الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                        وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَبٌ رَحِيمٌ. الثَّانِي: أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَرْهَمَةِ وَهِيَ إِدَامَةُ النَّظَرِ. وَالرُّسُلُ جِبْرِيلُ وَمَعَهُ مَلَكَانِ قِيلَ إِنَّهُمَا مِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ الْمُرْسَلُ مَعَ جِبْرِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا. وَفِي الْبُشْرَى الَّتِي جَاءُوهُ بِهَا أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: بَشَّرُوهُ بِنُبُوَّتِهِ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ . الثَّانِي: بِإِسْحَاقَ ، قَالَهُ الْحَسَنُ . الثَّالِثُ: بَشَّرُوهُ بِإِخْرَاجِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صُلْبِهِ وَأَنَّهُ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ. الرَّابِعُ: بَشَّرُوهُ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا تَحِيَّةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَحَيَّاهُمْ بِمِثْلِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا. الثَّانِي: سَلِمْتَ أَنْتَ وَأَهْلُكَ مِنْ هَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقَوْلُهُ: سَلَامٌ أَيِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَنِي ، فَمَعْنَى "سَلَامٌ": سَلِمْتُ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ( سِلْمٌ ) بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْقَاطِ الْأَلِفِ. وَاخْتُلِفَ فِي السِّلْمِ وَالسَّلَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ السِّلْمَ مِنَ الْمُسَالَمَةِ وَالسَّلَامَ مِنَ السَّلَامَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، قَالَ الشَّاعِرُ ، وَقَدْ أَنْشَدَهُ الْفَرَّاءُ لِبَعْضِ الْعَرَبِ: وَقَفْنَا فَقُلْنَا إِيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ كَمَا اكْتَلَّ بِالْبَرْقِ الْغَمَامُ اللَّوَائِحُ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ظَنَّ رُسُلَ رَبِّهِ أَضْيَافًا لِأَنَّهُمْ جَاءُوهُ فِي صُورَةِ النَّاسِ فَعَجَّلَ لَهُمُ الضِّيَافَةَ فَجَاءَهُمْ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. وَفِي الْحَنِيذِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْحَارُّ ، حَكَاهُ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ عَنْ عَلْقَمَةَ النَّحْوِيِّ. الثَّانِي: هُوَ الْمَشْوِيُّ نَضِيجًا وَهُوَ الْمَحْنُوذُ مِثْلَ طَبِيخٍ وَمَطْبُوخٍ وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ الَّذِي حُفِرَ لَهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ غُمَّ فِيهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا مَا اعْتَبَطْنَا اللَّحْمَ لِلطَّالِبِ الْقِرَى حَنَذْنَاهُ حَتَّى عَيَّنَ اللَّحْمَ آكِلُهُ الثَّانِي: هُوَ أَنْ يُوقَدَ عَلَى الْحِجَارَةِ فَإِذَا اشْتَدَّ حَرُّهَا أُلْقِيَتْ فِي جَوْفِهِ لِيُسْرِعَ نُضْجُهُ ، قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ: لَهُمْ رَاحٌ وَكَافُورٌ وَمِسْكٌ وَعِقْرُ الْوَحْشِ شَائِلُهُ حَنُوذُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ فِي نَكِرَهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ ، فَنَكِرَهُمْ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ إِذَا وَجَدَهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ. الثَّانِي: أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، قَالَ الْأَعْشَى: وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ إِنْكَارِهِ لَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ لَمْ يُطْعِمُوا ، وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَطْعَمْ مِنْ طَعَامِهِمْ ظَنُّوا بِهِ سُوءًا وَخَافُوا مِنْهُ شَرًّا ، فَنَكِرَهُمْ إِبْرَاهِيمُ لِذَلِكَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَيْدِي فَنَكِرَهُمْ ، قَالَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ. وَامْتَنَعُوا مِنْ طَعَامِهِ لِأَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ. وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ خَوْفًا مِنْهُمْ. وَالثَّانِي: أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ تَخَوُّفًا مِنْهُمْ ، كَمَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: جَاءَ الْبَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يُخَبُّ بِهِ فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ جَزَعًا قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ يَعْنِي بِهَلَاكِهِمْ. وَفِي إِعْلَامِهِمْ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِيَزُولَ خَوْفُهُ مِنْهُمْ. وَالثَّانِي: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ كَانَ يَأْتِي قَوْمَ لُوطٍ فَيَقُولُ: وَيْحَكُمْ أَيَنْهَاكُمْ عَنِ اللَّهِ أَنْ تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَتِهِ فَلَا يُطِيعُونَهُ. وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ وَفِي قِيَامِهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا كَانَتْ قَائِمَةً مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ كَلَامَهُمْ ، قَالَهُ وَهْبٌ. الثَّانِي: أَنَّهَا كَانَتْ قَائِمَةً تَخْدُمُهُمْ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . الثَّالِثُ: أَنَّهَا كَانَتْ قَائِمَةً تُصَلِّي ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ . فَضَحِكَتْ فِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: يَعْنِي حَاضَتْ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْعَرَبُ تَقُولُ ضَحِكَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ ، وَالضَّحِكُ الْحَيْضُ فِي كَلَامِهِمْ ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَضَحِكَ الْأَرَانِبُ فَوْقَ الصَّفَا كَمَثَلِ دَمِ الْخَوْفِ يَوْمَ اللُّقَا وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى ضَحِكَتْ: تَعَجَّبَتْ ، وَقَدْ يُسَمَّى التَّعَجُّبُ ضَحِكًا لِحُدُوثِ الضَّحِكِ عَنْهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ: فَجَاءَ بِمَزْجٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ هُوَ الضَّحِكُ إِلَّا أَنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ الثَّالِثُ: أَنَّهُ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ فِي الْوَجْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. فَإِنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلَى الْحَيْضِ فَفِي سَبَبِ حَيْضِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَافَقَ وَقْتَ عَادَتِهَا فَخَافَتْ ظُهُورَ دَمِهَا وَأَرَادَتْ شِدَادَهُ فَتَحَيَّرَتْ مَعَ حُضُورِ الرُّسُلِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: ذُعِرَتْ وَخَافَتْ فَتَعَجَّلَ حَيْضُهَا قَبْلَ وَقْتِهِ ، وَقَدْ تَتَغَيَّرُ عَادَةُ الْحَيْضِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَتَغَيُّرِ الطِّبَاعِ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ بَشِيرًا بِالْوِلَادَةِ لِأَنَّ مَنْ لَمْ تَحُضْ لَا تَلِدُ. وَإِنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلَى التَّعَجُّبِ فَفِيمَا تَعَجَّبَتْ مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَعَجَّبَتْ مِنْ أَنَّهَا وَزَوْجَهَا يَخْدُمَانِ الْأَضْيَافَ تَكْرِمَةً لَهُمْ وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ . الثَّانِي: تَعَجَّبَتْ مِنْ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ قَدْ أَتَاهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ غَافِلُونَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَعَجَّبَتْ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ عَلَى كِبَرِ سِنِّهَا وَسِنِّ زَوْجِهَا ، قَالَهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. الرَّابِعُ: أَنَّهَا تَعَجَّبَتْ مِنْ إِحْيَاءِ الْعِجْلِ الْحَنِيذِ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسَحَهُ بِجَنَاحِهِ فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ وَأُمُّ الْعِجْلِ فِي الدَّارِ ، قَالَهُ عَوْنُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ. وَإِنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلَى ضَحِكِ الْوَجْهِ فَفِيمَا ضَحِكَتْ مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالسَّلَامَةِ. الثَّانِي: سُرُورًا بِالْوَلَدِ. الثَّالِثُ: لِمَا رَأَتْ مَا بِزَوْجِهَا مِنَ الْوَرَعِ ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ . الرَّابِعُ: أَنَّهَا ضَحِكَتْ ظَنًّا بِأَنَّ الرُّسُلَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى. فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ وَفِي وَرَاءِ هَا هُنَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَرَاءَ وُلِدَ الْوَلَدُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ . الثَّانِي: أَنَّهُ بِمَعْنَى بَعْدُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ ، وَقَالَ النَّابِغَةُ الذِّبْيَانِيُّ: حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكِ رِيبَةً وَلَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ فَعَجَّلُوا لَهَا الْبُشْرَى بِالْوَلَدَيْنِ مُظَاهَرَةً لِلنِّعْمَةِ وَمُبَالَغَةً فِي التَّعَجُّبِ ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْبِشَارَةُ بِهِمَا بِاسْمَيْهِمَا فَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُسَمِّي لَهُمَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الْبِشَارَةُ بِهِمَا وَسَمَّاهَا أَبُوهُمَا. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ خُصَّتْ سَارَّةُ بِالْبُشْرَى مِنْ دُونِ إِبْرَاهِيمَ؟ قِيلَ عَنْ هَذَا ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَمَّا اخْتَصَّتْ بِالضَّحِكِ خُصَّتْ بِالْبُشْرَى. الثَّانِي: أَنَّهُمْ كَافَأُوهَا بِالْبُشْرَى مُقَابَلَةً عَلَى اسْتِعْظَامِ خِدْمَتِهَا. الثَّالِثُ: لِأَنَّ النِّسَاءَ فِي الْبُشْرَى بِالْوَلَدِ أَعْظَمُ سُرُورًا وَأَكْثَرُ فَرَحًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سُمِّيَ إِسْحَاقَ لِأَنَّ سَارَّةَ سَحُقَتْ بِالضَّحِكِ حِينَ بُشِّرَتْ بِهِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا لَمْ تَقْصِدْ بِقَوْلِهَا يَا وَيْلَتَا الدُّعَاءَ عَلَى نَفْسِهَا بِالْوَيْلِ وَلَكِنَّهَا كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلَى أَفْوَاهِ النِّسَاءِ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِنَّ مَا يُعْجَبْنَ مِنْهُ ، وَعَجِبَتْ مِنْ وِلَادَتِهَا وَهِيَ عَجُوزٌ وَكَوْنُ بَعْلِهَا شَيْخًا لِخُرُوجِهِ عَنِ الْعَادَةِ ، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ مُسْتَغْرَبٌ وَمُسْتَنْكَرٌ. وَاخْتُلِفَ فِي سِنِّهَا وَسِنِّ إِبْرَاهِيمَ حِينَئِذٍ ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَ لِسَارَّةَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً وَكَانَ لِإِبْرَاهِيمَ مِائَةُ سَنَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : كَانَتْ سَارَّةُ بِنْتَ تِسْعِينَ سَنَةً وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنَ تِسْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّهَا عَرَّضَتْ بِقَوْلِهَا: وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا عَنْ تَرْكِ غِشْيَانِهِ لَهَا ، وَالْبَعْلُ هُوَ الزَّوْجُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [الْبَقَرَةَ: 228] . وَالْبَعْلُ: الْمَعْبُودُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَدْعُونَ بَعْلًا [الصَّافَّاتِ: 125] أَيْ إِلَهًا مَعْبُودًا. وَالْبَعْلُ السَّيِّدُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ. حَاسِرِي الدِّيبَاجِ عَنْ أَذْرُعِهِمْ عِنْدَ بَعْلٍ حَازِمِ الرَّأْيِ بَطَلٍ فَسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِتَطَاوُلِهِ عَلَى الزَّوْجَةِ كَتَطَاوُلِ السَّيِّدِ عَلَى الْمَسُودِ. إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ أَيْ مُنْكَرٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق: 2] أَيْ أَنْكَرُوا. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهَا تَكْذِيبًا وَلَكِنِ اسْتِغْرَابًا لَهُ.

                                                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية