْبَابِ وَوَسَائِلَ تُحَصِّلُهُ ، فَإِنْ حَصَلَ بِفِعْلِ الْعَبْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ قُدْرَةٍ وَقُوَّةٍ ; وَإِنْ كَانَ مِنْ خَارِجٍ فَلَا بُدَّ مِنْ فَاعِلٍ غَيْرِهِ ; وَإِنْ كَانَ مِنْهُ وَمِنْ الْخَارِجِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَسْبَابِ كَالْآلَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَلَا بُدَّ لِكُلِّ حَيٍّ مِنْ إرَادَةٍ ، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُرِيدٍ مِنْ عَوْنٍ يَحْصُلُ بِهِ مُرَادُهُ . فَصَارَ الْعَبْدُ مَجْبُولًا عَلَى أَنْ يَقْصِدَ شَيْئًا وَيُرِيدَهُ ; وَيَسْتَعِينَ بِشَيْءِ وَيَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ مُرَادِهِ هَذَا أَمْرٌ حَتْمٌ لَازِمٌ ضَرُورِيٌّ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ . لَكِنَّ الْمُرَادَ وَالْمُسْتَعَانَ عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهُ مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ ، وَمِنْهُ مَا يُرَادُ لِنَفْسِهِ . وَالْمُسْتَعَانُ : مِنْهُ مَا هُوَ الْمُسْتَعَانُ لِنَفْسِهِ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ تَبَعٌ لِلْمُسْتَعَانِ وَآلَةٌ لَهُ ، فَمِنْ الْمُرَادِ مَا يَكُونُ هُوَ الْغَايَةَ الْمَطْلُوبَ ، فَهُوَ الَّذِي يَذِلُّ لَهُ الطَّالِبُ وَيُحِبُّهُ ، وَهُوَ الْإِلَهُ الْمَقْصُودُ ، وَمِنْهُ مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ ، وَهُوَ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُرَادُ هُوَ ذَلِكَ الْغَيْرَ ، فَهَذَا مُرَادٌ بِالْعَرْضِ . وَمِنْ الْمُسْتَعَانِ مَا يَكُونُ هُوَ الْغَايَةَ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ; وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ; وَيَعْتَضِدُ بِهِ ; لَيْسَ عِنْدَهُ فَوْقَهُ غَايَةٌ فِي الِاسْتِعَانَةِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، بِمَنْزِلَةِ الْأَعْضَاءِ مَعَ الْقَلْبِ ; وَالْمَالِ مَعَ الْمَالِكِ ; وَالْآلَاتِ مَعَ الصَّانِعِ . فَإِذَا تَدَبَّرَ الْإِنْسَانُ حَالَ نَفْسِهِ وَحَالَ جَمِيعِ النَّاسِ ; وَجَدَهُمْ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ : لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْ شَيْءٍ تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ وَتَنْتَهِي إلَيْهِ مَحَبَّتُهَا ; وَهُوَ إلَهُهَا . وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ تَثِقُ بِهِ وَتَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي نَيْلِ مَطْلُوبِهَا هُوَ مُسْتَعَانُهَا ; سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ وَإِذًا فَقَدْ يَكُونُ عَامًّا وَهُوَ الْكُفْرُ ، كَمَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مُطْلَقًا ، وَسَأَلَ غَيْرَ اللَّهِ مُطْلَقًا ، مِثْلَ عُبَّادِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ الْحَاجَاتِ ، وَيَفْزَعُونَ إلَيْهِمْ فِي النَّوَائِبِ . وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا فِي الْمُسْلِمِينَ ، مِثْلَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ الْمَالِ ، أَوْ حُبُّ شَخْصٍ ، أَوْ حَبُّ الرِّيَاسَةِ ، حَتَّى صَارَ عَبْدَ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ : إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ } وَكَذَلِكَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الثِّقَةُ بِجَاهِهِ وَمَالِهِ ، بِحَيْثُ يَكُونُ عِنْدَهُ مَخْدُومُهُ مِنْ الرُّؤَسَاءِ وَنَحْوِهِمْ ، أَوْ خَادِمُهُ مِنْ الْأَعْوَانِ وَالْأَجْنَادِ وَنَحْوِهِمْ ، أَوْ أَصْدِقَائِهِ أَوْ أَمْوَالِهِ هِيَ الَّتِي تَجْلِبُ الْمَنْفَعَةَ الْفُلَانِيَّةَ وَتَدْفَعُ الْمَضَرَّةَ الْفُلَانِيَّةَ ، فَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَيْهَا وَمُسْتَعِينٌ بِهَا وَالْمُسْتَعَانُ هُوَ مَدْعُوٌّ وَمَسْئُولٌ . وَمَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَلْزِمُ الْعِبَادَةُ الِاسْتِعَانَةَ ، فَمَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْقَلْبُ فِي رِزْقِهِ وَنَصْرِهِ وَنَفْعِهِ وَضُرِّهِ ; خَضَعَ لَهُ وَذَلَّ ; وَانْقَادَ وَأَحَبَّهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ لَمْ يُحِبَّهُ لِذَاتِهِ لَكِنْ قَدْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْحَالُ حَتَّى يُحِبَّهُ لِذَاتِهِ ، وَيَنْسَى مَقْصُودَهُ مِنْهُ ; كَمَا يُصِيبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُحِبُّ الْمَالَ أَوْ يُحِبُّ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْعِزُّ وَالسُّلْطَانُ . وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّهُ الْقَلْبُ وَأَرَادَهُ وَقَصَدَهُ ; فَقَدْ لَا يَسْتَعِينُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا اسْتَشْعَرَ قُدْرَتَهُ عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ ; كَاسْتِشْعَارِ الْمُحِبِّ قُدْرَةَ الْمَحْبُوبِ عَلَى وَصْلِهِ فَإِذَا اسْتَشْعَرَ قُدْرَتَهُ عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ اسْتَعَانَهُ ; وَإِلَّا فَلَا ; فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ فَقَدْ يَكُونُ مَحْبُوبًا غَيْرَ مُسْتَعَانٍ ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَعَانًا غَيْرَ مَحْبُوبٍ ; وَقَدْ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَمْرَانِ . فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا بُدَّ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحَالٍ مِنْ مُنْتَهًى يَطْلُبُهُ هُوَ إلَهُهُ ، وَمُنْتَهَى يُطْلَبُ مِنْهُ هُوَ مُسْتَعَانُهُ ; - وَذَلِكَ هُوَ صَمَدُهُ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ فِي اسْتِعَانَتِهِ وَعِبَادَتِهِ - تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } كَلَامٌ جَامِعٌ مُحِيطٌ أَوَّلًا وَآخِرًا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ ، فَصَارَتْ الْأَقْسَامُ أَرْبَعَةً . إمَّا أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ وَيَسْتَعِينَهُ - وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا - فَالشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ . وَإِمَّا أَنْ يَعْبُدَهُ وَيَسْتَعِينَ غَيْرَهُ ، مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ ، يَقْصِدُونَ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادَتَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ; وَتَخْضَعُ قُلُوبُهُمْ لِمَنْ يَسْتَشْعِرُونَ نَصْرَهُمْ ; وَرِزْقَهُمْ ، وَهِدَايَتَهُمْ ، مِنْ جِهَتِهِ : مِنْ الْمُلُوكِ وَالْأَغْنِيَاءِ وَالْمَشَايِخِ . وَإِمَّا أَنْ يَسْتَعِينَهُ - وَإِنْ عَبَدَ غَيْرَهُ - مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ ذَوِي الْأَحْوَالِ ; وَذَوِي الْقُدْرَةِ وَذَوِي السُّلْطَانِ الْبَاطِنِ أَوْ الظَّاهِرِ ، وَأَهْلِ الْكَشْفِ وَالتَّأْثِيرِ ; الَّذِينَ يَسْتَعِينُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَهُ وَيَلْجَئُونَ إلَيْهِ ; لَكِنَّ مَقْصُودَهُمْ غَيْرُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ; وَغَيْرُ اتِّبَاعِ دِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ : الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَ إلَّا إيَّاهُ ; وَلَا يَسْتَعِينُونَ إلَّا بِهِ ; وَهَذَا الْقِسْمُ الرُّبَاعِيُّ قَدْ ذُكِرَ فِيمَا بَعْدُ أَيْضًا ; لَكِنَّهُ تَارَةً يَكُونُ بِحَسَبِ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَتَارَةً يَكُونُ بِحَسَبِ الْمُسْتَعَانِ ; فَهُنَا هُوَ بِحَسَبِ الْمَعْبُودِ وَالْمُسْتَعَانِ ; لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ مَعْبُودٍ مُسْتَعَانٍ ، وَفِيمَا بَعْدُ بِحَسَبِ عِبَادَةِ اللَّهِ وَاسْتِعَانَتِهِ ; فَإِنَّ النَّاسَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية