الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                        إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا الْأَمَانَاتُ: كُلُّ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَأُمِرَ بِالْقِيَامِ بِهِ. فَأَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِأَدَائِهَا أَيْ: كَامِلَةً مُوَفَّرَةً، لَا مَنْقُوصَةً وَلَا مَبْخُوسَةً، وَلَا مَمْطُولًا بِهَا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَمَانَاتُ الْوِلَايَاتِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَسْرَارِ; وَالْمَأْمُورَاتِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اؤْتُمِنَ أَمَانَةً وَجَبَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا. قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا إِلَّا بِحِفْظِهَا; فَوَجَبَ ذَلِكَ. وَفِي قَوْلِهِ: إِلَى أَهْلِهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ وَتُؤَدَّى لِغَيْرِ الْمُؤْتَمِنِ، وَوَكِيلُهُ بِمَنْزِلَتِهِ; فَلَوْ دَفَعَهَا لِغَيْرِ رَبِّهَا لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا لَهَا. وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وَهَذَا يَشْمَلُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ وَالْكَثِيرِ، عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْوَلِيِّ وَالْعَدُوِّ. وَالْمُرَادُ بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِالْحُكْمِ بِهِ هُوَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مِنَ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ الْعَدْلِ لِيَحْكُمَ بِهِ. وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ أَوَامِرَ حَسَنَةً عَادِلَةً قَالَ: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا وَهَذَا مَدْحٌ مِنَ اللَّهِ لِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ وَدَفْعِ مَضَارِّهُمَا، لِأَنَّ شَارِعَهَا السَّمِيعَ الْبَصِيرَ الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَيَعْلَمُ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ مَا لَا يَعْلَمُونَ. (59) ثُمَّ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَذَلِكَ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِمَا، الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِمَا. وَأَمَرَ بِطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ وَهُمْ: الْوُلَاةُ عَلَى النَّاسِ، مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لِلنَّاسِ أَمْرُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ إِلَّا بِطَاعَتِهِمْ وَالِانْقِيَادِ لَهُمْ، طَاعَةً لِلَّهِ وَرَغْبَةً فِيمَا عِنْدَهُ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَلَّا يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنْ أَمَرُوا بِذَلِكَ فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي حَذْفِ الْفِعْلِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِطَاعَتِهِمْ وَذِكْرِهِ مَعَ طَاعَةِ الرَّسُولِ، فَإِنَّ الرَّسُولَ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَمَنْ يُطِعْهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَأَمَّا أُولُو الْأَمْرِ فَشَرْطُ الْأَمْرِ بِطَاعَتِهِمْ أَنْ لَا يَكُونُ مَعْصِيَةً. ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ كُلِّ مَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ؛ أَيْ: إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ; فَإِنَّ فِيهِمَا الْفَصْلَ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ، إِمَّا بِصَرِيحِهِمَا أَوْ عُمُومِهِمَا; أَوْ إِيمَاءٍ، أَوْ تَنْبِيهٍ، أَوْ مَفْهُومٍ، أَوْ عُمُومِ مَعْنًى يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا أَشْبَهَهُ، لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ عَلَيْهِمَا بِنَاءُ الدِّينِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِمَا. فَالرَّدُّ إِلَيْهِمَا شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ فَلِهَذَا قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَرُدَّ إِلَيْهِمَا مَسَائِلُ النِّزَاعِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ حَقِيقَةً، بَلْ مُؤْمِنٌ بِالطَّاغُوتِ، كَمَا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا ذَلِكَ أَيِ: الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَحْسَنُ الْأَحْكَامِ وَأَعْدَلُهَا وَأَصْلَحُهَا لِلنَّاسِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَعَاقِبَتِهِمْ.

                                                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية