الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                السؤال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ . سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَدَ ابْنُ تيمية قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ مَا قَوْلُكُمْ فِي مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي الِاعْتِقَادِ وَمَذْهَبِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ؟ مَا الصَّوَابُ مِنْهُمَا ؟ وَمَا تَنْتَحِلُونَهُ أَنْتُمْ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ ؟ وَفِي أَهْلِ الْحَدِيثِ : هَلْ هُمْ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِمْ ؟ وَهَلْ هُمْ الْمُرَادُونَ بِالْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ ؟ وَهَلْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ عُلُومٌ جَهِلُوهَا وَعَلِمَهَا غَيْرُهُمْ ؟ . وَلَقَدْ كَانَ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ : أَنْ يُثَبِّتَ اللَّهُ الْعَبْدَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ } { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ } { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } . وَالْكَلِمَةُ : أَصْلُ الْعَقِيدَةِ . فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ هُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا الْمَرْءُ وَأَطْيَبُ الْكَلَامِ وَالْعَقَائِدِ : كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَاعْتِقَادُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . وَأَخْبَثُ الْكَلَامِ وَالْعَقَائِدِ : كَلِمَةُ الشِّرْكِ وَهُوَ اتِّخَاذُ إلَهٍ مَعَ اللَّهِ . فَإِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ : { مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ } وَلِهَذَا كَانَ كُلَّمَا بَحَثَ الْبَاحِثُ وَعَمِلَ الْعَامِلُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَالْعَقَائِدِ الْخَبِيثَةِ لَا يَزْدَادُ إلَّا ضَلَالًا وَبُعْدًا عَنْ الْحَقِّ وَعِلْمًا بِبُطْلَانِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } . فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَثَلَيْنِ : - ( أَحَدُهُمَا : مَثَلُ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ الَّذِي يَحْسَبُهُ صَاحِبُهُ مَوْجُودًا وَفِي الْوَاقِعِ يَكُونُ خَيَالًا مَعْدُومًا كَالسَّرَابِ وَأَنَّ الْقَلْبَ عَطْشَانُ إلَى الْحَقِّ كَعَطَشِ الْجَسَدِ إلَى الْمَاءِ . فَإِذَا طَلَبَ مَا ظَنَّهُ مَاءً وَجَدَهُ سَرَابًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاَللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ . وَهَكَذَا تَجِدُ عَامَّةَ هَؤُلَاءِ الْخَارِجِينَ عَنْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ . ( وَالْمَثَلُ الثَّانِي : مَثَلُ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ الْبَسِيطِ الَّذِي لَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ صَاحِبُهُ حَقًّا وَلَا يَرَى فِيهِ هُدًى وَالْكُفْرُ الْمُرَكَّبُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَسِيطِ وَكُلُّ كُفْرٍ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ جَهْلٍ مُرَكَّبٍ . فَضَرَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَثَلَيْنِ بِذَلِكَ لِيُبَيِّنَ حَالَ الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ وَيُبَيِّنَ حَالَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ - وَهُوَ يُشْبِهُ حَالَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ - حَالَ الْمُصَمِّمِ عَلَى الْبَاطِلِ حَتَّى يَحِلَّ بِهِ الْعَذَابُ وَحَالَ الضَّالِّ الَّذِي لَا يَرَى طَرِيقَ الْهُدَى . فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يُثَبِّتَنَا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ يَرْزُقَنَا الِاعْتِصَامَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية