الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَيَانٌ لِحَالِ الْبُخْلِ وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ وَتَخْطِئَةٌ لِأَهْلِهِ فِي دَعْوَاهُمْ خَيْرِيَّتَهُ حَسْبَ بَيَانِ حَالِ الْإِمْلَاءِ ، وَبِهَذَا تَرْتَبِطُ الْآيَةُ بِمَا قَبْلَهَا وَقِيلَ : وَجْهُ الِارْتِبَاطِ أَنَّهُ تَعَالَى ؛ لَمَّا بَالَغَ فِي التَّحْرِيضِ عَلَى بَذْلِ الْأَرْوَاحِ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ شَرَعَ هَهُنَا فِي التَّحْرِيضِ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ ، وَبَيَّنَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَنْ يَبْخَلُ ، وَإِيرَادِ مَا بَخِلُوا بِهِ بِعُنْوَانِ إِيتَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ مِنْ فَضْلِهِ ؛ لِلْمُبَالَغَةِ فِي بَيَانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ بَذْلِهِ فِي سَبِيلِهِ سُبْحَانَهُ ، وَفِعْلُ الْحُسْبَانِ مُسْنَدٌ إِلَى الْمَوْصُولِ ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ . وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَفْعُولَ فِي هَذَا الْبَابِ مَطْلُوبٌ مِنْ جِهَتَيْنِ : مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ فِيهِ ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَحَدَ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ ، فَلَمَّا تَكَرَّرَ طَلَبَهُ امْتُنِعَ حَذْفُهُ ، وَنَقْضُ ذَلِكَ بِخَبَرِ كَانَ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْ جِهَتَيْنِ أَيْضًا ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ حَذْفِهِ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ . وَنَقَلَ الطَّيِّبِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْكَشَّافِ أَنَّ حَذْفَ أَحَدِ مَفْعُولَىْ حَسِبَ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ فَاعِلُ حَسِبَ وَمَفْعُولَاهُ شَيْئًا وَاحِدًا فِي الْمَعْنَى ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِأَنْ يُقَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) الْفَاعِلُ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى الْبُخْلِ كَانَ فِي حُكْمِ اتِّحَادِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ ، وَلِذَلِكَ حُذِفَ ، وَقِيلَ : إِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ كَنَّى عَنْ قُوَّةِ الْقَرِينَةِ بِالِاتِّحَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ لَيْسَا بِشَيْءٍ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَدَارَ صِحَّةِ الْحَذْفِ الْقَرِينَةُ ، فَمَتَى وُجِدَتْ جَازَ الْحَذْفُ ، وَمَتَى لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزْ . وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هُوَ ضَمِيرُ رَفْعٍ اسْتُعِيرَ فِي مَكَانِ الْمَنْصُوبِ ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْبُخْلِ أَوِ الْإِيتَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ أَوَّلًا تَعَسُّفٌ جِدًّا ، لَا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ الْكَرِيمِ ، -وَإِنْ جَوَّزَهُ الْمَوْلَى عِصَامُ الدِّينِ تَبَعًا لِأَبِي الْبَقَاءِ- حَتَّى قَالَ فِي الدُّرِّ الْمَصُونِ : إِنَّهُ غَلَطٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ضَمِيرُ فَصْلٍ بَيْنَ مَفْعُولَيْ حَسِبَ ، لَا تَوْكِيدٌ لِلْمُظْهَرِ كَمَا تُوِهِّمَ ، وَقِيلَ : الْفِعْلُ مُسْنَدٌ إِلَى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ ضَمِيرِ مَنْ يَحْسَبُ ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَوْصُولُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ ، أَيْ: بُخْلَ الَّذِينَ ، وَالثَّانِي : خَيْرًا كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، نَعَمْ إِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْخِطَابِ . وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يُقَدَّرُ بَيْنَ الْبَاءِ وَمَجْرُورِهَا مُضَافٌ ، أَيْ : لَا يَحْسَبَنَّ ، أَوْ ( لَا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) بِإِنْفَاقِ أَوْ زَكَاةِ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ صِفَةٌ حَسَنَةٌ ( أَوْ خَيْرًا ) لَهُمْ مِنَ الْإِنْفَاقِ بَلْ هُوَ شَرٌّ عَظِيمٌ لَهُمْ ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ لِلْمُبَالَغَةِ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ شَرْيَتِهِ لَهُمْ ، وَالسِّينُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ، وَالْكَلَامُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ إِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعٌ أَقْرَعُ ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ ، يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ " . وَأَخْرَجَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمَهُ ، فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهُ فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إِلَّا خَرَجَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ جَهَنَّمَ شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ حَتَّى يُطَوِّقَهُ " ، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُجْعَلُ مَا بَخِلُوا بِهِ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فِي أَعْنَاقِهِمْ . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَالْمَعْنَى كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ : سَيُكَلَّفُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا بَخِلُوا بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ ، فَلَا يَأْتُونَ ، وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ : سَيُلْزَمُونَ وَبَالَ مَا بَخِلُوا بِهِ إِلْزَامَ الطَّوْقِ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ ؛ لِلْإِيذَانِ بِكَمَالِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا ، وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ تُقَلِّدُهَا طَوْقَ الْحَمَامَةِ ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ ، كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الصَّادِقِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالسُّدِّيِّ ، وَخَلْقٍ آخَرِينَ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ ، الَّتِي نَطَقَتْ بِهَا التَّوْرَاةُ ، فَالْمُرَادُ بِالْبُخْلِ : كِتْمَانُ الْعِلْمِ ، وَبِالْفَضْلِ : التَّوْرَاةُ الَّتِي أُوتُوهَا ، وَمَعْنَى سَيُطَوَّقُونَ مَا قَالَهُ أَبُو مُسْلِمٍ ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُطَوَّقُونَ طَوْقًا مِنَ النَّارِ جَزَاءَ هَذَا الْكِتْمَانِ . فَالْآيَةُ حِينَئِذٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ " ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ هَذَا عَوْدًا إِلَى مَا انْجَرَّ مِنْهُ الْكَلَامُ إِلَى قِصَّةِ أُحُدٍ ، وَذَلِكَ هُوَ شَرْحُ أَحْوَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، قِيلَ : وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ آيَاتِ بَقِيَّةِ السُّورَةِ فِيهِمْ : وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ : لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ -اسْتِقْلَالًا أَوِ اشْتِرَاكًا- مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِمَّا يُتَوَارَثُ مِنْ مَالِ وَغَيْرِهِ ، كَالْأَحْوَالِ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى آخَرَ كَالرِّسَالَاتِ الَّتِي يَتَوَارَثُهَا أَهْلُ السَّمَاءِ مَثَلًا فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ وَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ ، فَالْمِيرَاثُ مَصْدَرٌ كَالْمِيعَادِ ، وَأَصْلُهُ مِوْرَاثٌ ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءًا لِانْكِسَارِ مَا قَبِلَهَا ، وَالْمُرَادُ بِهِ : مَا يُتَوَارَثُ ، وَالْكَلَامُ جَارٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَلَا مَجَازَ فِيهِ ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ تَعَالَى يَرِثُ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا بَخِلُوا بِهِ وَيَنْتَقِلُ مِنْهُمْ إِلَيْهِ حِينَ يُهْلِكُهُمْ وَيُفْنِيهِمْ وَتَبْقَى الْحَسْرَةُ وَالنَّدَامَةُ عَلَيْهِمْ فَفِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا مَجَازٌ قَالَ الزَّجَّاجُ : أَيْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُفْنِي أَهْلَهُمَا فَيَبْقَيَانِ بِمَا فِيهِمَا لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِمَا مِلْكٌ ، فَخُوطِبُوا بِمَا يَعْلَمُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مَا يَرْجِعُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِيرَاثًا مِلْكًا لَهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ مِنَ الْمَنْعِ وَالْبُخْلِ خَبِيرٌ فَيُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِظْهَارُ الِاسْمِ الْجَلِيلِ ؛ لِتَرْبِيَةِ الْمَهَابَةِ وَالِالْتِفَاتُ إِلَى الْخِطَابِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْوَعِيدِ ؛ لِأَنَّ تَهْدِيدَ الْعَظِيمِ بِالْمُوَاجَهَةِ أَشَدُّ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ ، وَابْنِ عَامِرٍ وَعَاصِمٍ وَحَمْزَةِ وَالْكِسَائِيُّ ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءُ عَلَى الْغِيبَةِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية