الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      يَا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، بَعْدَ أَنْ حَكَى سُبْحَانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَلُّلَ الْيَهُودِ بِالْأَبَاطِيلِ، وَاقْتِرَاحَهُمُ الْبَاطِلَ تَعَنُّتًا، وَرَدَّ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ بِمَا رَدَّ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِمَا أَكَّدَ، وَفِي تَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَيْهِمْ وَأَمْرِهِمْ بِالْإِيمَانِ مَشْفُوعًا بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بَعْدَ تَنْبِيهٍ عَلَى أَنَّ الْمَحَجَّةَ قَدْ وَضَحَتْ وَالْحُجَّةَ قَدْ لَزِمَتْ فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عُذْرٌ فِي الْقَبُولِ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِأَهْلِ مَكَّةَ ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) أَيْنَمَا وَقَعَ لَهُمْ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْمِيمَ أَوْلَى، وَمَا ذُكِرَ فِي حَيِّزِ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَغْلَبِيٌّ، وَقِيلَ: هُوَ لِلْكُفَّارِ مُطْلَقًا إِبْقَاءً لِلْأَمْرِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى مَا يَعُمُّ الْأَحْدَاثَ وَالثَّبَاتَ. قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِيرَادُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِعُنْوَانِ الرِّسَالَةِ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ طَاعَتِهِ بِالْحَقِّ أَيْ: مُتَلَبِّسًا بِهِ، وَفُسِّرَ بِالْقُرْآنِ، وَبِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَبِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِـ( جَاءَ ) أَيْ: جَاءَكُمْ بِسَبَبِ إِقَامَةِ الْحَقِّ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: مِنْ رَبِّكُمْ مُتَعَلِّقٌ إِمَّا بِالْفِعْلِ أَيْضًا، أَوْ بِمَحْذُوفٍ وَقَعَ حَالًا مِنَ الْحَقِّ، أَيْ: جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ كَائِنًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَالتَّعَرُّضُ لِعُنْوَانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الْإِضَافَةِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَتِهِمْ وَتَبْلِيغِهِمْ إِلَى كَمَالِهِمُ اللَّائِقِ بِهِمْ؛ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الِامْتِثَالِ لِمَا بَعْدُ مِنَ الْأَمْرِ، كَمَا أَنَّ فِي ذِكْرِ الْجُمْلَةِ تَمْهِيدًا لِمَا يَعْقُبُهَا مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا تَكْرِيرٌ لِلشَّهَادَةِ، وَتَقْرِيرٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ، وَتَمْهِيدٌ لِمَا ذُكِرَ فَآمِنُوا أَيْ: بِالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، وَالْفَاءُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى إِيجَابِ مَا قَبْلَهَا لِمَا بَعْدَهَا. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: خَيْرًا لَكُمْ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ ( وَافْعَلُوا ) أَوِ ( ائْتُوا ) خَيْرًا لَكُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ ، وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: إِيمَانًا خَيْرًا لَكُمْ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِيمَانَ يَنْقَسِمُ إِلَى خَيْرٍ وَغَيْرِهِ، وَدُفِعَ بِأَنَّهُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَهٌ، وَأَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ قَدْ لَا يُعْتَبَرُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِهِ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ ذِكْرَهُ تَعْرِيضٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّ لَهُمْ إِيمَانًا بِبَعْضِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ كَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَثَلًا إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ خَيْرًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ. وَذَهَبَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّهُ خَبَرُ ( كَانَ ) مُضْمَرَةً، وَالتَّقْدِيرُ: يَكُنِ الْإِيمَانُ خَيْرًا لَكُمْ، وَرُدَّ بِأَنَّ ( كَانَ ) لَا تُحْذَفُ مَعَ اسْمِهَا دُونَ خَبَرِهَا إِلَّا فِي مَوَاضِعَ اقْتَضَتْهُ، وَأَنَّ الْمُقَدَّرَ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، فَيَلْزَمُ حَذْفُ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ؛ إِذِ التَّقْدِيرُ: إِنْ تُؤْمِنُوا يَكُنِ الْإِيمَانُ خَيْرًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَخْصِيصَ حَذْفِ كَانَ وَاسْمِهَا فِي مَوَاضِعَ لَا يُسَلِّمُهُ هَذَا الْقَائِلُ، وَبِأَنَّ لُزُومَ حَذْفِ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْجَزْمَ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وَإِنْ قُلْنَا: بِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْأَمْرِ وَأَخَوَاتِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبٌ لِبَعْضِ النُّحَاةِ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ. وَنَقَلَ مَكِّيٌّ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَقِيقَتِهِمَا، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ حَالُ أَنْفُسِهِمَا عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ وَآكَدِهِ، أَوْ خَارِجَةً عَنْهُمَا مُسْتَقِرَّةً فِيهِمَا مِنَ الْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمُخَاطِبُونَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، أَيْ: كُلُّ ذَلِكَ لَهُ تَعَالَى خَلْقًا وَمِلْكًا وَتَصَرُّفًا، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ مَلَكُوتِهِ وَقَهْرِهِ ذَرَّةٌ فَمَا دُونَهَا، وَالْجُمْلَةُ دَلِيلُ الْجَوَابِ، أُقِيمَ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ مَضْمُونَهَا مُقَرَّرٌ قَبْلَ كُفْرِهِمْ فَلَا يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَهُوَ سُبْحَانُهُ قَادِرٌ عَلَى تَعْذِيبِكُمْ بِكُفْرِهِمْ؛ لِأَنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أَوْ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ لَا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِكُمْ كَمَا لَا يَنْتَفِعُ بِإِيمَانِكُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ: ( وَإِنْ تَكْفُرُوا ) فَقَدْ كَابَرْتُمْ عُقُولَكُمْ ( فَإِنَّ لِلَّهِ ) سُبْحَانَهُ مَا لَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا يُنَافِي حَالَكُمْ وَاعْتِقَادَكُمْ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى الْكُفْرُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ( وَإِنْ تَكْفُرُوا ) فَإِنَّ عَبِيدًا غَيْرَكُمْ لَا يَكْفُرُونَ بَلْ يَعْبُدُونَهُ وَيَنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ. وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا بِأَحْوَالِ كُلٍّ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كُفْرُهُمْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا حَكِيمًا فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَتَدْبِيرَاتِهِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ تَعْذِيبُ مَنْ كَفَرَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية