الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      سُورَةُ الْوَاقِعَةِ وَفِيهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَجَابِرٌ، وَمُقَاتِلٌ . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ فِيهَا آيَةً مَدَنِيَّةً وَهِيَ قَوْلُهُ: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الْوَاقِعَةِ: 83] وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، رَوَاهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمَّا قَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ، مَتَى هَذَا الْفَتْحُ؟! نَزَلَ قَوْلُهُ: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ . فَالْمَعْنَى يَكُونُ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَالْوَاقِعَةُ: الْقِيَامَةُ، وَكُلُّ آتٍ يُتَوَقَّعُ، يُقَالُ لَهُ إِذَا كَانَ: قَدْ وَقَعَ، وَالْمُرَادُ بِهَا هَا هُنَا: النَّفْخَةُ فِي الصُّورِ لِقِيَامِ السَّاعَةِ . لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا أَيْ: لِظُهُورِهَا وَمَجِيئِهَا "كَاذِبَةٌ" أَيْ: كَذِبٌ،كَقَوْلِهِ: لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً [الْغَاشِيَةِ: 11] أَيْ: لَغْوًا . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَ"كَاذِبَةٌ" مَصْدَرٌ، كَقَوْلِكَ: عَافَاهُ اللَّهُ عَافِيَةً، وَكَذَبَ كَاذِبَةً، فَهَذِهِ أَسْمَاءٌ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ . وَفِي مَعْنَى الْكَلَامِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: لَا رَجْعَةَ لَهَا وَلَا ارْتِدَادَ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّانِي: لَيْسَ الْإِخْبَارُ عَنْ وُقُوعِهَا كَذِبًا، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ . قَوْلُهُ تَعَالَى: خَافِضَةٌ أَيْ: هِيَ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَالْيَزِيدِيُّ فِي اخْتِيَارِهِ: "خَافِضَةً رَافِعَةً" بِالنَّصْبِ فِيهِمَا . وَفِي مَعْنَى الْكَلَامِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْبَعِيدَ، رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاقِعَةِ: صَيْحَةُ الْقِيَامَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا خَفَضَتْ نَاسًا، وَرَفَعَتْ آخَرِينَ، رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: تَخْفِضُ أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ فِي النَّارِ، وَتَرْفَعُ أَقْوَامًا إِلَى عِلِّيِّينَ فِي الْجَنَّةِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أَيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً وَزُلْزِلَتْ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَرْتَجُّ حَتَّى يَنْهَدِمَ مَا عَلَيْهَا مِنْ بِنَاءٍ، وَيَتَفَتَّتُ مَا عَلَيْهَا مِنْ جَبَلٍ . وَفِي ارْتِجَاجِهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِإِمَاتَةِ مَنْ عَلَيْهَا مِنَ الْأَحْيَاءِ . وَالثَّانِي لِإِخْرَاجِ مَنْ فِي بَطْنِهَا مِنَ الْمَوْتَى . قَوْلُهُ تَعَالَى وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: فُتِّتَتْ فَتًّا، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فُتِّتَتْ حَتَّى صَارَتْ كَالدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ الْمَبْسُوسِ . وَالثَّانِي: لُتَّتْ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: خُلِطَتْ وَلُتَّتْ . قَالَ الشَّاعِرُ: لَا تَخْبِزُوا خَبْزًا وَبُسَّا بَسَّا وَفِي "الْهَبَاءِ" أَقْوَالٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي [الْفُرْقَانِ: 23] . وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ الْهَبَاءَ الْمُنْبَثَّ: مَا سَطَعَ مِنْ سَنَابِكِ الْخَيْلِ، وَهُوَ مِنَ "الْهَبْوَةِ"، وَالْهَبْوَةُ: الْغُبَارُ . وَالْمَعْنَى: كَانَتْ تُرَابًا مُنْتَشِرًا . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا أَيْ: أَصْنَافًا "ثَلَاثَةً" . "فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ " فِيهِمْ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: [أَنَّهُمُ] الَّذِينَ كَانُوا عَلَى يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْ صُلْبِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَالْقُرَظِيُّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمُ الَّذِينَ كَانُوا مَيَامِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَيْ: مُبَارَكِينَ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَالرَّبِيعُ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ . وَالْخَامِسُ: أَنَّهُمُ الَّذِينَ مَنْزِلَتُهُمْ عَنِ الْيَمِينِ، قَالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ . وَالسَّادِسُ: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ . وَالسَّابِعُ: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ . وَالثَّامِنُ: أَنَّهُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ [بِهِمْ] ذَاتَ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ . قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ قَالَ الْفَرَّاءُ: عَجَّبَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ; وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ؟! قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا اللَّفْظُ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَجْرَاهُ مَجْرَى التَّعَجُّبِ، وَمَجْرَاهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُخَاطَبَةِ الْعِبَادِ مَا يُعَظَّمُ بِهِ الشَّأْنُ عِنْدَهُمْ، وَمِثْلُهُ: مَا الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةِ: 2]، مَا الْقَارِعَةُ [الْقَارِعَةِ: 2]; قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَمِثْلُهُ أَنْ يَقُولَ: زَيْدٌ مَا زَيْدٌ! أَيْ: أَيُّ رَجُلٍ هُوَ! وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ [أَيْ: أَصْحَابُ] الشِّمَالِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْيَدَ الْيُسْرَى: الشُّؤْمَى، وَالْجَانِبَ الْأَيْسَرَ: الْأَشْأَمَ، وَمِنْهُ قِيلَ: الْيُمْنُ وَالشُّؤْمُ، فَالْيُمْنُ: كَأَنَّهُ [مَا] جَاءَ عَنِ الْيَمِينِ، وَالشُّؤْمُ [مَا جَاءَ] عَنِ الشِّمَالِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ "الْيَمَنُ" وَ "الشَّأْمُ" لِأَنَّهَا عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَشِمَالِهَا . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ: هُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ، وَيُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ; وَتَفْسِيرُ أَصْحَابِ الْمَشْأَمَةِ عَلَى ضِدٍّ تَفْسِيرِ أَصْحَابِ الْمَيْمَنَةِ سَوَاءً; وَالْمَعْنَى: أَيُّ قَوْمٍ هُمْ؟! مَاذَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ؟! قَوْلُهُ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ فِيهِمْ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ السَّابِقُونَ إِلَى الْإِيمَانِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا [إِلَى] الْقِبْلَتَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ . وَالثَّالِثُ: أَهْلُ الْقُرْآنِ، قَالَهُ كَعْبٌ . وَالرَّابِعُ: الْأَنْبِيَاءُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ . وَالْخَامِسُ: السَّابِقُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَإِلَى الْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سَوْدَةَ . وَفِي إِعَادَةِ ذِكْرِهِمْ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنْ ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى: السَّابِقُونَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ هُمُ السَّابِقُونَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُمَا الزَّجَّاجُ . قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَعْنِي عِنْدَ اللَّهِ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ وَجِوَارِهِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية