الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [25] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَيْ: لَمْ يَقْدِرْ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْأَحْرَارُ، بِخِلَافِ الْعَبِيدِ، أَنْ يُحَصِّلَ طَوْلًا أَيْ: غِنًى يُمْكِنُهُ بِهِ أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ أَيِ: الْحَرَائِرَ الْمُتَعَفِّفَاتِ، بِخِلَافِ الزَّوَانِي؛ إِذْ لَا عِبْرَةَ بِهِنَّ الْمُؤْمِنَاتِ إِذْ لَا عِبْرَةَ بِالْكَوَافِرِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ أَيْ: فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ بَعْضَ مَا يَمْلِكُهُ أَيْمَانُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ أَيْ: إِمَائِكُمْ حَالَ الرِّقِّ الْمُؤْمِنَاتِ لَا الْكِتَابِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ مَعَ عَارِ الرِّقِّ عَارَ الْكُفْرِ، وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ سِيَاقِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ شَرَائِطَ ثَلَاثَةً : اثْنَانِ مِنْهَا فِي النَّاكِحِ، وَالثَّالِثُ فِي الْمَنْكُوحَةِ. أَمَّا اللَّذَانِ فِي النَّاكِحِ فَأَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِدٍ لِمَا يَتَزَوَّجُ بِهِ الْحُرَّةَ الْمُؤْمِنَةَ مِنَ الصَّدَاقِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَعَدَمُ اسْتِطَاعَةِ الطَّوْلِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ مَا يَنْكِحُ بِهِ الْحُرَّةَ، فَإِنْ قِيلَ: الرَّجُلُ إِذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ التَّزَوُّجَ بِالْأَمَةِ يَقْدِرُ عَلَى التَّزَوُّجِ بِالْحُرَّةِ الْفَقِيرَةِ، فَمِنْ أَيْنَ هَذَا التَّفَاوُتُ؟ قُلْنَا: كَانَتِ الْعَادَةُ فِي الْإِمَاءِ تَخْفِيفَ مُهُورِهِنَّ وَنَفَقَتِهِنَّ لِاشْتِغَالِهِنَّ بِخِدْمَةِ السَّادَاتِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ. وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي: فَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي آخِرِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ أَيِ: الزِّنَى بِأَنْ بَلَغَ الشِّدَّةَ فِي الْعُزُوبَةِ. وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْمَنْكُوحَةِ، فَأَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ مُؤْمِنَةً لَا كَافِرَةً، فَإِنَّ الْأَمَةَ إِذَا كَانَتْ كَافِرَةً كَانَتْ نَاقِصَةً مِنْ وَجْهَيْنِ: الرِّقِّ وَالْكُفْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لِلْأُمِّ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَحِينَئِذٍ يُعَلَّقُ الْوَلَدُ رَقِيقًا عَلَى مِلْكِ الْكَافِرِ، فَيَحْصُلُ فِيهِ نُقْصَانُ الرِّقِّ وَنُقْصَانُ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْكَافِرِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِمَعْنَى الْآيَةِ، وَلَا يَخْلُو مَا عَدَاهُ عَنْ تَكَلُّفٍ لَا يُسَاعِدُهُ نَظْمُ الْآيَةِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ كَانَ نِكَاحُ الْأَمَةِ مُنْحَطًّا عَنْ نِكَاحِ الْحُرَّةِ؟ قُلْتُ: لِمَا فِيهِ مِنِ اتِّبَاعِ الْوَلَدِ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ، وَلِثُبُوتِ حَقِّ الْمَوْلَى فِيهَا وَفِي اسْتِخْدَامِهَا، وَلِأَنَّهَا مُمْتَهَنَةٌ مُبْتَذَلَةٌ خَرَّاجَةٌ وَلَّاجَةٌ، وَذَلِكَ كُلُّهُ نُقْصَانٌ رَاجِعٌ إِلَى النَّاكِحِ، وَمَهَانَةٌ، وَالْعِزَّةُ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الِاطِّلَاعُ عَلَى بَوَاطِنِهِنَّ، بَلْ يَكْتَفِي بِظَاهِرِ إِيمَانِهِنَّ، أَيْ: فَاكْتَفُوا بِظَاهِرِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى الْعَالِمُ بِالسَّرَائِرِ وَبِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَكُمْ فِي الْإِيمَانِ، فَرُبَّ أَمَةٍ تَفْضُلُ الْحُرَّةَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ اعْتِرَاضٌ آخَرُ جِيءَ بِهِ لِتَأْنِيسِهِمْ بِنِكَاحِ الْإِمَاءِ حَالَتَئِذٍ، أَيْ: أَنْتُمْ وَأَرِقَّاؤُكُمْ مُتَنَاسِبُونَ، نَسَبُكُمْ مِنْ آدَمَ وَدِينُكُمُ الْإِسْلَامُ. فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ أَيْ: مَوَالِيهِنَّ لَا اسْتِقْلَالًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُنَّ لَهُمْ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بِإِذْنِ مَنْ هِيَ لَهُ. وَآتُوهُنَّ أَعْطُوهُنَّ: أُجُورَهُنَّ أَيْ: مُهُورَهُنَّ: بِالْمَعْرُوفِ أَيْ: بِلَا مَطْلٍ وَضِرَارٍ وَإِلْجَاءٍ إِلَى الِاقْتِضَاءِ. وَاسْتَدَلَّ الْإِمَامُ مَالِكٌ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُنَّ أَحَقُّ بِمُهُورِهِنَّ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهِ لِلسَّيِّدِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَهْرَ لِلسَّيِّدِ، وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إِلَيْهِنَّ؛ لِأَنَّ التَّأْدِيَةَ إِلَيْهِنَّ تَأْدِيَةٌ إِلَى سَيِّدِهِنَّ لِكَوْنِهِنَّ مَالَهُ. مُحْصَنَاتٍ حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ فَانْكِحُوهُنَّ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِنَّ عَفَائِفَ عَنِ الزِّنَى غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ: أَيْ: غَيْرَ زَانِيَاتٍ بِكُلِّ مَنْ دَعَاهُنَّ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ أَيْ: أَخِلَّةٍ يَتَخَصَّصْنَ بِهِمْ فِي الزِّنَى. قَالَ أَبُو زَيْدٍ : الْأَخْدَانُ الْأَصْدِقَاءُ عَلَى الْفَاحِشَةِ، وَالْوَاحِدُ خِدْنٌ وَخُدَيْنٌ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَكْثَرُ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ يُصَاحِبُ بِشَهْوَةٍ نَفْسَانِيَّةٍ. وَمِنْ لَطَائِفِ وُقُوعِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مُحْصَنَاتٍ إِلَخْ إِثْرَ قَوْلِهِ: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ الْإِشْعَارُ بِأَنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ إِحْدَى هَاتَيْنِ، فَلَكُمُ الْمُنَاقَشَةُ فِي أَدَاءِ مُهُورِهِنَّ لِيَفْتَدِينَ نُفُوسَهُنَّ. فَإِذَا أُحْصِنَّ أَيْ: بِالتَّزْوِيجِ، وَقُرِئَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ: أَحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أَوْ أَزْوَاجَهُنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ أَيْ: فَعَلْنَ فَاحِشَةً وَهِيَ الزِّنَا فَعَلَيْهِنَّ أَيْ: فَثَابِتٌ عَلَيْهِنَّ شَرْعًا نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ أَيِ: الْحَرَائِرِ مِنَ الْعَذَابِ أَيْ: مِنَ الْحَدِّ الَّذِي هُوَ جَلْدُ مِائَةٍ فَنِصْفُهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً، لَا الرَّجْمُ. قَالَ الْمَهَايِمِيُّ : لِأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْمَهَانَةِ، فَلَا يُفِيدُ فِيهِنَّ الْمُبَالِغَةُ فِي الزَّجْرِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية