الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      آ. (98) قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا : الْكَلَامُ فِي "مَنْ" كَمَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّ الْجَوَابَ هُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ فَإِنْ قِيلَ: وَأَيْنَ الرَّابِطُ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْمَ الظَّاهِرَ قَامَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَكَانَ الْأَصْلُ: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لَهُمْ، فَأَتَى بِالظَّاهِرِ تَنْبِيهًا عَلَى الْعِلَّةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِالْكَافِرِينَ الْعُمُومُ، وَالْعُمُومُ مِنَ الرَّوَابِطِ، لِانْدِرَاجِ الْأَوَّلِ تَحْتَهُ، وَيَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: مَنْ كَانَ عَدُوَّا لِلَّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَنَحْوُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ بِمَعْنَى أَوْ، قَالَ: لِأَنَّ مَنْ عَادَى وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لِلتَّفْصِيلِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَعْلُومٌ، وَذَكَرَ جِبْرِيلَ وَمِيكَالَ بَعْدَ انْدِرَاجِهِمَا أَوَّلًا تَنْبِيهًا عَلَى فَضْلِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا ذُكِرَ: خَاصٌّ بَعْدَ عَامٍّ، وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّي هَذَا النَّوْعَ بِالتَّجْرِيدِ، كَأَنَّهُ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ جَرَّدَ مِنَ الْعُمُومِ الْأَوَّلِ بَعْضَ أَفْرَادِهِ اخْتِصَاصًا لَهُ بِمَزِيَّةٍ، وَهَذَا الْحُكْمُ - أَعْنِي ذِكْرَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ - مُخْتَصٌّ بِالْوَاوِ، لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ. وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ - أَعْنِي فِي ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ تَشْرِيفًا لَهُ - قَوْلَهُ: "فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ" وَهَذَا فِيهِ نَظَرَ; فَإِنَّ "فَاكِهَةٌ" مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْعُمُومِ فِي شَيْءٍ، فَإِنْ عَنَى أَنَّ اسْمَ الْفَاكِهَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا مِنْ بَابِ صِدْقِ اللَّفْظِ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ ثُمَّ نَصَّ عَلَيْهِ فَصَحِيحٌ. وَأَتَى بِاسْمِ اللَّهِ ظَاهِرًا فِي قَوْلِهِ: "فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ" لِأَنَّهُ لَوْ أُضْمِرَ فَقِيلَ: "فَإِنَّهُ" لَأَوْهَمَ عَوْدَهُ عَلَى اسْمِ الشَّرْطِ فَيَنْعَكِسُ الْمَعْنَى، أَوْ عَوْدَهُ عَلَى مِيكَالَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ. وَمِيكَائِيلُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي جِبْرِيلَ مِنْ كَوْنِهِ مُشْتَقًّا مِنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ "مِيكَ" بِمَعْنَى عَبْدٍ، و "إِيلَ" اسْمُ اللَّهِ، وَأَنَّ تَرْكِيبَهُ تَرْكِيبُ إِضَافَةٍ أَوْ تَرْكِيبُ مَزْجٍ، وَقَدْ عُرِفَ الصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ سَبْعُ لُغَاتٍ: مِيكَالُ بِزِنَةٍ مِفْعَالٍ وَهِيَ لُغَةُ الْحِجَازِ، وَبِهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَفَصٌ عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: 632 - وَيَوْمَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا عُدَدٌ فِيهِ مَعَ النَّصْرِ مِيكَالٌ وَجِبْرِيلٌ وَقَوْلُهُ: 633 - . . . . . . . . .. . . . . . . وَكَذَّبُوا مِيكَالَا الثَّانِيَةُ: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ بَعْدَ الْأَلِفِ هَمْزَةً وَبِهَا قَرَأَ نَافِعٌ. الثَّالِثَةُ: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِزِيَادَةِ يَاءٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْبَاقِينَ. الرَّابِعَةُ: مِيكَئِيلُ مِثْلُ مِيكَعِيلَ وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ. الْخَامِسَةُ: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَاءَ بَعْدَ الْهَمْزَةِ فَهُوَ مِثْلُ: مِيكَعِلُ وَقُرِئَ بِهَا. السَّادِسَةُ: مِيكَايِيلُ بِيَائَيْنِ بَعْدَ الْأَلْفِ وَبِهَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ. السَّابِعَةُ: مِيكَاءَلُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْأَلْفِ كَمَا يُقَالُ: إِسْرَاءَلُ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ "جَبْرَ" بِمَعْنَى عَبْدٍ بِالتَّكْبِيرِ، و "مِيكَا" بِمَعْنَى عُبَيْدٍ بِالتَّصْغِيرِ، فَمَعْنَى جِبْرِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ، وَمَعْنَى مِيكَائِيلَ: عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: "وَلَا يُعْلَمُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا مُخَالِفٌ". قَوْلُهُ: وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرَّاءَ يُجِيزُ فِيهِ النَّصْبَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية