الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمِنْ بَابِ الْإِشَارَةِ فِي الْآيَاتِ: وَإِذْ قُلْتُمْ لِمُوسَى الْقَلْبِ: لَنْ نُؤْمِنَ الْإِيمَانَ الْحَقِيقِيَّ حَتَّى نَصِلَ إِلَى مَقَامِ الْمُشَاهَدَةِ، وَالْعَيَانِ، فَأَخَذَتْكُمْ صَاعِقَةُ الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ الْفَنَاءُ، فِي التَّجَلِّي الذَّاتِيِّ، وَأَنْتُمْ تُرَاقِبُونَ، أَوْ تُشَاهِدُونَ، ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ بِالْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَالْبَقَاءِ بَعْدَ الْفَنَاءِ، لِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ التَّوْحِيدِ وَالْوُصُولِ بِالسُّلُوكِ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ غَمَامَ تَجَلِّي الصِّفَاتِ لِكَوْنِهَا حُجُبَ شَمْسِ الذَّاتِ الْمُحْرِقَةِ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ الذَّوْقِيَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ الْحَلَاوَةِ، وَإِذْهَابِ رَذَائِلِ أَخْلَاقِ النَّفْسِ كَالتَّوَكُّلِ وَالرِّضَا وَسَلْوَى الْحُكْمِ وَالْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي يَحْشُرُهَا عَلَيْكُمْ رِيحُ الرَّحْمَةِ، وَالنَّفَحَاتُ الْإِلَهِيَّةُ فِي تِيهِ الصِّفَاتِ عِنْدَ سُلُوكِكُمْ فِيهَا، فَتُسَلَّوْنَ بِذَلِكَ السَّلْوَى، وَتَنْسَوْنَ مِنْ لَذَائِذِ الدُّنْيَا كُلَّ مَا يُشْتَهَى، كُلُوا أَيْ تَنَاوَلُوا، وَتَلَقَّوْا هَذِهِ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي رُزِقْتُمُوهَا حَسَبَ اسْتِعْدَادِكُمْ، وَأُعْطِيتُمُوهَا عَلَى مَا وَعْدٍ لَكُمْ، وَمَا ظَلَمُونَا أَيْ مَا نَقَصُوا حُقُوقَنَا وَصِفَاتِنَا بِاحْتِجَاجِهِمْ بِصِفَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ كَانُوا نَاقِصِينَ حُقُوقَ أَنْفُسِهِمْ بِحِرْمَانِهَا، وَخُسْرَانِهَا، وَهَذَا هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ أَيِ الْمَحَلَّ الْمُقَدَّسَ الَّذِي هُوَ مَقَامُ الْمُشَاهَدَةِ، وَادْخُلُوا الْبَابَ الَّذِي هُوَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، فَهُوَ بَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْأَعْظَمُ سُجَّدًا مُنْحَنِينَ خَاضِعِينَ لِمَا يَرِدُ عَلَيْكُمْ مِنَ التَّجَلِّيَاتِ، وَاطْلُبُوا أَنْ يَحُطَّ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ ذُنُوبَ صِفَاتِكُمْ، وَأَخْلَاقِكُمْ، وَأَفْعَالِكُمْ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ، (فَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ أَيِ الْمُشَاهِدِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا الْكَشْفُ التَّامُّ عَنِ الذَّاتِ الْأَقْدَسِ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَضَاعُوهَا، وَوَضَعُوهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا اللَّائِقِ بِهَا، قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمُ ابْتِغَاءً لِلْحُظُوظِ الْفَانِيَةِ وَالشَّهَوَاتِ الدَّنِيَّةِ، فَأَنْزَلْنَا عَلَى الظَّالِمِينَ خَاصَّةً عَذَابًا، وَظُلْمَةً، وَضِيقًا فِي سِجْنِ الطَّبِيعَةِ، وَإِسْرًا فِي وَثَاقِ التَّمَنِّي، وَقَيْدِ الْهَوَى، وَحِرْمَانًا وَذُلًّا بِمَحَبَّةِ الْمَادِّيَّاتِ السُّفْلِيَّةِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ هَاتِيكَ التَّجَلِّيَّاتِ الْعَلِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ قَهْرِ سَمَاءِ الرُّوحِ، وَمَنْعِ اللُّطْفِ وَالرَّوْحِ عَنْهُمْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ الْقَلْبِ الَّذِي لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِالْهُدَى، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ: (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ) ، إِلَى طَاعَةِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ. وَهَذَا هُوَ الْبَلَاءُ الْعَظِيمُ، وَالْخَطْبُ الْجَسِيمُ. مَنْ كَانَ يَرْغَبُ فِي السَّلَامَةِ فَلْيَكُنْ أَبَدًا مِنَ الْحَدَقِ الْمِرَاضِ عِيَاذُهُ لَا تَخْدَعَنَّكَ بِالْفُتُورِ فَإِنَّهُ نَظَرٌ يَضُرُّ بِقَلْبِكَ اسْتِلْذَاذُهُ إِيَّاكَ مِنْ طَمَعِ الْمُنَى فَعَزِيزُهُ كَذَلِيلِهِ وَغَنِيُّهُ شَحَّاذُهُ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية