الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ خَبَرٌ آخَرُ لِذَلِكُمْ أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ فَاطِرٌ أَوْ صِفَةٌ لِرَبِّي أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جَعَلَ لَكُمْ وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ (إِلَيْهِ) أَوْ (عَلَيْهِ) أَوْ وَصْفٌ لِلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلَى اَللَّهِ) وَمَا بَيْنَهُمَا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اَلصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى فَاطِرُ وَجَعَلَ أَيْ خَلَقَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مِنْ جِنْسِكُمْ أَزْوَاجًا نِسَاءً. وَتَقْدِيمُ اَلْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ عَلَى اَلْمَفْعُولِ اَلصَّرِيحِ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا أَيْ وَخَلَقَ لِلْأَنْعَامِ مِنْ جِنْسِهَا أَزْوَاجًا كَمَا خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا فَفِيهِ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ لِدَلَالَةِ اَلْقَرِينَةِ أَوْ وَخَلَقَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعَامِ أَصْنَافًا أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا يَذْرَؤُكُمْ يُكَثِّرُكُمْ يُقَالُ ذَرَأَ اَللَّهُ تَعَالَى اَلْخَلْقَ بَثَّهُمْ وَكَثَّرَهُمْ وَالذَّرْءُ وَالذَّرُّ أَخَوَانِ فِيهِ أَيْ فِيمَا ذَكَرَ مِنَ اَلتَّدْبِيرِ وَهُوَ أَنْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ لِلنَّاسِ وَالْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَوَالُدٌ وَجَعَلَ اَلتَّكَثُّرَ فِي هَذَا اَلْجَعْلِ لِوُقُوعِهِ فِي خِلَالِهِ وَأَثْنَائِهِ فَهُوَ كَالْمَنْبَعِ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي لِلسَّبَبِيَّةِ وَغَلَبَ فِي يَذْرَؤُكُمْ اَلْمُخَاطَبُونَ اَلْعُقَلَاءُ عَلَى اَلْغَيْبِ مِمَّا لَا يَعْقِلُ فَهُنَاكَ تَغْلِيبٌ وَاحِدٌ اِشْتَمَلَ عَلَى جِهَتَيْ تَغْلِيبٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ اَلْأَنْعَامَ غَائِبٌ غَيْرُ عَاقِلٍ فَإِذَا أُدْخِلَتْ فِي خِطَابِ اَلْعُقَلَاءِ كَانَ فِيهِ تَغْلِيبُ اَلْعَقْلِ وَالْخِطَابِ مَعًا، وَهَذَا اَلتَّغْلِيبُ - أَعْنِي اَلتَّغْلِيبَ لِأَجْلِ اَلْخِطَابِ وَالْعَقْلِ - مِنَ اَلْأَحْكَامِ ذَاتِ اَلْعِلَّتَيْنِ وَهُمَا هَنَا اَلْخِطَابُ وَالْعَقْلُ وَهَذَا هُوَ اَلَّذِي عَنَاهُ جَارُ اَللَّهِ وَهُوَ مِمَّا لَا بَأْسَ فِيهِ لِأَنَّ اَلْعِلَّةَ لَيْسَتْ حَقِيقَةً، وَزَعَمَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ أَنَّ اَلصَّحِيحَ أَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُتَبَايِنَانِ غَيْرُ مُتَدَاخِلَيْنِ أَحَدُهُمَا. مَجِيئُهُ عَلَى نَعْتِ ضَمِيرِ اَلْعُقَلَاءِ أَعَمَّ مِنْ كَوْنِهِ مُخَاطَبًا أَوْ غَائِبًا. وَالثَّانِي مَجِيئُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَعْتِ اَلْخِطَابِ فَالْأَوَّلُ لِتَغْلِيبِ اَلْعَقْلِ وَالثَّانِي لِتَغْلِيبِ اَلْخِطَابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَكَلَامُ صَاحِبِ اَلْمِفْتَاحِ يَحْتَمِلُ اِعْتِبَارَ تَغْلِيبَيْنِ. أَحَدُهُمَا تَغْلِيبُ اَلْمُخَاطَبِينَ عَلَى اَلْغَيْبِ. وَثَانِيهِمَا تَغْلِيبُ اَلْعُقَلَاءِ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ، وَقَالَ اَلطَّيِّبِيُّ: إِنَّ اَلْمَقَامَ يَأْبَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ اَلْأَصْلَ يَذْرَؤُكُمْ وَيَذْرَؤُهَا وَيَذْرَؤُكُنَّ وَيَذْرَؤُهَا لَكِنَّ اَلْأَصْلَ يَذْرَؤُكُمْ وَيَذْرَؤُهَا لَا غَيْرَ لِأَنَّ - كُمْ - فِي (يَذْرَؤُكُمْ) هُوَ كُمْ فِي (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) بِعَيْنِهِ لَكِنْ غَلَبَ هَهُنَا عَلَى اَلْغَيْبِ فَلَيْسَ فِي يَذْرَؤُكُمْ إِلَّا تَغْلِيبٌ وَاحِدٌ اِنْتَهَى، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اَلتَّذْرِئَةَ حُكْمٌ عُلِّلَ فِي اَلْآيَةِ بِعِلَّتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا جَعْلُ اَلنَّاسِ أَزْوَاجًا. وَالثَّانِيَةُ جَعْلُ اَلْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ اَلَّذِي عَنَاهُ جَارُ اَللَّهِ لِأَنَّ اَلْحُكْمَ هُوَ اَلْبَثُّ اَلْمُطْلَقُ وَعِلَّتُهُ اَلْمَجْمُوعُ وَإِنْ جُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ عِلَّةً فَكُلُّ بَثٍّ حُكْمٌ أَيْضًا فَأَيْنَ اَلْحُكْمُ اَلْوَاحِدُ اَلْمُتَعَدِّدُ عِلَّتُهُ فَافْهَمْ، وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يَجْعَلُ لَكُمْ فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِهَا، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ اِبْنِ زَيْدٍ يَرْزُقُكُمْ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ عَلَيْهِ أَنَّ اَلضَّمِيرَ لِجَعْلِ اَلْأَزْوَاجِ مِنَ اَلْأَنْعَامِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْ يَخْلُقُكُمْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَيَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ اَلضَّمِيرَ لِلْجَعْلِ اَلْمَفْهُومُ مِنْ (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَمَا فِي اَلْوَجْهِ اَلْأَوَّلِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ اَلذَّرْءَ أَخَصُّ مِنَ اَلْخَلْقِ وَبِهِ صَرَّحَ اِبْنُ عَطِيَّةَ قَالَ: وَلَفْظَةُ ذَرَأَ عَلَى تُزِيدُ عَلَى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ فِي خَلَقَ وَهُوَ تَوَالِي اَلطَّبَقَاتِ عَلَى مَرِّ اَلزَّمَانِ، وَقَالَ اَلْعُتْبِيُّ : ضَمِيرُ فِيهِ لِلْبَطْنِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ اَلْمَذْكُورِ وَالْمُرَادُ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ اَلْإِنَاثِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ مِنَ اَلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ كَمَا تَرَى وَمِثْلُهُ مَا قَبْلَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ نَفْيٌ لِلْمُشَابَهَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ نَفْيُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ يُزَاوِجُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ وَجْهُ اِرْتِبَاطِ هَذِهِ اَلْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا أَوِ اَلْمُرَادُ لَيْسَ مِثْلَهُ تَعَالَى شَيْءٌ فِي اَلشُّئُونِ اَلَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا اَلتَّدْبِيرُ اَلْبَدِيعُ اَلسَّابِقُ فَتَرْتَبِطُ بِمَا قَبْلَهَا أَيْضًا، وَالْمُرَادُ مِنْ مِثْلِهِ ذَاتُهُ تَعَالَى فَلَا فَرْقَ بَيْنَ لَيْسَ كَذَاتِهِ شَيْءٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي اَلْمَعْنَى إِلَّا أَنَّ اَلثَّانِيَ كِنَايَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مُبَالَغَةٍ وَهِيَ أَنَّ اَلْمُمَاثَلَةَ مَنْفِيَّةٌ عَمَّنْ يَكُونُ مِثْلَهُ وَعَلَى صِفَتِهِ فَكَيْفَ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ اَلْمِثْلِ إِذِ اَلْفَرْضُ كَافٍ فِي اَلْمُبَالَغَةِ وَمِثْلُ هَذَا شَائِعٌ فِي كَلَامِ اَلْعَرَبِ نَحْوُ قَوْلِ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ: لَيْسَ كَمِثْلِ اَلْفَتَى زُهَيْرٌ خَلْقٌ يُوَازِيهِ فِي اَلْفَضَائِلِ وَقَوْلِ اَلْآخَرِ: وَقَتْلَى كَمِثْلِ جُذُوعِ اَلنَّخِيلِ تَغْشَاهُمْ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرُ وَقَوْلِ اَلْآخَرِ: سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إِذَا أَبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ مَا أَنْ كَمِثْلِهِمُ فِي اَلنَّاسِ مِنْ أَحَدِ وَقَدْ ذَكَرَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ اَلْعَرَبَ تُقِيمُ اَلْمِثْلَ مَقَامَ اَلنَّفْسِ فَتَقُولُ مِثْلُكَ لَا يَبْخَلُ وَهِيَ تُرِيدُ أَنْتَ لَا تَبْخَلُ أَيْ عَلَى سَبِيلِ اَلْكِنَايَةِ وَقَدْ سَمِعْتَ فَائِدَتَهَا. وَفِي اَلْكَشْفِ أَنَّهَا اَلدَّلَالَةُ عَلَى فَضْلِ إِثْبَاتٍ لِذَلِكَ اَلْحُكْمِ اَلْمَطْلُوبِ وَتَمْكِينِهِ وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَرْضٌ جَامِعٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِذَا قُلْتَ مِثْلُكَ لَا يَبْخَلُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ عَدَمِ اَلْبُخْلِ مَوْجُودٌ بِخِلَافِهِ إِذَا قُلْتَ أَنْتَ لَا تَبْخَلُ. وَالثَّانِي أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ مِنْ جَمَاعَةٍ لَا يَبْخَلُونَ يَكُونُ أَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اَلْبُخْلِ لِأَنَّهُ جُعِلَ مَعْدُودًا مَنْ جُمْلَتِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ قَدْ أَيْفَعَتْ لِدَاتُهُ أَيْ أَتْرَابُهُ وَأَمْثَالُهُ فِي اَلسِّنِّ، وَقَوْلُ رَقِيقَةَ بِنْتِ أَبِي صَيْفِيِّ بْنِ هَاشِمٍ فِي سُقْيَا عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ: أَلَا وَفِيهِمُ اَلطَّيِّبُ اَلطَّاهِرُ لِدَاتُهُ تَعْنِي رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ مِثْلًا بِمَعْنَى اَلصِّفَةِ وَشَيْئًا عِبَارَةٌ عَنْهَا أَيْضًا حَكَاهُ اَلرَّاغِبُ ثُمَّ قَالَ: وَالْمَعْنَى كَصِفَتِهِ تَعَالَى صِفَةٌ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ وُصِفَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يُوصَفُ بِهِ اَلْبَشَرُ فَلَيْسَ تِلْكَ اَلصِّفَاتُ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ حَسْبَ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي اَلْبَشَرِ. وَذَهَبَ اَلطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ مِثْلًا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَالْكَافِ فِي قَوْلِهِ: بِالْأَمْسِ كَانُوا فِي رَخَاءٍ مَأْمُولِ فَأَصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولِ وَقَوْلِ اَلْآخَرِ: أَهْلٌ عَرَفْتُ اَلدَّارَ بِالْغَرِيِّينَ وَصَالِيَاتٍ كَكُمَا يُؤْثَفِينَ وَتَعَقَّبَهُ أَبُو حَيَّانَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ مِثْلًا اِسْمٌ وَالْأَسْمَاءُ لَا تُزَادُ بِخِلَافِ اَلْكَافِ فَإِنَّهَا حَرْفٌ فَتَصْلُحُ لِلزِّيَادَةِ، وَنُسِبَ إِلَى اَلزَّجَّاجِ وَابْنِ جِنِّي وَالْأَكْثَرِينَ اَلْقَوْلُ بِأَنَّ اَلْكَافَ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَرَدَّهُ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ بِأَنَّ اَلْكَافَ تُفِيدُ تَأْكِيدَ اَلتَّشْبِيهِ لَا تَأْكِيدَ اَلنَّفْيِ وَنَفْيُ اَلْمَاثَلَةِ اَلْمُهْمَلَةِ أَبْلَغُ مِنْ نَفْيِ اَلْمُمَاثَلَةِ اَلْمُؤَكَّدَةِ فَلَيْسَتِ اَلْآيَةُ نَظِيرَ شَطْرَيِ اَلْبَيْتَيْنِ، وَيُقَالُ نَحْوُهُ فِيمَا نُقِلَ عَنِ اَلطَّبَرِيِّ وَمَنْ مَعَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ اَلتَّشْبِيهِ إِنْ سَلْبًا فَسَلْبٌ وَإِنَّ إِثْبَاتًا فَإِثْبَاتٌ فَيَنْدَفِعُ مَا أُورِدَ، نَعَمِ اَلْأَوَّلُ هُوَ اَلْوَجْهُ، وَالْمِثْلُ قَالَ اَلرَّاغِبُ: أَعَمُّ اَلْأَلِفَاظِ اَلْمَوْضُوعَةِ لِلْمُشَابَهَةِ وَذَاكَ أَنَّ اَلنِّدَّ يُقَالُ لِمَا يُشَارِكُ فِي اَلْجَوْهَرِ فَقَطْ وَالشِّبْهُ لِمَا يُشَارِكُ فِي اَلْكَيْفِيَّةِ فَقَطْ وَالْمُسَاوِي لِمَا يُشَارِكُ فِي اَلْكَمِّيَّةِ فَقَطْ وَالشَّكْلُ لِمَا يُشَارِكُ فِي اَلْقَدْرِ وَالْمِسَاحَةِ فَقَطْ وَالْمِثْلِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ اَللَّهُ تَعَالَى نَفْيَ اَلشَّبَهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ خَصَّهُ سُبْحَانَهُ بِالذِّكْرِ، وَذَكَرَ اَلْإِمَامُ اَلرَّازِي أَنَّ اَلْمِثْلَيْنِ عِنْدَ اَلْمُتَكَلِّمِينَ هُمَا اَللَّذَانِ يَقُومُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَقَامَ اَلْآخَرِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ وَحَمَلَ اَلْمِثْلَ فِي اَلْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُسَاوِيَ اَللَّهَ تَعَالَى فِي حَقِيقَةِ اَلذَّاتِ شَيْءٌ، وَقَالَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اَلْمَعْنَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ تَعَالَى فِي اَلصِّفَاتِ شَيْءٌ لِأَنَّ اَلْعِبَادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عَالِمِينَ قَادِرِينَ كَمَا أَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِذَلِكَ وَكَذَا يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ مَعَ أَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وَأَطَالَ اَلْكَلَامَ فِي هَذَا اَلْمَقَامِ وَفِي اَلْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَفِي شَرْحِ جَوْهَرَةِ اَلتَّوْحِيدِ أَعْلَمَ أَنَّ قُدَمَاءَ اَلْمُعْتَزِلَةِ كَالْجُبَّائِيِّ. وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ اَلْمُمَاثَلَةَ هِيَ اَلْمُشَارَكَةُ فِي أَخَصِّ صِفَاتِ اَلنَّفْسِ فَمُمَاثِلَةُ زَيْدٍ لِعُمَرَ وَمِثْلًا عِنْدَهُمْ مُشَارَكَتُهُ إِيَّاهُ فِي اَلنَّاطِقِيَّةِ فَقَطْ، وَذَهَبَ اَلْمُحَقِّقُونَ مِنَ اَلْمَاتُرِيدِيَّةِ إِلَى أَنَّ اَلْمُمَاثَلَةَ هِيَ اَلِاشْتِرَاكُ فِي اَلصِّفَاتِ اَلنَّفْسِيَّةِ كَالْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّاطِقِيَّةِ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَمِنْ لَازِمِ اَلِاشْتِرَاكِ فِي اَلصِّفَةِ اَلنَّفْسِيَّةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا اَلِاشْتِرَاكُ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ. وَثَانِيهِمَا أَنْ يَسُدَّ كُلٌّ مِنْهُمَا مَسَدَّ اَلْآخَرِ وَالْمُتَمَاثِلَانِ وَإِنِ اِشْتَرَكَا فِي اَلصِّفَاتِ اَلنَّفْسِيَّةِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ اِخْتِلَافِهِمَا بِجِهَةٍ أُخْرَى لِيَتَحَقَّقَ اَلتَّعَدُّدُ وَالتَّمَايُزُ فَيَصِحُّ اَلتَّمَاثُلُ، وَنُسِبَ إِلَى اَلْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اَلتَّمَاثُلِ اَلتَّسَاوِيَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا تَعَدُّدَ حِينَئِذٍ فَلَا تَمَاثُلَ، وَبِأَنَّ أَهْلَ اَللُّغَةِ مُطْبِقُونَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا: زَيْدٌ مِثْلُ عَمْرٍو فِي اَلْفِقْهِ إِذَا كَانَ يُسَاوِيهِ فِيهِ وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ وَإِنِ اِخْتَلَفَ فِي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأَوْصَافِ، وَفِي اَلْحَدِيثِ (اَلْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ) وَأُرِيدَ بِهِ اَلِاسْتِوَاءُ فِي اَلْكَيْلِ دُونَ اَلْوَزْنِ وَعَدَدِ اَلْحَبَّاتِ وَأَوْصَافِهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْلَبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ اَلتَّسَاوِي فِي اَلْوَجْهِ اَلَّذِي بِهِ اَلتَّمَاثُلُ حَتَّى أَنَّ زَيْدًا وَعَمْرًا لَوِ اِشْتَرَكَا فِي اَلْفِقْهِ وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُسَاوَاةٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَنُوبُ أَحَدُهُمَا مَنَابَ اَلْآخَرِ صَحَّ اَلْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا مِثْلَانِ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا يُخَالِفُ مَذْهَبُ اَلْمَاتُرِيدِيَّةِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ لَهُ سُبْحَانَهُ مُمَاثِلٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ فَلَا يَسُدُّ مَسَدَّ ذَاتِهِ تَعَالَى ذَاتٌ وَلَا مَسَدَّ صِفَتِهِ جَلَّتْ صِفَتُهُ صِفَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ اَلصِّفَةُ اَلْحَقِيقِيَّةُ اَلْوُجُودِيَّةُ، وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ اَلْإِمَامِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اَلْمَعْنَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ تَعَالَى فِي اَلصِّفَاتِ شَيْءٌ لِأَنَّ اَلْعِبَادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عَالِمِينَ قَادِرِينَ كَمَا أَنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يُوصَفُ بِذَلِكَ فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ سُبْحَانَهُ صِفَةٌ، وَمِنَ اَلْمَعْلُومِ اَلْبَيِّنِ أَنَّ عِلْمَ اَلْعِبَادِ وَقُدْرَتَهُمْ لَيْسَا مِثْلَ عِلْمِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقُدْرَتِهِ جَلَّ وَعَلَا أَيْ لَيْسَا سَادَّيْنِ مَسَدَّهُمَا. وَأَمَّا كَوْنُهُ تَعَالَى مَذْكُورًا وَنَحْوَهُ فَهُوَ لَيْسَ مِنَ اَلصِّفَاتِ اَلْمُعْتَبَرَةِ اَلْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ تَعَالَى كَمَا لَا يَخْفَى، وَزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ أَنَّ اَلْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ اَلْآيَةِ بَيَانُ أَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ اَلشَّيْءِ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مَعْنَاهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ سُبْحَانَهُ مُسَمًّى بِاسْمِ اَلشَّيْءِ فَلَمْ يَجْعَلِ اَلْمِثْلَ كِنَايَةً عَنِ اَلذَّاتِ عَلَى مَا سَمِعْتَ وَلَا حَكَمَ بِزِيَادَتِهِ وَلَا بِزِيَادَةِ اَلْكَافِ وَمَعَ هَذَا وَإِغْمَاضِ اَلْعَيْنِ عَمَّا فِي كَلَامِهِ لَا يَتِمُّ لَهُ مَقْصُودٌ إِذْ لَنَا أَنْ نَجْعَلَ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ نَفْيًا لِلْمِثْلِ عَلَى سَبِيلِ اَلْكِنَايَةِ أَيْضًا لَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ نَفْيٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْيِ لَازِمِهِ لِأَنَّ نَفْيَ اَللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اَلْمَلْزُومِ كَمَا يُقَالُ: لَيْسَ لِأَخِي زَيْدٍ أَخٌ فَأَخُو زَيْدٍ مَلْزُومٌ وَالْأَخُ لَازِمُهُ لَا بُدَّ لِأَخِي زَيْدٍ مِنْ أَخٍ هُوَ زَيْدٌ فَنَفَيْتَ هَذَا اَللَّازِمَ وَالْمُرَادُ نَفْيُ مَلْزُومِهِ أَيْ لَيْسَ لِزَيْدٍ أَخٌ إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ لَكَانَ لِذَلِكَ اَلْأَخِ أَخٌ هُوَ زَيْدٌ فَكَذَا نَفَيْتَ أَنْ يَكُونَ لِمِثْلِ اَللَّهِ تَعَالَى مِثْلٌ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ مِثْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ لَكَانَ هُوَ مِثْلٌ إِذِ اَلتَّقْدِيرُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَمُغَايَرَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَبْنَاهُ إِثْبَاتُ اَللُّزُومِ بَيْنَ وُجُودِ اَلْمِثْلِ وَوُجُودِ مِثْلٍ لِيَكُونَ نَفْيُ اَللَّازِمِ كِنَايَةً عَنْ نَفْيِ اَلْمَلْزُومِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ وَالْتِفَاتٍ إِلَى أَنَّ حُكْمَ اَلْأَمْثَالِ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يَجْرِي فِي اَلنَّفْيِ دُونَ اَلْإِثْبَاتِ فَإِنَّ نَفْيَ اَللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اَلْمَلْزُومِ دُونَ اَلْعَكْسِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ مَبْنَاهُ أَنَّ حُكْمَ اَلْمُتَمَاثِلَيْنِ وَاحِدٌ وَإِلَّا لَمْ يَكُونَا مُتَمَاثِلَيْنِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ اَللُّزُومِ بَيْنَ وُجُودِ اَلْمِثْلِ وَمِثْلِ اَلْمِثْلِ وَإِنَّهُ يَجْرِي فِي اَلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ اَلْأَمْثِلَةِ وَلَيْسَ ذَاكَ مِنَ اَلْمَذْهَبِ اَلْكَلَامِيِّ فِي شَيْءٍ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ إِيرَادُ اَلْحُجَّةِ وَلَيْسَ فِي اَلْآيَةِ إِشْعَارٌ بِهَا فَضْلًا عَنِ اَلْإِيرَادِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ اَلْحُجَّةُ قِيَاسًا اِسْتِثْنَائِيًّا اُسْتُثْنِيَ فِيهِ نَقِيضُ اَلتَّالِي هَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ سُبْحَانَهُ مِثْلٌ لَكَانَ هُوَ جَلَّ شَأْنُهُ مِثْلَ مِثْلِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِثْلًا لِمِثْلِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ بُطْلَانِ اَلتَّالِي حَتَّى تَتِمَّ اَلْحُجَّةُ إِذْ لَيْسَ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ بَلْ وُجُودُ اَلْمِثْلِ وَوُجُودُ مِثْلِ اَلْمِثْلِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي اَلْعِلْمِ وَالْجَهْلِ لَا يَجُوزُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا دَلِيلًا عَلَى اَلْآخَرِ، لَكِنْ قِيلَ: إِنَّ اَلْمَفْهُومَ مِنْ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ عَلَى ذَلِكَ اَلتَّقْدِيرِ نَفْيُ أَنْ يَكُونَ مِثْلٌ لِمِثْلِهِ سِوَاهُ تَعَالَى بِقَرِينَةِ اَلْإِضَافَةِ كَمَا أَنَّ اَلْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِ اَلْمُتَكَلِّمِ: إِنْ دَخَلَ دَارِي أَحَدٌ فَكَذَا غَيْرُ اَلْمُتَكَلِّمِ، وَأَيْضًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَهُ سُبْحَانَهُ مِثْلٌ لَكَانَ هُوَ جَلَّ وَعَلَا مِثْلَ مِثْلِهِ لَأَنَّ وُجُودَ مِثْلِهِ سُبْحَانَهُ مُحَالٌ وَالْمُحَالُ جَازَ أَنْ يَسْتَلْزِمَ اَلْمُحَالَ. وَأُجِيبَ عَنِ اَلْأَوَّلِ أَنَّ اِسْمَ لَيْسَ (شَيْءٌ) وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ اَلنَّفْيِ فَتَعُمُّ اَلْآيَةُ نَفْيَ شَيْءٍ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ اَلْمِثْلِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَيْءٌ مِثْلٌ لِمِثْلِهِ، وَالْإِضَافَةُ لَا تَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَنْ عُمُومِ شَيْءٍ بِخِلَافِ اَلْمِثَالِ اَلْمَذْكُورِ فَإِنَّ اَلْقَرِينَةَ اَلْعَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى تَخْصِيصِ أَحَدٍ بِغَيْرِ اَلْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ اَلْمَنْعُ عَنْ دُخُولِ اَلْغَيْرِ، وَعَنِ اَلثَّانِي أَنَّ وُجُودَ اَلْمِثْلِ لِشَيْءٍ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ اَلْمِثْلَ مَعَ قَطْعِ اَلنَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ ذَلِكَ اَلشَّيْءِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فَالْمَنْعُ بِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ لِذَاتِهِ تَعَالَى مِثْلٌ وَلَا يَكُونُ هُوَ سُبْحَانَهُ مِثْلًا لِمِثْلِهِ مُكَابَرَةً، ثُمَّ إِنَّ هَذَا اَلْوَجْهَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ اَلْقِيلِ وَالْقَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ اَلْأَوْجُهِ اَلسَّابِقَةِ لَمْ نَذْكُرْهُ عِنْدَ ذِكْرِهَا وَهُوَ عَلَى عِلَّاتِهِ أَحْسَنُ مِنَ اَلْقَوْلِ بِالزِّيَادَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ السَّمِيعُ اَلْمُدْرِكَ إِدْرَاكًا تَامًّا لَا عَلَى طَرِيقِ اَلتَّخَيُّلِ وَالتَّوَهُّمِ لِجَمِيعِ اَلْمَسْمُوعَاتِ وَلَا عَلَى طَرِيقِ تَأَثُّرِ حَاسَّةٍ وَلَا وُصُولِ هَوَاءٍ الْبَصِيرُ اَلْمُدْرِكُ إِدْرَاكًا تَامًّا لِجَمِيعِ اَلْمُبْصَرَاتِ أَوِ اَلْمَوْجُودَاتِ لَا عَلَى سَبِيلِ اَلتَّخَيُّلِ وَالتَّوَهُّمِ وَلَا عَلَى طَرِيقِ تَأَثُّرِ حَاسَّةٍ وَلَا وُصُولِ شُعَاعٍ فَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ صِفَتَانِ غَيْرُ اَلْعِلْمِ عَلَى مَا هُوَ اَلظَّاهِرُ وَأَرْجَعَهُمَا بَعْضُهُمْ إِلَى صِفَةِ اَلْعِلْمِ، وَتَمَامُ اَلْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي اَلْكَلَامِ، وَقَدَّمَ سُبْحَانَهُ نَفْيَ اَلْمِثْلِ عَلَى إِثْبَاتِ اَلسَّمْعِ وَالْبَصَرِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ فِي نَفْسِهِ وَبِالنَّظَرِ إِلَى اَلْمَقَامِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية