الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ أَيْ يُوجِدُهُ مُبْتَدِئًا لَهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ يُكَرِّرُ إِيجَادَهُ وَيُرْجِعُهُ كَمَا كَانَ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِهْلَاكِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تُعْقَلُ إِلَّا بَعْدَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا مَا يَكُونُ مِنَ الْإِعَادَةِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأَلْ فِي الْخَلْقِ لَيْسَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِأَنَّ مِنْهُ مَا لَا يُعَادُ بِالْإِجْمَاعِ، وَمِنْهُ مَا فِي إِعَادَتِهِ خِلَافٌ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مَحَلِّهِ. وَاسْتَشْكَلَ الْحَمْلُ عَلَى الْإِعَادَةِ بِالْبَعْثِ بِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأَكْثَرُهُمْ مُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْمَلُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَيُخَاطَبُونَ بِهِ خِطَابَ الْمُعْتَرِفِ؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّ تِلْكَ الْإِعَادَةَ لِوُضُوحِ بَرَاهِينِهَا جُعِلُوا كَأَنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِهَا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ مَعْرِفَتِهَا فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي الْإِنْكَارِ وَقِيلَ: إِنَّ مِنْهُمْ مَنِ اعْتَرَفَ بِهَا، وَالْكَلَامُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ بِذَاكَ، وَأَمَّا تَجْوِيزُ كَوْنِ أَلْ لِلْجِنْسِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَدْءِ وَالْإِعَادَةِ مَا يُشَاهَدُ فِي عَالَمِ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ مِنْ إِنْشَاءِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَإِهْلَاكِهَا، ثُمَّ إِنْشَاءِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْكِرُهُ الْمُشْرِكُونَ الْمُنْكِرُونَ لِلْإِعَادَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَيْ بِأَسْبَابٍ سَمَاوِيَّةٍ وَأَرْضِيَّةٍ قَدْ رَتَّبَهَا عَلَى تَرْتِيبٍ بَدِيعٍ تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ الَّتِي عَلَيْهَا بَنَى أَمْرَ التَّكْوِينِ أَإِلَهٌ آخَرُ مَوْجُودٌ مَعَ اللَّهِ حَتَّى يُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْعِبَادَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ أَمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِتَبْكِيتِهِمْ إِثْرَ تَبْكِيتٍ أَيْ هَاتُوا بُرْهَانًا عَقْلِيًّا أَوْ نَقْلِيًّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعَهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَهًا، وَقِيلَ: أَيْ هَاتُوا بُرْهَانًا عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ تَعَالَى يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ أَفْعَالِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَدَّعُونَ ذَلِكَ صَرِيحًا وَلَا يَلْتَزِمُونَ كَوْنَهُ مِنْ لَوَازِمِ الْأُلُوهِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا فِي الْحَقِيقَةِ فَمُطَالَبَتُهُمْ بِالْبُرْهَانِ عَلَيْهِ لَا عَلَى صَرِيحِ دَعْوَاهُمْ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، وَفِي إِضَافَةِ الْبُرْهَانِ إِلَى ضَمِيرِهِمْ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِمَا فِيهَا مِنْ إِيهَامِ أَنَّ لَهُمْ بُرْهَانًا وَأَنَّى لَهُمْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ الْإِضَافَةَ لِزِيَادَةِ التَّبْكِيتِ كَأَنَّهُ قِيلَ: نَحْنُ نَقْنَعُ مِنْكُمْ بِمَا تَعُدُّونَهُ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْخُصُومُ بُرْهَانًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ نَعُدَّهُ نَحْنُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ كَذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا أَنْتُمْ عَاجِزُونَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَيْ فِي تِلْكَ الدَّعْوَى، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَى لَا تُقْبَلُ مَا لَمْ تُنَوَّرْ بِالْبُرْهَانِ. هَذَا وَفِي الْكَشْفِ أَنَّ مَبْنَى هَذِهِ الْآيَاتِ التَّرَقِّي لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إِثْبَاتِ أَنْ لَا خَيْرِيَّةَ فِي الْأَصْنَامِ مَعَ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ مِنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَأَجْمَلَ أَوَّلًا بِذِكْرِ اسْمِهِ سُبْحَانَهُ الْجَامِعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: آللَّهُ ثُمَّ أَخَذَ فِي الْمُفَصَّلِ فَجَعَلَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَمْهِيدًا لِإِنْزَالِ الْمَاءِ وَإِنْبَاتِ الْحَدَائِقِ لَا بَلْ لِلْأَخِيرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ الِالْتِفَاتُ هُنَالِكَ وَالتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا كَأَنَّهُ يَذْكُرُ سُبْحَانَهُ مَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ الْكَثِيرَةِ لَوْنًا وَطَعْمًا وَرَائِحَةً وَاسْتِرْوَاحَ ظِلٍّ. وَلَمَّا أَثْبَتَ أَنَّهُ فِعْلُهُ الْخَاصُّ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ وَجَعَلَهُمْ عَادِلِينَ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ أَوْ عَادِلِينَ بِهِ سُبْحَانَهُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، ثُمَّ تَرْقَى مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ لَهُمْ خَيْرًا وَأَظْهَرُ فِي نَفْعِهِمْ مِنْ جَعْلِ الْأَرْضِ قَرَارًا وَمَا عَقِبَهُ، فَذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا مَا لَا يَتِمُّ الْإِنْبَاتُ الْمَذْكُورُ إِلَّا بِهِ مَعَ مَنَافِعَ يَتَصَاغَرُ لَدَيْهَا مَنْفَعَةُ الْإِنْبَاتِ، وَعَقَّبَهُ بِجَهْلِهِمُ الْمُطْلَقِ الْمُنْتِجِ لِلْعُدُولِ الْمَذْكُورِ، وَأَسْوَأَ مِنْهُ وَأَسْوَأَ، ثُمَّ بَالَغَ فِي التَّرَقِّي فَذَكَرَ مَا هُوَ لَصِيقٌ بِهِمْ دُونَ وَاسِطَةٍ مِنْ دَفْعٍ أَوْ نَفْعٍ فَخَصَّ إِجَابَتَهُمْ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ، وَعَمَّ بِكَشْفِ السُّوءِ وَالْمَضَارِّ، هَذَا فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى دَفْعِ الْمَحْذُورِ وَإِقَامَتِهِمْ خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ يَنْتَفِعُونَ بِهَا وَبِمَا فِيهَا كَمَا أَحَبُّوا، وَهَذَا أَتَمُّ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَأَعَمُّ وَأَجَلُّ مَوْقِعًا وَأَهَمُّ، وَلِهَذَا فَصَلَ بِعَدَمِ التَّذَكُّرِ وَبُولِغَ فِيهِ تِلْكَ الْمُبَالَغَاتِ، وَأَمَّا ذِكْرُ الْهِدَايَةِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَذِكْرُ إِرْسَالِ الرِّيَاحِ الْمُبَشِّرَةِ اسْتِطْرَادًا لِمُنَاسَبَةِ حَدِيثِ الرِّيَاحِ مَعَ الْهِدَايَةِ فِي الْبَحْرِ، فَمِنْ مُتَمِّمَاتِ الْخِلَافَةِ وَإِجَابَةِ الْمُضْطَرِّ وَكَشْفِ السُّوءِ فَافْهَمْ. وَنَبَّهَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ فَصَلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْإِضْرَابِ عَنْ هَذَا الْأُسْلُوبِ بِتَذْكِيرِ نِعْمَتَيِ الْإِيجَادِ وَالْإِعَادَةِ، فَكُلُّ نِعْمَةٍ دُونَهُمَا لِتَوَقُّفِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْهَا، وَعَقِبَهُ بِإِجْمَالٍ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ مَا عَدَّدَهُ أَوَّلًا وَزِيَادَةً أَعْنِي رِزْقَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأُدْمِجَ فِي تَأْخِيرِهِ أَنَّهُ دُونَ النِّعْمَتَيْنِ، وَلِهَذَا بَكَّتَهُمْ بِطَلَبِ الْبُرْهَانِ فِيمَا لَيْسَ وَسَجَّلَ بِكَذِبِهِمْ دَلَالَةً عَلَى تَعَلُّقِهِ بِالْكُلِّ وَأَنَّ هَذِهِ الْخَاتِمَةَ خِتَامٌ مِسْكِيٌّ، وَالْمُعْرِضُ عَنْ تَشَامِّ نَفَحَاتِهِ مِسْكِيٌّ، وَعَنْ هَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ وَجْهُ الْإِبْدَالِ مَكْشُوفَ النِّقَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى الْمُنْعِمِ الْوَهَّابِ اهـ. وَفِي غُرَّةِ التَّنْزِيلِ لِلرَّاغِبِ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَقَدْ لَخَّصَهُ الطَّيِّبِيُّ فِي شَرْحِ الْكَشَّافِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِأَسْرَارِ كِتَابِهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية