الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَقَوْلُهُ تَعَالَى أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ أَيْ: لِئَلَّا يَسْجُدُوا، وَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِـ(صَدَّهُمْ) أَوْ بِـ(زَيَّنَ) وَالْفَاءُ فِي (فَصَدَّهُمْ) لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً لِجَوَازِ كَوْنِهَا تَفْرِيعِيَّةً أَوْ تَفْصِيلِيَّةً، أَيْ: فَصَدَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ لَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْ زَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ لَا يَسْجُدُوا لَهُ تَعَالَى، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ أَنْ وَمَا بَعْدَهَا فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وَقَعَ بَدَلًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ عَدَمَ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي عَدِّ عَدَمِ السُّجُودِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَدَلًا مِنَ السَّبِيلِ وَ(لَا) زَائِدَةً مِثْلَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَصَدَّهُمْ عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ إِلَى وَ(لَا) زَائِدَةً أَيْضًا، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَهْتَدُونَ) كَأَنَّهُ قِيلَ: فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى السُّجُودِ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ زِيَادَةَ (لَا) - وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْفَصِيحِ - خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَجُوِّزَ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ تَقْدِيرٌ، وَالْمَصْدَرُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: دَأْبُهُمْ عَدَمُ السُّجُودِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هِيَ، أَيْ: أَعْمَالُهُمْ عَدَمُ السُّجُودِ، وَفِيهِ مَا مَرَّ آنِفًا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالسَّلُمِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَحُمَيْدٌ، وَالْكِسَائِيُّ «أَلَا» بِالتَّخْفِيفِ عَلَى أَنَّهَا لِلِاسْتِفْتَاحِ، وَيَا حَرْفُ نِدَاءٍ، وَالْمُنَادَى مَحْذُوفٌ، أَيْ: أَلَا يَا قَوْمِ اسْجُدُوا كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَلَا يَا اسْلَمِي ذَاتَ الدَّمَالِيجِ وَالْعُقَدِ وَنَظَائِرِهِ الْكَثِيرَةِ. وَسَقَطَتْ أَلِفُ يَا وَأَلِفُ الْوَصْلِ فِي (اسْجُدُوا) وَكُتِبَتْ بِالْيَاءِ مُتَّصِلَةً بِالسِّينِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. وَوَقَفَ الْكِسَائِيُّ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى يَاءٍ وَابْتَدَأَ بِـ(اسْجُدُوا) وَهُوَ وَقْفُ اخْتِيَارٍ، وَفِي الْبَحْرِ: الَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ الْوَارِدِ عَنِ الْعَرَبِ لَيْسَتْ يَا فِيهِ لِلنِّدَاءِ وَالْمُنَادَى مَحْذُوفٌ؛ لِأَنَّ الْمُنَادَى عِنْدِي لَا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُذِفَ الْفِعْلُ الْعَامِلُ فِي النِّدَاءِ وَانْحَذَفَ فَاعِلُهُ لِحَذْفِهِ، فَلَوْ حَذَفْنَا الْمُنَادَى لَكَانَ فِي ذَلِكَ حَذْفُ جُمْلَةِ النِّدَاءِ وَحَذْفُ مُتَعَلِّقِهِ - وَهُوَ الْمُنَادَى - وَإِذَا لَمْ نَحْذِفْهُ كَانَ دَلِيلًا عَلَى الْعَامِلِ فِيهِ وَهُوَ جُمْلَةُ النِّدَاءِ، وَلَيْسَ حَرْفُ النَّدَاءِ حَرْفَ جَوَابٍ كَنَعَمْ وَبَلَى وَلَا وَأَجَلْ، فَيَجُوزُ حَذْفُ الْجُمْلَةِ بَعْدَهُ كَمَا يَجُوزُ حَذْفُهَا بَعْدَهُنَّ لِدَلَالَةِ مَا سَبَقَ مِنَ السُّؤَالِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ. فَيَا عِنْدِي فِي تِلْكَ التَّرَاكِيبِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ أُكِّدَ بِهِ (أَلَا) الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ، وَجَازَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْحَرْفَيْنِ، وَلِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوْكِيدِ، وَإِذَا كَانَ قَدْ وُجِدَ التَّأْكِيدُ فِي اجْتِمَاعِ الْحَرْفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيِ اللَّفْظِ الْعَامِلَيْنِ فِي قَوْلِهِ: فَأَصْبَحْنَ لَا يَسْأَلْنَنِي عَنْ بِمَا بِهِ وَالْمُتَّفِقِي اللَّفْظِ الْعَامِلَيْنِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: فَلَا وَاللَّهِ لَا يُلْفَى لِمَا بِي وَلَا لَلِمَا بِهِمْ أَبَدًا دَوَاءُ وَجَازَ ذَلِكَ - وَإِنْ عَدُّوهُ ضَرُورَةً أَوْ قَلِيلًا - فَاجْتِمَاعُ غَيْرِ الْعَامِلَيْنِ وَهُمَا مُخْتَلِفَا اللَّفْظِ يَكُونُ جَائِزًا، وَلَيْسَ (يَا) فِي قَوْلِهِ: يَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْأَقْوَامِ كُلِّهِمُ حَرْفَ نِدَاءٍ عِنْدِي بَلْ حَرْفَ تَنْبِيهِ، جَاءَ بَعْدَهُ الْمُبْتَدَأُ وَلَيْسَ مِمَّا حُذِفَ فِيهِ الْمُنَادَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى، وَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ. وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ اسْتِئْنَافًا مِنْ كَلَامِ الْهُدْهُدِ، إِمَّا خِطَابًا لِقَوْمِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْحَثِّ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِقَوْمِ بِلْقِيسَ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ الْمُخَاطَبِينَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا مِنْ جِهَةِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْ مِنْ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا قِيلَ وَهُوَ حِينَئِذٍ بِتَقْدِيرِ الْقَوْلِ. وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ احْتِمَالُ كَوْنِهِ اسْتِئْنَافًا مِنْ جِهَتِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - خَاطَبَ سُبْحَانَهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ وَيُوقَفُ - عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ - عَلَى (يَهْتَدُونَ) اسْتِحْسَانًا، وَيُوجِبُ ذَلِكَ زِيَادَةَ عِدَّةِ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ - عَلَى مَا قَالُوهُ فِيهَا - عِنْدَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَا يُوجِبُهَا فَإِنَّ الْآيَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، لَيْسَ مَدَارُهَا عَلَى الْوَقْفِ وَعَدَمِهِ، فَتَأَمَّلْ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ مَعْنًى أَنَّ فِي الْآيَةِ عَلَى الْأُولَى ذَمًّا عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ، وَفِيهَا عَلَى الثَّانِيَةِ أَمْرًا بِالسُّجُودِ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَالسُّجُودُ وَاجِبٌ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ، وَزَعَمَ الزَّجَّاجُ وُجُوبَهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ، وَلِذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : إِنَّهُ غَيْرُ مَرْجُوعٍ إِلَيْهِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ : «هَلَّا يَسْجُدُونَ» عَلَى التَّحْضِيضِ وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْغَائِبِينَ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ «أَلَا تَسْجُدُونَ» عَلَى الْعَرْضِ وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ، وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ «أَلَا هَلْ تَسْجُدُونَ» بِأَلَا الِاسْتِفْتَاحِيَّةِ وَهَلِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ، وَفِي الْكَشَّافِ مَا فِيهِ مُخَالَفَةُ مَا لَهُ، وَالْعَالِمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ يُظْهِرُ الشَّيْءَ الْمَخْبُوءَ فِيهِمَا كَائِنًا مَا كَانَ، فَالْخَبْءُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ هُنَا بِالْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَاءِ، وَالْأَوْلَى التَّعْمِيمُ كَمَا رَوَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا. وَفِي السَّمَاوَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبْءِ، وَعَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّ (فِي) بِمَعْنَى مِنْ، فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ عَلَى هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُخْرِجُ) وَالظَّاهِرُ مَا تَقَدَّمَ. وَاخْتِيَارُ هَذَا الْوَصْفِ لِمَا أَنَّهُ أَوْفَقُ بِالْقِصَّةِ حَيْثُ تَضَمَّنَتْ مَا هُوَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِإِخْرَاجِ الْخَبْءِ وَهُوَ إِظْهَارُ أَمْرِ بِلْقِيسَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ اخْتِيَارُ مَا ذُكِرَ بَعْدُ مِنْ صِفَاتِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَقِيلَ: إِنَّ تَخْصِيصَ هَذَا الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ لِمَا أَنَّ الْهُدْهُدَ أَرْسَخُ فِي مَعْرِفَتِهِ وَالْإِحَاطَةِ بِأَحْكَامِهِ بِمُشَاهَدَةِ آثَارِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا مَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ كَوْنَ الْهُدْهُدِ أُودِعَ فِيهِ الْقُدْرَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِمَّا لَمْ يَجِئْ فِيهِ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يَتَسَنَّى عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالسِّتَّةِ الَّذِينَ مَعَهُ (أَلَا يَسْجُدُوا) بِالتَّخْفِيفِ، إِذَا جُعِلَ الْكَلَامُ اسْتِئْنَافًا مِنْ جِهَتِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْ مِنْ جِهَةِ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَعِيسَى «الْخَبَ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى الْبَاءِ وَحَذْفِ الْهَمْزَةِ، وَحَكَى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ عَنْ قَوْمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي أَسَدٍ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ بِأَلِفٍ بَدَلَ الْهَمْزَةِ، فَلَزِمَ فَتْحُ مَا قَبْلَهَا، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، وَخُرِّجَتْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ فِي الْوَقْفِ: هَذَا الْخَبْوُ وَمَرَرْتُ بِالْخَبْيِ وَرَأَيْتُ الْخَبَا، وَأُجْرِيَ الْوَصْلُ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَرْأَةِ وَالْكَمْأَةِ: الْمَرَاةُ وَالْكَمَاةُ بِإِبْدَالٍ الْهَمْزَةِ أَلِفًا وَفَتْحِ مَا قَبْلَهَا، وَذُكِرَ أَنَّ هَذَا الْإِبْدَالَ لُغَةٌ. وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ (الْخَبْءَ) مِنْ ذَلِكَ، وَمَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُدَّعِيًا أَنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ، وَعُلِّلَ بِأَنَّ الْهَمْزَةَ إِذَا سَكَنَ مَا قَبْلَهَا فَطَرِيقُ تَخْفِيفِهَا الْحَذْفُ لَا الْقَلْبُ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَمْءِ كَمَهْ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الْكَشْفِ فَقَالَ: تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَقْفِ فِيهِ ضَعْفَانِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لَيْسَ مِنْ لُغَةِ الْفُصَحَاءِ، وَإِجْرَاءَ الْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ - فِيمَا لَا يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُ – كَذَلِكَ، وَأَمَّا تِلْكَ اللُّغَةُ فَعَنِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهَا قِيَاسٌ، انْتَهَى. وَزَعَمَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّ الْخَبَا بِالْأَلِفِ لَا يَجُوزُ أَصْلًا، وَهُوَ مِنْ قُصُورِ الْعِلْمِ، قَالَ الْمُبَرِّدُ : كَانَ أَبُو حَاتِمٍ دُونَ أَصْحَابِهِ فِي النَّحْوِ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَلْدَتِهِمْ لَمْ يُلْقَ أَعْلَمَ مِنْهُ. وَأُشِيرَ بِعَطْفِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ عَلَى (يُخْرِجُ) إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُخْرِجُ مَا فِي الْعَالَمِ الْإِنْسَانِيِّ مِنَ الْخَفَايَا كَمَا يُخْرِجُ مَا فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ مِنَ الْخَبَايَا؛ لِمَا أَنَّ الْمُرَادَ: يُظْهِرُ مَا تُخْفُونَهُ مِنَ الْأَحْوَالِ فَيُجَازِيكُمْ بِهَا، وَذِكْرُ (مَا تُعْلِنُونَ) لِتَوْسِيعِ دَائِرَةِ الْعِلْمِ، أَوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى تَسَاوِيهِمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ كَذَا قِيلَ. وَيُشْعِرُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّهُ أُشِيرَ بِمَا تَقَدَّمَ إِلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَبِهَذَا إِلَى كَمَالِ عِلْمِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأَنَّهُ اسْتَوَى فِيهِ الْبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ. وَقُدِّمَ ( مَا تُخْفُونَ) لِذَلِكَ مَعَ مُنَاسَبَتِهِ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْخَبْءِ، وَقُدِّمَ وَصْفُهُ تَعَالَى بِإِخْرَاجِ الْخَبْءِ مِنَ السَّمَاوَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مُلَاءَمَةً لِلْمَقَامِ، وَالْخِطَابُ - عَلَى مَا قِيلَ - إِمَّا لِلنَّاسِ أَوْ لِقَوْمِ سُلَيْمَانَ أَوْ لِقَوْمِ بِلْقِيسَ ، وَفِي الْكَلَامِ الْتِفَاتٌ. وَقَرَأَ الْحَرَمِيَّانِ وَالْجُمْهُورُ «مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ» بِيَاءِ الْغَيْبَةِ، وَفِي الْكَشَّافِ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ قَرَأَ: «أَلَا تَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَمَا تُعْلِنُونَ» .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية