الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ، أَيْ : أَخَذُوا الْكُفْرَ بَدَلًا مِنَ الْإِيمَانِ رَغْبَةً فِيمَا أَخَذُوا ، وَإِعْرَاضًا عَمَّا تَرَكُوا ؛ وَلِهَذَا وَضَعَ "اشْتَرَوْا" مَوْضِعَ "بَدَّلُوا" فَإِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ فِي الرَّغْبَةِ ، وَأَدُلُّ عَلَى سُوءِ الِاخْتِيَارِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ ، وَفِيهِ هُنَا تَعْرِيضٌ ظَاهِرٌ ؛ بِاقْتِصَارِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَإِنَّمَا يَضُرُّونَ أَنْفُسَهُمْ ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَوْصُولِ هُنَا مَا أُرِيدَ مِنْهُ هُنَاكَ ، وَالتَّكْرِيرُ ؛ لِتَقْرِيرِ الْحُكْمِ وَتَأْكِيدِهِ بِبَيَانِ عِلَّتِهِ ، بِتَغْيِيرِ عُنْوَانِ الْمَوْضُوعِ فَإِنَّ مَا ذُكِرَ فِي حَيِّزِ الصِّلَةِ ؛ لِكَوْنِهِ عِلْمًا فِي الْخُسْرَانِ الْكُلِّيِّ . وَالْحِرْمَانُ الْأَبَدِيُّ صَرِيحٌ فِي لُحُوقِ ضَرَرِهِ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَعَدَمُ تَعَدِّيهِ إِلَى غَيْرِهِمْ أَصْلًا ، وَدَالٌّ عَلَى كَمَالِ سَخَافَةِ عُقُولِهِمْ ، وَرَكَاكَةِ آرَائِهِمْ ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى مِنْهُمْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قُوَّةِ الْحَزْمَ وَرَزَانَةِ الرَّأْيِ وَرَصَانَةِ التَّدْبِيرِ مِنْ مُضَارَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ تَكَفَّلَ سُبْحَانَهُ لَهُمْ بِالنَّصْرِ ؟ وَهِيَ أَعَزُّ مِنْ جَلِيمَةَ وَأَمْنَعُ مِنْ لَهَاةِ اللَّيْثِ ، وَجُوِّزَ أَنْ يُرَادَ بِالْمَوْصُولِ هُنَا عَامٌّ ، وَيُرَادَ بِهِ هُنَاكَ خَاصٌّ ، وَهُوَ مَا عَدَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ فِيهِ ، وَالْجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا ؛ تَقْرِيرُ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ لِمَا انْدَرَجَ تَحْتَهَا مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْأَحْكَامِ ، وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ عَامًّا لِلْكَفَّارِ ، وَهَذَا خَاصًّا بِالْمُنَافِقِينَ ، وَأَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ فِي الضَّرَرِ وَالْكَيْدِ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ إِرَادَةَ الْعَامِّ هُنَاكَ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِفَخَامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ ؛ لِمَا أَنَّ صُدُورَ الْمُسَارِعَةِ فِي الْكُفْرِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ، وَكَوْنَهَا مَظِنَّةً لِإِيرَاثِ الْحُزْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ عُلِمَ اتِّصَافُهُ بِهَا ، وَأَمَّا مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالَهُ مِنَ الْكَفَرَةِ الْكَائِنِينَ فِي الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ ، فَإِسْنَادُ الْمُسَارِعَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَيْهِمْ وَاعْتِبَارُ كَوْنِهَا مِنْ مَبَادِئِ حُزْنِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا لَا وَجْهَ لَهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْقَائِلَ بِالْعُمُومِ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يُرِدْ بِالْكُفَّارِ مُقَابِلَ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ كَانُوا ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ وُجِدُوا ، بَلْ مَا يَشْمَلُ الْمُتَخَلِّفِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ مَثَلًا مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ إِضْرَارُهُمْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحِينَئِذٍ لَا يُرَدُّ هَذَا الِاعْتِرَاضُ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ مِنَ الْأَوَّلِ الْمُنَافِقُونَ ، أَوْ مَنِ ارْتَدُّوا مِمَّا هُنَا الْيَهُودُ ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْإِيمَانِ إِمَّا الْإِيمَانُ الْحَاصِلُ بِالْفِعْلِ -كَمَا هُوَ حَالُ الْمُرْتَدِّينَ- أَوْ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ الْحَاصِلَةِ بِمُشَاهَدَةِ دَلَائِلِهِ فِي التَّوْرَاةِ ، كَمَا شَأْنُ الْيَهُودِ مَثَلًا ، وَإِمَّا الْإِيمَانُ الِاسْتِعْدَادِيُّ ، الْحَاصِلُ بِمُشَاهَدَةِ الْوَحْيِ النَّاطِقِ وَالدَّلَائِلِ الْمَنْصُوبَةِ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفَسِ ، كَمَا هُوَ دَأْبُ جَمِيعِ الْكَفَرَةِ مِمَّا عَدَا ذَلِكَ ، وَإِمَّا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْجَمِيعِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْجَمِيعِ ؛ فَتَفَطَّنْ. وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَيْ : مُؤْلِمٌ وَالْجُمْلَةُ مُبْتَدَأَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمَالِ فَظَاعَةِ عَذَابِهِمْ بِذِكْرِ غَايَةِ إِيلَامِهِ بَعْدَ ذِكْرِ نِهَايَةِ عِظَمِهِ ، أَوْ مُقَرِّرَةٌ لِلضَّرَرِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى ، قِيلَ : لَمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِاغْتِبَاطِ الْمُشْتَرِي بِمَا اشْتَرَاهُ ، وَسُرُورِهِ بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ كَوْنِ الصَّفْقَةِ رَابِحَةٌ ، وَبِتَأَلُّمِهِ عِنْدَ كَوْنِهَا خَاسِرَةٌ وُصِفَ عَذَابُهُمْ بِالْإِيلَامِ ؛ مُرَاعَاةً لِذَلِكَ ، نَقَلَهُ مَوْلَانَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية