الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَسْعَى نُورُهُمْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُضِيءُ لَهُمْ نُورُ عَمَلِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ الْجَبَلِ، وَأَدْنَاهُمْ نُورًا نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِهِ يُطْفِئُ مَرَّةً، وَيَتَّقِدُ أُخْرَى . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبِأَيْمَانِهِمْ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كُتُبُهُمْ يُعْطَوْنَهَا بِأَيْمَانِهِمْ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ نُورُهُمْ يَسْعَى، أَيْ: يَمْضِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ . وَالْبَاءُ بِمَعْنَى: "فِي" . "وَفِي" بِمَعْنَى "عَنْ"، هَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ هَذَا قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ لَهُمْ . قَوْلُهُ تَعَالَى: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ وَقَرَأَ حَمْزَةُ: "أَنْظِرُونَا" بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِهَا، وَكَسْرِ الظَّاءِ . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَغْشَى النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَيُعْطَى الْمُؤْمِنُونَ النُّورَ، فَيَمْشِي الْمُنَافِقُونَ فِي نُورِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِذَا سَبَقَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ قَالُوا: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ "قِيلَ: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ" فِي الْقَائِلِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: الْمَلَائِكَةُ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَفِي مَعْنَى الْكَلَامِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: ارْجِعُوا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قَبَسْتُمْ فِيهِ النُّورَ، فَيَرْجِعُونَ، فَلَا يَرَوْنَ شَيْئًا . وَالثَّانِي: ارْجِعُوا فَاعْمَلُوا عَمَلًا يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَكُمْ نُورًا . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَعْنَى: لَا نُورَ لَكُمْ عِنْدَنَا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْأَعْرَافُ، وَهُوَ سُورٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَهِيَ: الْجَنَّةُ "وَظَاهِرُهُ" يَعْنِي: مِنْ وَرَاءِ السُّورِ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ وَهُوَ جَهَنَّمُ . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ هَذَا السُّورَ يَكُونُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي مَكَانِ السُّورِ الشَّرْقِيِّ بَيْنَ الْوَادِي الَّذِي يُسَمَّى: وَادِيَ جَهَنَّمَ، وَبَيْنَ الْبَابِ الَّذِي يُسَمَّى: بَابَ الرَّحْمَةِ، وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَكَعْبٌ . قَوْلُهُ تَعَالَى: يُنَادُونَهُمْ أَيْ: يُنَادِي الْمُنَافِقُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَرَاءِ السُّورِ: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ نُصَلِّي بِصَلَاتِكُمْ، وَنَغْزُو مَعَكُمْ؟! فَيَقُولُ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: اسْتَعْمَلْتُمُوهَا فِي الْفِتْنَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ: آثَمْتُمُوهَا بِالنِّفَاقِ "وَتَرَبَّصْتُمْ" فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: تَرَبَّصْتُمْ بِالتَّوْبَةِ . وَالثَّانِي: تَرَبَّصْتُمْ بِمُحَمَّدٍ الْمَوْتَ، وَقُلْتُمْ: يُوشِكُ أَنْ يَمُوتَ فَنَسْتَرِيحَ وَارْتَبْتُمْ شَكَكْتُمْ فِي الْحَقِّ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ يَعْنِي: مَا كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مِنْ نُزُولِ الدَّوَائِرِ بِالْمُؤْمِنِينَ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْمَوْتُ . وَالثَّانِي: إِلْقَاؤُهُمْ فِي النَّارِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أَيْ: غَرَّكُمُ الشَّطِّيَّانُ بِحُكْمِ اللَّهِ وَإِمْهَالِهِ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ "لَا تُؤْخَذُ" بِالتَّاءِ، أَيْ: بَدَلٌ وَعِوَضٌ عَنْ عَذَابِكُمْ . وَهَذَا خِطَابٌ لِلْمُنَافِقِينَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهُ تَعَالَى: هِيَ مَوْلَاكُمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: أَوْلَى بِكُمْ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية