الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
اختيار هذا الخط
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
" فالأولى " مثل من أخبر أن هناك عسلا وصدق المخبر . أو رأى آثار العسل فاستدل على وجوده . و " الثاني " مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه وهذا أعلى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { nindex.php?page=hadith&LINKID=33804ليس المخبر كالمعاين } . [ ص: 646 ] و " الثالث " مثل من ذاق العسل ووجد طعمه وحلاوته ومعلوم أن هذا أعلى مما قبله ; ولهذا يشير أهل المعرفة إلى ما عندهم من الذوق والوجد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح { nindex.php?page=hadith&LINKID=601291ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار } وقال صلى الله عليه وسلم { nindex.php?page=hadith&LINKID=36429ذاق طعم الإيمان : من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا } فالناس فيما يجده أهل الإيمان ويذوقونه من حلاوة الإيمان وطعمه على ثلاث درجات : " الأولى " من علم ذلك مثل من يخبره به شيخ له يصدقه أو يبلغه ما أخبر به العارفون عن أنفسهم أو يجد من آثار أحوالهم ما يدل على ذلك .
و " الثانية " من شاهد ذلك وعاينه مثل أن يعاين من أحوال أهل المعرفة والصدق واليقين ما يعرف به مواجيدهم وأذواقهم وإن كان هذا في الحقيقة لم يشاهد ما ذاقوه ووجدوه ولكن شاهد ما دل عليه لكن هو أبلغ من المخبر والمستدل بآثارهم .
و " الثالثة " أن يحصل له من الذوق والوجد في نفسه ما كان [ ص: 647 ] سمعه كما قال بعض الشيوخ : لقد كنت في حال أقول فيها إن كان أهل الجنة في الجنة في مثل هذا الحال إنهم لفي عيش طيب . وقال آخر : إنه ليمر على القلب أوقات يرقص منها طربا . وقال الآخر : لأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم . nindex.php?page=treesubj&link=29468_28766والناس فيما أخبروا به من أمر الآخرة على ثلاث درجات : ( إحداها العلم بذلك لما أخبرتهم الرسل وما قام من الأدلة على وجود ذلك .
" الثانية " : إذا عاينوا ما وعدوا به من الثواب والعقاب والجنة والنار . و " الثالثة " إذا باشروا ذلك ; فدخل أهل الجنة الجنة ; وذاقوا ما كانوا يوعدون ودخل أهل النار النار وذاقوا ما كانوا يوعدون فالناس فيما يوجد في القلوب وفيما يوجد خارج القلوب على هذه الدرجات الثلاث .
وكذلك في أمور الدنيا : فإن من أخبر بالعشق أو النكاح ولم يره ولم يذقه كان له علم به فإن شاهده ولم يذقه كان له معاينة له فإن ذاقه بنفسه كان له ذوق وخبرة به ومن لم يذق الشيء لم يعرف حقيقته فإن [ ص: 648 ] العبارة إنما تفيد التمثيل والتقريب وأما nindex.php?page=treesubj&link=29507معرفة الحقيقة فلا تحصل بمجرد العبارة إلا لمن يكون قد ذاق ذلك الشيء المعبر عنه وعرفه وخبره ; ولهذا يسمون أهل المعرفة لأنهم عرفوا بالخبرة والذوق ما يعلمه غيرهم بالخبر والنظر وفي الحديث الصحيح : { nindex.php?page=hadith&LINKID=601292أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان بن حرب فيما سأله عنه من أمور النبي صلى الله عليه وسلم قال : فهل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه ؟ قال : لا قال : وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلب لا يسخطه أحد } . فالإيمان إذا باشر القلب وخالطته بشاشته لا يسخطه القلب بل يحبه ويرضاه فإن له من الحلاوة في القلب واللذة والسرور والبهجة ما لا يمكن التعبير عنه لمن لم يذقه والناس متفاوتون في ذوقه والفرح والسرور الذي في القلب له من البشاشة ما هو بحسبه وإذا خالطت القلب لم يسخطه قال تعالى : { nindex.php?page=tafseer&surano=1432&ayano=10قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } وقال تعالى : { nindex.php?page=tafseer&surano=1756&ayano=13والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه } وقال تعالى : { nindex.php?page=tafseer&surano=1368&ayano=9وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون } فأخبر سبحانه أنهم يستبشرون بما أنزل من القرآن والاستبشار هو الفرح والسرور ; وذلك لما يجدونه في قلوبهم من الحلاوة واللذة والبهجة بما أنزل الله .
[ ص: 650 ] و " المقصود هنا " أن أهل الإيمان يجدون بسبب محبتهم لله ولرسوله من حلاوة الإيمان ما يناسب هذه المحبة ولهذا علق النبي صلى الله عليه وسلم ما يجدونه بالمحبة فقال : { nindex.php?page=hadith&LINKID=601294ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار } . ومن ذلك ما يجدونه من nindex.php?page=treesubj&link=28656ثمرة التوحيد والإخلاص . والتوكل والدعاء لله وحده فإن الناس في هذا الباب على ثلاث درجات : " منهم " من علم ذلك سماعا واستدلالا .
" ومنهم " من شاهد وعاين ما يحصل لهم . و " منهم " من وجد حقيقة الإخلاص والتوكل على الله الالتجاء إليه والاستعانة به ، وقطع التعلق بما سواه وجرب من نفسه أنه إذا تعلق بالمخلوقين ورجاهم وطمع فيهم أن يجلبوا له منفعة أو يدفعوا عنه مضرة فإنه يخذل من جهتهم ; ولا يحصل مقصوده بل قد يبذل لهم من الخدمة والأموال وغير ذلك ما يرجو أن ينفعوه وقت حاجته إليهم فلا ينفعونه : إما لعجزهم وإما لانصراف قلوبهم عنه وإذا [ ص: 651 ] توجه إلى الله بصدق الافتقار إليه واستغاث به مخلصا له الدين ; أجاب دعاءه ; وأزال ضرره وفتح له أبواب الرحمة . فمثل هذا قد ذاق [ من ] حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره .
وكذلك من ذاق طعم إخلاص الدين لله وإرادة وجهه دون ما سواه ; يجد من الأحوال والنتائج والفوائد ما لا يجده من لم يكن كذلك . بل من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو ; وتعلقه بالصور الجميلة أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق الصدر ما لا يعبر عنه . وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى ولا يحصل له ما يسره ; بل هو في خوف وحزن دائما : إن كان طالبا لما يهواه فهو قبل إدراكه حزين متألم حيث لم يحصل . فإذا أدركه كان خائفا من زواله وفراقه . وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ; فإذا ذاق هذا أو غيره حلاوة الإخلاص لله . والعبادة له . وحلاوة ذكره ومناجاته . وفهم كتابه . وأسلم وجهه لله وهو محسن بحيث يكون عمله صالحا . ويكون لوجه الله خالصا ; فإنه يجد من السرور واللذة والفرح ما هو أعظم مما يجده الداعي المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ما ينفعه من الدنيا . أو اندفع عنه ما يضره ; فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له من [ ص: 652 ] المنفعة أو اندفع عنه من المضرة ولا أنفع للقلب من التوحيد وإخلاص الدين لله ولا أضر عليه من الإشراك . فإذا وجد حقيقة الإخلاص التي هي حقيقة { nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=1إياك نعبد } مع حقيقة التوكل التي هي حقيقة { nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=1وإياك نستعين } كان هذا فوق ما يجده كل أحد لم يجد مثل هذا . والله أعلم .