الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَالَ بَدَلٌ مِنْ أَنَابَ وَتَفْسِيرٌ لَهُ عَلَى مَا فِي إِرْشَادِ الْعَقْلِ السَّلِيمِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَشَأَ مِنْ حِكَايَةِ مَا تَقَدَّمَ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ كَانَ لَهُ حَالٌ لَا يَضُرُّ مَعَهُ مَسْحُ الْخَيْلِ سُوقِهَا وَأَعْنَاقِهَا، وَهَلْ كَانَ بِحَيْثُ تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ فِتْنَتَهُ؟ فَأُجِيبَ بِمَا أُجِيبَ، وَحَاصِلُهُ نَعَمْ، كَانَ لَهُ حَالٌ لَا يَضُرُّ مَعَهُ الْمَسْحُ، وَكَانَ بِحَيْثُ تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ فِتْنَتَهُ، فَقَدْ دَعَا بِمُلْكٍ عَظِيمٍ فَوُهِبَ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَرَّرَ الِاسْتِئْنَافُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا نَحْوِيًّا لِحِكَايَةِ شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَتَأَمَّلْ رَبِّ اغْفِرْ لِي مَا لَمْ أَسْتَحْسِنْ صُدُورَهُ عَنِّي. وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَيْ لَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ غَيْرِي لِعَظَمَتِهِ، فَبَعْدُ هُنَا نَظِيرُ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَيْ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ فِي عَصْرِهِ، وَالْمُرَادُ وَصْفُ الْمُلْكِ بِالْعَظَمَةِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ كَقَوْلِكَ: لِفُلَانٍ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْفَضْلِ وَالْمَالِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي النَّاسِ أَمْثَالُهُ، تُرِيدُ أَنَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا عَظِيمًا، لَا أَنْ لَا يُعْطَى أَحَدٌ مِثْلَهُ، لِيَكُونَ مُنَافَسَةً، وَمَا أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ، وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا جَعَلَ يَتَفَلَّتُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمْكَنَنِي مِنْهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا، فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى خَاسِئًا". لَا يُنَافِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَرَادَ كَمَالَ رِعَايَةِ دَعْوَةِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِتَرْكِ شَيْءٍ تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ، وَإِلَّا فَالْمُلْكُ الْعَظِيمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَبْطِ عِفْرِيتٍ إِلَى سَارِيَةٍ، بَلْ هُوَ سَائِرُ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - الْآتِي: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ إِلَخْ، وَقِيلَ: إِنَّ عَدَمَ الْمُنَافَاةِ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تُجَامِعُ إِرَادَةَ الْحَقِيقَةِ، كَمَا تُجَامِعُ إِرَادَةَ عَدَمِهَا، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَامَةً عَلَى قَبُولِ سُؤَالِهِ الْمَغْفِرَةَ، وَجَبْرِ قَلْبٍ عَمَّا فَاتَهُ بِتَرْكِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَوْ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى تَكْثِيرِ طَاعَتِهِ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَنِعْمَةُ الدُّنْيَا الصَّالِحَةُ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، إِذَا قُلْنَا بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ النَّظْمِ الْجَلِيلِ مِنْ صُدُورِ الطَّلَبَيْنِ مَعًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : كَانَ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَاشِئًا فِي بَيْتِ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ وَوَارِثًا لَهُمَا، فَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مُعْجِزَةً فَطَلَبَ عَلَى حَسَبِ إِلْفِهِ مُلْكًا زَائِدًا عَلَى الْمَمَالِكِ زِيَادَةً خَارِقَةً لِلْعَادَةِ بَالِغَةً حَدَّ الْإِعْجَازِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِ قَاهِرًا لِلْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ، وَلَنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً حَتَّى تَخْرُقَ الْعَادَاتِ فَذَلِكَ مَعْنَى لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَقَوْلُهُ: (مِنْ بَعْدِي) بِمَعْنَى مِنْ دُونِي وَغَيْرِي، كَمَا فِي الْوَجْهِ السَّابِقِ، وَحُسْنُ طَلَبِ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْإِلْفِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ زَمَنَ الْجَبَّارِينَ، وَتَفَاخُرِهِمْ بِالْمُلْكِ، وَمُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ مِنْ جِنْسِ مَا اشْتُهِرَ فِي عَصْرِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا اشْتُهِرَ السِّحْرُ وَغَلَبَ فِي عَهْدِ الْكَلِيمِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَاءَهُمْ بِمَا يَتَلَقَّفُ مَا أَتَوْا بِهِ. وَلَمَّا اشْتُهِرَ الطِّبُّ فِي عَهْدِ الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَاءَهُمْ بِإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَلَمَّا اشْتُهِرَ فِي عَهْدِ خَاتَمِ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَصَاحَةُ أَتَاهُمْ بِكَلَامٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَقْصَرِ فَصْلٍ مِنْ فُصُولِهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ اللَّائِقَ بِطَلَبِ الْمُعْجِزَةِ أَنْ يَكُونَ فِي ابْتِدَاءِ النُّبُوَّةِ، وَظَاهِرُ النَّظْمِ الْجَلِيلِ أَنَّ هَذَا الطَّلَبَ كَانَ بَعْدَ الْفِتْنَةِ وَالْإِنَابَةِ، كَيْفَ لَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ إِلَخْ، بَدَلٌ مِنْ أَنَابَ وَتَفْسِيرٌ لَهُ، وَالْفِتْنَةُ لَمْ تَكُنْ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ النَّظْمُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّائِقَ بِطَلَبِ الْمُعْجِزَةِ كَوْنُهَا فِي ابْتِدَاءِ النُّبُوَّةِ، وَإِنْ سُلِّمَ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُنَافِي وُقُوعَهُ، وَكَذَا وُقُوعُ الْفِتْنَةِ فِي ابْتِدَائِهَا، لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي إِلَخْ، لَيْسَ تَفْسِيرًا لِأَنَابَ. وَأُجِيبَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفِتْنَةَ كَانَتْ سَلْبَ الْمُلْكِ بِأَنَّ رُجُوعَهُ بَعْدُ كَالِابْتِدَاءِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الذَّاهِبِينَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَقَامَ فِي مُلْكِهِ قَبْلَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَأَقَامَ بَعْدَهَا عِشْرِينَ سَنَةً أَيْضًا، وَقَالُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ مَصَبَّ الدُّعَاءِ الْوَصْفُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْرِي مِمَّنْ هُوَ فِي عَصْرِي بِأَنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي كَهَذِهِ السُّلْبَةِ. وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَقَتَادَةَ ، وَحَاصِلُهُ الدُّعَاءُ بِعَدَمِ سَلْبِ مُلْكِهِ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ، وَيُفْهَمُ مِمَّا فِي سِيَاقِ التَّفْرِيعِ إِجَابَةُ سُؤَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَنَّ مَا وُهِبَ لَهُ لَا يُسْلَبُ عَنْهُ بَعْدُ. وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ هَذَا دُعَاءً بِعَدَمِ السَّلْبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ سَلْبٌ، وَدَوَامُ نِعْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِمَّا يَحْسُنُ الدُّعَاءُ بِهِ، وَالْآثَارُ مَلْأَى مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِنَاؤُهُ عَلَى تَفْسِيرِ الْفِتْنَةِ بِسَلْبِ الْمُلْكِ عَلَى مَا حُكِيَ سَابِقًا. وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ : إِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَلَبَ مُلْكًا لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ أَبَدًا، وَلَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الْإِذْنِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - لَا يَطْلُبُونَ إِلَّا مَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي طَلَبِهِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ إِنْ سَأَلَ ذَلِكَ كَانَ أَصْلَحَ لَهُ فِي الدِّينِ، وَأَعْلَمَهُ أَنْ لَا صَلَاحَ لِغَيْرِهِ فِيهِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَكْثَرَ أَهْلِ زَمَانِي مَالًا إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِي، فَإِنَّهُ حَسَنٌ لَا يُنْسَبُ قَائِلُهُ إِلَى شُحٍّ اهـ. قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَيْهِ: هَبْ لِي مُلْكًا يَنْبَغِي لِي حِكْمَةً وَلَا يَنْبَغِي حِكْمَةً لِأَحَدٍ غَيْرِي، وَأَرَادَ بِذَلِكَ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَأَهِّلًا لِنِعَمِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَهُوَ كَمَا تَرَى. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَمِنْ أَعْجَبِ مَا رَأَيْتُ مَا قَالَهُ السَّيِّدُ الْمُرْتَضَى: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا سَأَلَ مُلْكَ الْآخِرَةِ وَثَوَابَ الْجَنَّةِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي لَا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ لِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مِمَّا لَا يَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ، وَالتَّفْرِيعُ الْآتِي آبٍ عَنْهُ كُلَّ الْإِبَاءِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْآيَةِ عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا عَلَى تَكْفِيرِ مَنِ ادَّعَى اسْتِخْدَامَ الْجِنِّ وَطَاعَتَهُمْ لَهُ، وَأُيِّدَ ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَالْحَقُّ أَنَّ اسْتِخْدَامَ الْجِنِّ الثَّابِتَ لِسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَكُنْ بِوَاسِطَةِ أَسْمَاءٍ وَرِيَاضَاتٍ، بَلْ هُوَ تَسْخِيرٌ إِلَهِيٌّ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ شَيْءٍ، وَكَانَ أَيْضًا عَلَى وَجْهٍ أَتَمَّ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُلْكِ الَّذِي اسْتَوْهَبَهُ، فَالْمُخْتَصُّ عَلَى تَقْدِيرِ إِفَادَةِ الْآيَةِ الِاخْتِصَاصَ مَجْمُوعُ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَخَّرْنَا إِلَخْ، فَالظَّاهِرُ عَدَمُ إِكْفَارِ مَنْ يَدَّعِي اسْتِخْدَامَ شَيْءٍ مِنَ الْجِنِّ، وَنَحْنُ قَدْ شَاهَدْنَا مِرَارًا مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ، وَشَاهَدْنَا آثَارَ صِدْقِ دَعْوَاهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا سُوفِسْطَائِيٌّ أَوْ مُكَابِرٌ. وَمِنَ الِاتِّفَاقِيَّاتِ الْغَرِيبَةِ أَنِّي اجْتَمَعْتُ يَوْمَ تَفْسِيرِي لِهَذِهِ الْآيَةِ بِرَجُلٍ مَوْصِلِيٍّ يَدَّعِي ذَلِكَ، وَامْتَحَنْتُهُ بِمَا يُصَدِّقُ دَعْوَاهُ فِي مَحْفِلٍ عَظِيمٍ، فَفَعَلَ، وَأَتَى بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ، وَكَانَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى نَفْيِ احْتِمَالِ الشَّعْبَذَةِ وَنَحْوِهَا ظَاهِرَةً لِذَوِي الْأَلْبَابِ، إِلَّا أَنَّ لِي إِشْكَالًا فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَهُوَ أَنَّ الْخَادِمَ الْجِنِّيَّ قَدْ يُحْضِرُ الشَّيْءَ الْكَثِيفَ مِنْ نَحْوِ صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ بَيْنَ جَمْعٍ فِي حُجْرَةٍ أُغْلِقَتْ أَبْوَابُهَا، وَسُدَّتْ مَنَافِذُهَا، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَحَدٌ، وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ الْجِنِّيَّ لَطِيفٌ، فَكَيْفَ سَتَرَ الْكَثِيفَ فَلَمْ يَرَ فِي الطَّرِيقِ، وَكَيْفَ أَخْرَجَهُ مِنَ الصُّنْدُوقِ، وَأَدْخَلَهُ الْحُجْرَةَ، وَقَدْ سُدِّدَتِ الْمَنَافِذُ، وَتُلَطِّفُ الْكَثِيفَ ثُمَّ تُكَثِّفُهُ بَعْدُ مِمَّا لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا كَثِيفٌ أَوْ سَخِيفٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَوْنُ الْإِحْضَارِ الْمَذْكُورِ عَلَى نَحْوِ إِحْضَارِ عَرْشِ بِلْقِيسَ بِالْإِعْدَامِ وَالْإِيجَادِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّيْخُ الْأَكْبَرُ ، أَوْ بِوَجْهٍ آخَرَ كَمَا يَقُولُ غَيْرُهُ، وَلَعَلَّ الشَّرْعَ أَيْضًا يَأْبَى هَذَا، وَسُرْعَةُ الْمُرُورِ إِنْ نَفَعَتْ، فَفِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ فِي الطَّرِيقِ، وَقُصَارَى مَا يُقَالُ لَعَلَّ لِلْجِنِّيِّ سِحْرًا أَوْ نَحْوَهُ سَلَبَ بِهِ الْإِحْسَاسَ، فَتَصَرَّفَ بِالصُّنْدُوقِ، وَمَنَافِذِ الْحُجْرَةِ حَسْبَمَا أَرَادَ، وَأَتَى بِالْكَثِيفِ يَحْمِلُهُ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ تَمَّ هَذَا فَبِهَا، وَإِلَّا فَالْأَمْرُ مُشْكِلٌ، وَظَاهِرُ جَعْلِ جُمْلَةِ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي تَفْسِيرًا لِلْإِنَابَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ لَا وَسِيلَةٌ لِلِاسْتِيهَابِ، وَفِي كَوْنِ الِاسْتِيهَابِ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ أَيْضًا احْتِمَالَانِ. وَتَقْدِيمُ الِاسْتِغْفَارِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِمَا مَقْصُودَيْنِ بِالذَّاتِ لِمَزِيدِ اهْتِمَامِهِ بِأَمْرِ الدِّينِ، وَقَدْ يُجْعَلُ مَعَ هَذَا وَسِيلَةً لِلِاسْتِيهَابِ الْمَقْصُودِ أَيْضًا، فَإِنَّ افْتِتَاحَ الدُّعَاءِ بِنَحْوِ ذَلِكَ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ، وَجُوِّزَ عَلَى بُعْدٍ بَعْدَ الْتِزَامِ الِاسْتِئْنَافِ فِي الْجُمْلَةِ كَوْنُ الِاسْتِيهَابِ هُوَ الْمَقْصُودُ لِذَاتِهِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَسِيلَةً لَهُ، وَسَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا قِيلَ فِي الِاسْتِئْنَاسِ لَهُ. وَقُرِئَ: "مِنْ بَعْدِيَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَحُكِيَ الْقِرَاءَةُ بِهِ فِي لِي، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تَعْلِيلٌ لِلدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْهِبَةِ مَعًا لَا لِلدُّعَاءِ بِالْأَخِيرَةِ فَقَطْ، فَإِنَّ الْمَغْفِرَةَ أَيْضًا مِنْ أَحْكَامِ وَصْفِ الْوَهَّابِيَّةِ قَطْعًا، وَمَنْ جَوَّزَ كَوْنَ الِاسْتِيهَابِ هُوَ الْمَقْصُودُ اسْتَأْنَسَ لَهُ بِهَذَا التَّعْلِيلِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ لِلدُّعَاءِ بِالْأَخِيرَةِ فَقَطْ، وَكَذَا بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ بِالْأَوْلَى، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية