الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      هَذَا «وَمِنْ بَابِ الْإِشَارَةِ » عَلَى مَا قِيلَ فِي الْآيَاتِ : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ إِشَارَةٌ إِلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّ إِفَاضَةَ الْعُلُومِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ ، وَمِنْهُ قَالُوا : إِنَّ الْوَلِيَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُمِّيًّا كَالشَّيْخِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ - عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ - وَعِنْدَهُ مِنَ الْعُلُومِ اللَّدُنِيَّةِ مَا تَقْصُرُ عَنْهَا الْعُقُولُ ، وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ عَالِمًا بِاللَّهِ تَعَالَى ذَا يَقِينٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ أَعْلَمَ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ بِحَقَائِقِ الْيَقِينِ وَدَقَائِقِ الْمَعْرِفَةِ مَعَ أَنَّ عُلَمَاءَ التَّابِعِينَ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِعِلْمِ الْفِقْهِ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَمَنِ انْقَطَعَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَلُصَتْ رُوحُهُ أُفِيضَ عَلَى قَلْبِهِ أَنْوَارٌ إِلَهِيَّةٌ تَهَيَّأَتْ بِهَا لِإِدْرَاكِ الْعُلُومِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ اللَّدُنِيَّةِ ، فَالْوِلَايَةُ لَا تَتَوَقَّفُ قَطْعًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْعُلُومِ الرَّسْمِيَّةِ كَالنَّحْوِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْفِقْهِ مَثَلًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ بَلْ عَلَى تَعَلُّمِ مَا يَلْزَمُ الشَّخْصُ مِنْ فُرُوضِ الْعَيْنِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ قِرَاءَةٍ أَوْ سَمَاعٍ مِنْ عَالِمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وِلَايَةُ شَخْصٍ لَا يَعْرِفُ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ كَأَكْثَرِ مَنْ تُقَبَّلُ يَدُهُ فِي زَمَانِنَا ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ - وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ نَحْوَ سَبْعِينَ سَنَةً - إِذَا تَشَهَّدَ لَا إِلَهَ أَنَّ اللَّهَ بِأَنْ بَدَلَ إِلَّا فَقُلْتُ لَهُ : مُنْذُ كَمْ تَقُولُ هَكَذَا ؟ فَقَالَ : مِنْ صِغَرِي إِلَى الْيَوْمِ فَكَرَّرْتُ عَلَيْهِ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ فَمَا قَالَهَا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إِلَّا بِجُهْدٍ ، وَلَا أَظُنُّ ثَبَاتَهُ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ ، وَخَبَرُ «لَا يَتَّخِذُ اللَّهُ وَلِيًّا جَاهِلًا وَلَوِ اتَّخَذَهُ لَعَلِمَهُ » لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ فِي دَعْوَى وِلَايَةِ مَنْ ذَكَرْنَا . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَيُزَكِّيهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِفَاضَةِ الْقَلْبِيَّةِ بَعْدَ الْإِشَارَةِ إِلَى الْإِفَادَةِ الْقَالِيَّةِ اللِّسَانِيَّةِ ، وَقَالَ بِحُصُولِهَا لِلْأَوْلِيَاءِ الْمُرْشِدِينَ : فَيُزَكُّونَ مُرِيدِيهِمْ بِإِفَاضَةِ الْأَنْوَارِ عَلَى قُلُوبِهِمْ حَتَّى تَخْلُصَ قُلُوبُهُمْ وَتَزْكُوَ نُفُوسُهُمْ ، وَهُوَ سِرُّ مَا يُقَالُ لَهُ التَّوَجُّهُ عِنْدَ السَّادَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ ، وَقَالُوا : بِالرَّابِطَةِ لِيَتَهَيَّأَ بِبَرَكَتِهَا الْقَلْبُ لِمَا يُفَاضُ عَلَيْهِ ، وَلَا أَعْلَمُ لِثُبُوتِ ذَلِكَ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَنِ الشَّارِعِ الْأَعْظَمِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا عَنْ خُلَفَائِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ، وَكُلُّ مَا يَذْكُرُونَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَعُدُّونَهُ دَلِيلًا لَا يَخْلُو عَنْ قَادِحٍ بَلْ أَكْثَرُ تَمَسُّكَاتِهِمْ فِيهَا تُشْبِهُ التَّمَسُّكَ بِحِبَالِ الْقَمَرِ ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطْنَابِ لَذَكَرْتُهَا مَعَ مَا فِيهَا ، وَمَعَ هَذَا لَا أُنْكِرُ بَرَكَةَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ : التَّوَجُّهُ وَالرَّابِطَةُ ، وَقَدْ شَاهَدْتُ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَيْضًا لَا أَدَّعِي الْجَزْمَ بِعَدَمِ دَلِيلٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ، وَلَعَلَّ أَوَّلَ مَنْ أَرْشَدَ إِلَيْهِمَا مِنَ السَّادَةِ وَجَدَ فِيهِمَا مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، أَوْ يُقَالُ : يَكْفِي لِلْعَمَلِ بِمِثْلِ ذَلِكَ نَحْوَ مَا تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ أَجِلَّةِ مُتَأَخَّرِيهِمْ وَإِنْ كَانَ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ وَلِأَرْبَابِ الْقَالِ فِي أَمْرِهِ مَقَالٌ ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَآخَرِينَ إِلَخْ بِنَاءٌ عَلَى عَطْفِهِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ قِيلَ : إِشَارَةً إِلَى عَدَمِ انْقِطَاعِ فَيْضِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ قَالُوا بِعَدَمِ انْقِطَاعِ فَيْضِ الْوَلِيِّ أَيْضًا بَعْدَ انْتِقَالِهِ مِنْ دَارِ الْكَثَافَةِ وَالْفَنَاءِ إِلَى دَارِ التَّجَرُّدِ وَالْبَقَاءِ : وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ إِلَخْ إِشَارَةٌ إِلَى سُوءِ حَالِ الْمُنْكِرِينَ مَعَ عِلْمِهِمْ ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا الْآيَةَ إِشَارَةٌ الَى جَوَازِ امْتِحَانِ مُدَّعِي الْوِلَايَةِ لِيَظْهَرَ حَالُهُ بِالِامْتِحَانِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُكْرَمُ أَوْ يُهَانُ ، وَفِي عِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنْفَضِّينَ إِشَارَةٌ إِلَى نَوْعٍ مِنْ كَيْفِيَّاتِ تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ نَوْعُ خِلَافٍ لِيَسْلُكَ الصِّرَاطَ السَّوِيَّ وَلَا يَرْتَكِبَ الِاعْتِسَافَ ، وَفِي الْآيَاتِ بَعْدُ إِشَارَاتٌ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْعِبَارَاتِ ، «وَمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ » .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية