الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ أَيْ جَعَلَ حَالَهَا مَثَلًا لِحَالِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَنَّ وَصْلَةَ الْكَفَرَةِ لَا تَضُرُّهُمْ حَيْثُ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا تَحْتَ أَعْدَى أَعْدَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهِيَ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ وَاسْمُهَا آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِذْ قَالَتْ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا حَالَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ قِيلَ : أَيْ قَرِيبًا مِنْ رَحْمَتِكَ لِتَنَزُّهِهِ سُبْحَانَهُ عَنِ الْمَكَانِ . وَجُوِّزَ فِي عِنْدَكَ كَوْنُهُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَكَوْنُهُ حَالًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : بَيْتًا لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وَكَانَ صِفَةً لَوْ تَأَخَّرَ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فِي الْجَنَّةِ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " عِنْدَكَ " أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " ابْنِ " وَقَدَّمَ " عِنْدَكَ " لِنُكْتَةٍ ، وَهِيَ كَمَا فِي الْفُصُوصِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَوْلِهِمُ : الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ - بِعِنْدِكَ - أَعْلَى دَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرٌ ، وَلِأَنَّ الْمُرَادَ الْقُرْبُ مِنَ الْعَرْشِ ، وَعِنْدَكَ بِمَعْنَى عِنْدَ عَرْشِكَ وَمَقَرِّ عِزِّكَ وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ : عَلَى الِاحْتِمَالَاتِ فِي إِعْرَابِهِ وَلَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ أَيْ مِنْ نَفْسِ فِرْعَوْنَ الْخَبِيثَةِ وَسُلْطَانِهِ الْغَشُومِ وَعَمَلِهِ أَيْ وَخُصُوصًا مِنْ عَمَلِهِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَعِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّعْذِيبُ بِغَيْرِ جُرْمٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ وَالْكَلَامُ عَلَى أُسْلُوبِ " مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ " [الْبَقَرَةَ : 98] . وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ " نَجِّنِي " مِنْ عَمَلِ فِرْعَوْنَ فَهُوَ مِنْ أُسْلُوبِ أَعْجَبَنِي زَيْدٌ وَكَرَمُهُ ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى طَلَبِ الْبُعْدِ مِنْ نَفْسِهِ الْخَبِيثَةِ كَأَنَّهُ بِجَوْهَرِهِ عَذَابٌ وَدَمَارٌ يُطْلَبُ الْخَلَاصُ مِنْهُ ، ثُمَّ طُلِبَ النَّجَاةُ مِنْ عَمَلِهِ ثَانِيًا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ الطَّامَّةُ الْعُظْمَى ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ عَمَلَهُ بِتَعْذِيبِهِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْجِمَاعُ ، وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ مِنَ الْقِبْطِ التَّابِعِينَ لَهُ فِي الظُّلْمِ قَالَهُ مُقَاتِلٌ ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : مِنْ أَهْلِ مِصْرَ : وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِمُ الْقِبْطَ أَيْضًا ، وَالْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ مُؤْمِنَةً مُصَدِّقَةً بِالْبَعْثِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا عَمَّةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ آمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ بِتَلَقُّفِ الْعَصَا الْإِفْكَ فَعَذَّبَهَا فِرْعَوْنُ . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَتَدَ لِامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا فَكَانَتْ إِذَا تَفَرَّقُوا عَنْهَا أَظَلَّتْهَا الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَقَالَتْ : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ فَكُشِفَ لَهَا عَنْ بَيْتِهَا فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ : مِنْ دُرَّةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ أَنَّهُ وَتَدَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ وَأَضْجَعَهَا عَلَى ظَهْرِهَا وَجَعَلَ عَلَى صَدْرِهَا رَحَى وَاسْتَقْبَلَ بِهَا عَيْنَ الشَّمْسِ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي إِلَى الظَّالِمِينَ فَفَرَجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَيْتِهَا فِي الْجَنَّةِ فَرَأَتْهُ ، وَقِيلَ : أُمِرَ بِأَنْ تُلْقَى عَلَيْهَا صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ فَدَعَتِ اللَّهَ تَعَالَى فَرَقَى بِرُوحِهَا فَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى جَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ ، وَعَنِ الْحَسَنِ فَنَجَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى أَكْرَمَ نَجَاةٍ فَرَفَعَهَا إِلَى الْجَنَّةِ فَهِيَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَتَتَنَعَّمُ فِيهَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا رُفِعَتْ بِجَسَدِهَا وَهُوَ لَا يَصِحُّ . وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالِالْتِجَاءَ إِلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَسْأَلَةَ الْخَلَاصِ مِنْهُ تَعَالَى عِنْدَ الْمِحَنِ وَالنَّوَازِلِ مِنْ سِيَرِ الصَّالِحِينَ وَسَنَنِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ،

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية