الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا بَدَلٌ مِنْ لَفْظِ رَبِّكَ وَفِي إِبْدَالِهِ تَعْظِيمٌ لَا يَخْفَى وَإِيمَاءٌ عَلَى مَا قِيلَ إِلَى مَا رُوِيَ فِي كُتُبِ الصُّوفِيَّةِ مِنَ الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «لَوْلَاكَ لَمَا خُلِقَتِ الْأَفْلَاكُ». وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الرَّحْمَنِ صِفَةٌ لِرَبِّكَ أَوْ لِرَبِّ السَّمَاوَاتِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ جَوَازِ وَصْفِ الْمُضَافِ إِلَى ذِي اللَّامِ بِالْمُعَرَّفِ بِهَا، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ وَهَلْ يَكُونُ بَدَلًا مِنْ لَفْظِ «رَبِّكَ». قَالَ فِي الْبَحْرِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَدَلَ لَا يَتَكَرَّرُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا اسْتِئْنَافٌ مُقَرِّرٌ لِمَا أَفَادَتْهُ الرُّبُوبِيَّةُ الْعَامَّةُ مِنْ غَايَةِ الْعَظَمَةِ وَاسْتِقْلَالًا لَهُ تَعَالَى بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْعَطَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وَالْقِرَاءَةُ كَذَلِكَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشِ وَابْنِ مُحَيْصِنٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَعَاصِمٍ، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْحَرَمِيَّانِ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ فَقِيلَ: عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرَانِ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ؛ أَيْ: هُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ إِلَخْ. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ هُوَ الْخَبَرُ وَالثَّانِي صِفَةٌ لَهُ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ، وَالثَّانِي خَبَرُهُ. وَ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خَبَرٌ آخَرُ أَوْ هُوَ الْخَبَرُ، وَالثَّانِي نَعْتٌ لِلْأَوَّلِ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ وَقِيلَ: ( لَا يَمْلِكُونَ ) حَالٌ لَازِمَةٌ. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ أَوَّلُ، وَالثَّانِي مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ ( لَا يَمْلِكُونَ ) خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأَوَّلِ، وَحَصَلَ الرَّبْطُ بِتَكْرِيرِ الْمُبْتَدَأِ بِمَعْنَاهُ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ بِهِ، وَاخْتِيرَ أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا مَرْفُوعًا عَلَى الْمَدْحِ أَوْ يَكُونَ الثَّانِي صِفَةً لِلْأَوَّلِ، وَ ( لَا يَمْلِكُونَ ) اسْتِئْنَافًا عَلَى حَالِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَوَافُقِ الْقِرَاءَتَيْنِ مَعْنًى، وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِخِلَافٍ عَنْهُمَا بِجَرِّ الْأَوَّلِ عَلَى مَا سَمِعْتَ وَرَفْعِ الثَّانِي عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَا بَعْدَهُ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ وَمَا بَعْدَهُ اسْتِئْنَافٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ، وَضَمِيرُ ( لَا يَمْلِكُونَ ) لِأَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَ ( مِنْهُ ) بَيَانٌ لِ: خِطَابًا مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ أَيْ: لَا يَمْلِكُونَ أَنْ يُخَاطِبُوهُ تَعَالَى مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ لَفْظُ الْمَلِكِ خِطَابًا مَا فِي شَيْءٍ مَا، وَالْمُرَادُ نَفْيُ قُدْرَتِهِمْ عَلَى أَنْ يُخَاطِبُوهُ عَزَّ وَجَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ نَقْصِ الْعَذَابِ أَوْ زِيَادَةِ الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ تَعَالَى عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ وَآكَدِهِ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ «مِنْهُ» صِلَةَ ( يَمْلِكُونَ ) وَ «مِنْ» ابْتِدَائِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى: لَا يَمْلِكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى خِطَابًا وَاحِدًا؛ أَيْ: لَا يُمَلِّكُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ فِي أَيْدِيهِمْ خِطَابٌ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فَيَزِيدُونَ فِي الثَّوَابِ أَوْ يُنْقِصُونَ مِنَ الْعِقَابِ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: مَلَكْتُ مِنْهُ دِرْهَمًا وَهُوَ أَقَلُّ تَكَلُّفًا وَأَظْهَرُ مِنْ جَعْلِ ( مِنْهَ ) حَالًا مِنْ خِطَابًا مُقَدَّمًا وَإِضْمَارِ مُضَافٍ؛ أَيْ: خِطَابًا مِنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا يَمْلِكُونَ خِطَابًا وَاحِدًا مِنْ جُمْلَةِ مَا يُخَاطَبُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى وَيَأْمُرُ بِهِ فِي أَمْرِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ حَمْلُ الْخِطَابِ عَلَى خِطَابِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ وَمِنْهُ عَلَى مَا سَمِعْتَ مِنَّا أَوَّلًا لَا يَمْلِكُونَ خِطَابَهُ تَعَالَى وَالِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَمْلُوكُونَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ اعْتِرَاضًا أَصْلًا، وَأَيًّا مَا كَانَ فَالْآيَةُ لَا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ بِإِذْنِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضَمِيرَ لَا يَمْلِكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ، وَعَدَمُ الصَّلَاحِيَةِ عَلَيْهِ أَظْهَرُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية