الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا بَيَانٌ لِبُطْلَانِ دِينِهِمْ وَشَرِّيَّتِهِ فِي نَفْسِهِ بَعْدَ بَيَانِ شَرِّيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ، أَيْ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ تَعَالَى إِلَّا أَوْثَانًا هِيَ فِي نَفْسِهَا تَمَاثِيلُ مَصْنُوعَةٌ لَكُمْ لَيْسَ فِيهَا وَصْفٌ غَيْرُ ذَلِكَ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا أَيْ وَتَكْذِبُونَ كَذِبًا حَيْثُ تُسَمُّونَهَا آلِهَةً وَتَدَّعُونَ أَنَّهَا شُفَعَاؤُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْ تَعْمَلُونَهَا وَتَنْحِتُونَهَا لِلْإِفْكِ وَالْكَذِبِ، وَاللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ وَإِلَّا فَهُمْ لَمْ يَعْمَلُوهَا لِأَجْلِ الْكَذِبِ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّهَكُّمِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ: الْأَظْهَرُ كَوْنُ إِفْكًا مَفْعُولًا بِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْأَوْثَانِ وَجَعْلُهَا كَذِبًا مُبَالَغَةٌ، أَوِ الْإِفْكُ بِمَعْنَى الْمَأْفُوكِ وَهُوَ الْمَصْرُوفُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْأَوْثَانِ لِأَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ وَهُمْ يَجْعَلُونَهَا صَانِعًا. وَقَرَأَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ وَالسُّلَمِيُّ وَعَوْنٌ الْعَقِيلِيُّ وَعُبَادَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا « (تَخَلَّقُونَ) » بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْخَاءِ وَاللَّامِ مُشَدَّدَةً، قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ : وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَصْلُهُ تَتَخَلَّقُونَ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَهُوَ مِنْ تَخَلَّقَ بِمَعْنَى تَكْذِبُ وَصِيغَةُ التَّكَلُّفِ لِلْمُبَالَغَةِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ أَنْ يَكُونَ تَفَعَّلَ بِمَعْنَى فَعَلَ، وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَيْضًا «تُخَلِّقُونَ» مَنْ خَلَّقَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْخَلْقِ بِمَعْنَى الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ، وَقَرَأَابْنُ الزُّبَيْرِ وَفُضَيْلُ بْنُ زُرْقَانَ «أَفِكًا» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ كَالْكَذِبِ وَاللَّعِبِ أَوْ وَصْفٌ كَالْحَذَرِ وَقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أَيْ خَلْقًا أَفِكًا أَيْ ذَا أَفَكٍ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا بَيَانٌ لِشَرِّيَّةِ مَا يَعْبُدُونَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَكَادُ يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، وَرِزْقًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَفْعُولًا بِهِ لِيَمْلِكُونَ، وَالْمَعْنَى لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرْزُقُوكُمْ شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَرْزُوقِ أَيْ لَا يَسْتَطِيعُونَ، إِيتَاءَ شَيْءٍ مِنِ الرِّزْقِ وَجُوِّزَ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِيَمْلِكُونَ مِنْ مَعْنَاهُ وَلِمَحْذُوفٍ وَالْأَصْلُ لَا يَمْلِكُونَ أَنْ يَرْزُقُوكُمْ رِزْقًا وَهُوَ كَمَا تَرَى وَنُكِّرَ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَجِلَّةِ: لِلتَّحْقِيرِ وَالتَّقْلِيلِ مُبَالَغَةً فِي النَّفْيِ، وَخَصَّ الرِّزْقَ لِمَكَانَتِهِ مِنَ الْخَلْقِ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ أَيْ كُلَّهُ عَلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الرِّزْقِ لِلِاسْتِغْرَاقِ. قَالَ الطَّيِّبِيُّ: هَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَيْسَتِ الْمَعْرِفَةُ الْمُعَادَةُ عَيْنَ الْأَوَّلِ فِيهَا، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ عَيْنَ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسْتَغْرَقٌ وَاعْبُدُوهُ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ وَاشْكُرُوا لَهُ عَلَى نَعْمَائِهِ مُتَوَسِّلِينَ إِلَى مَطَالِبِكُمْ بِعِبَادَتِهِ مُقَيَّدِينَ بِشُكْرِهِ تَعَالَى لِلْعَتِيدِ وَمُسْتَجْلِبِينَ بِهِ لِلْمَزِيدِ، فَالْجُمْلَتَانِ نَاظِرَتَانِ لِمَا قَبْلَهُمَا، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَا نَاظِرَتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ كَأَنَّهُ قِيلَ: اسْتَعِدُّوا لِلِقَائِهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ وَالشُّكْرِ فَإِنَّهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَجَوَّزَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ مَا سَبَقَ مِمَّا حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ لِأَوَّلِهِ، وَالْمَعْنَى إِلَيْهِ تَعَالَى لَا إِلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ تُرْجَعُونَ بِالْمَوْتِ ثُمَّ بِالْبَعْثِ فَافْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ لِتَقْرِيرِ الشَّرِّيَّةِ كَمَا سَمِعْتَ. وَقُرِئَ «تَرْجِعُونَ» بِفَتْحِ التَّاءِ مِنْ رَجَعَ رُجُوعًا

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية