الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَيْ: كَثِيرِ الْإِفْكِ وَهُوَ الْكَذِبُ أَثِيمٍ كَثِيرِ الْإِثْمِ وَ(كُلِّ) لِلتَّكْثِيرِ، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ لِلْإِحَاطَةِ، وَلَا بُعْدَ فِي تَنَزُّلِهَا عَلَى كُلِّ كَامِلٍ فِي الْإِفْكِ وَالْإِثْمِ كَالْكَهَنَةِ نَحْوِ شِقِّ بْنِ رُهْمِ بْنِ نَذِيرِ ، وَسَطِيحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَدِيٍّ ، وَالْمُرَادُ بِوَاسِطَةِ التَّخْصِيصِ فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ أَوِ السِّيَاقِ أَوْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ - عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ - قَصْرُ تَنَزُّلِهِمْ عَلَى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الصِّفَاتِ، وَتَخْصِيصٌ لَهُ بِهِمْ لَا يَتَخَطَّاهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَحَيْثُ كَانَتْ سَاحَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَزَّهَةً عَنْ أَنْ يَحُومَ حَوْلَهَا شَائِبَةُ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ اتَّضَحَ اسْتِحَالَةُ تَنَزُّلِهِمْ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُلْقُونَ أَيِ: الْأَفَّاكُونَ السَّمْعَ أَيْ: سَمْعَهُمْ إِلَى الشَّيَاطِينِ، وَإِلْقَاءُ السَّمْعِ مَجَازٌ عَنْ شِدَّةِ الْإِصْغَاءِ لِلتَّلَقِّي، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: يُصْغُونَ أَشَدَّ إِصْغَاءٍ إِلَى الشَّيَاطِينِ فَيَتَلَقَّوْنَ مِنْهُمْ مَا يَتَلَقَّوْنَ وَأَكْثَرُهُمْ أَيِ: الْأَفَّاكِينَ كَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَهُ مِنَ الْأَقَاوِيلِ، وَالْأَكْثَرِيَّةُ بِاعْتِبَارِ أَقْوَالِهِمْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَلَّمَا يَصْدُقُونَ فِي أَقْوَالِهِمْ، وَإِنَّمَا هُمْ فِي أَكْثَرِهَا كَاذِبُونَ، وَمَآلُهُ: وَأَكْثَرُ أَقْوَالِهِمْ كَاذِبَةٌ لَا بِاعْتِبَارِ ذَوَاتِهِمْ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ نِسْبَةِ الْكَذِبِ إِلَى أَكْثَرِهِمْ كَوْنُ أَقَلِّهِمْ صَادِقِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَيُلْتَزَمُ لِذَلِكَ كَوْنُ الْأَكْثَرِ بِمَعْنَى الْكُلِّ. وَلَيْسَ مَعْنَى الْأَفَّاكِ مَنْ لَا يَنْطِقُ إِلَّا بِالْإِفْكِ حَتَّى يَمْتَنِعَ مِنْهُ الصِّدْقُ، بَلْ مَنْ يُكْثِرُ الْإِفْكَ فَلَا يُنَافِيهِ أَنْ يَصْدُقَ نَادِرًا فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ السَّمْعُ بِمَعْنَى الْمَسْمُوعِ، وَإِلْقَاؤُهُ مَجَازٌ عَنْ ذِكْرِهِ أَنْ يَلْقَى الْأَفَّاكُونَ إِلَى النَّاسِ الْمَسْمُوعَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا يَحْكُونَ عَنِ الشَّيَاطِينِ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُهُمْ لِبُعْدِهِ أَوْ لِقِلَّةِ جَدْوَاهُ عَلَى مَا قِيلَ. وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ كَوْنِ أَكْثَرِ أَقْوَالِهِمْ كَاذِبَةً، فَقِيلَ: هُوَ بَعْدَ الْبِعْثَةِ كَوْنُهُمْ يَتَلَقَّوْنَ مِنْهُمْ ظُنُونًا وَأَمَارَاتٍ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ نَصِيبٌ، وَهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَلِعَدَمِ صَفَاءِ نُفُوسِهِمْ قَلَّمَا تَصْدُقُ ظُنُونُهُمْ، مَعَ ذَلِكَ يَضُمُّ الْأَفَّاكُونَ إِلَيْهَا - لِعَدَمِ وَفَائِهَا بِمُرَادِهِمْ عَلَى حَسَبِ تَخَيُّلَاتِهِمْ - أَشْيَاءَ لَا يُطَابِقُ أَكْثَرُهَا الْوَاقِعَ. وَقَبْلَ الْبِعْثَةِ - إِذْ كَانُوا غَيْرَ مَحْجُوبِينَ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَكَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - مَا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْغَيْبِيَّةِ - يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَثْرَةُ غَلَطِ الْأَفَّاكِينَ فِي الْفَهْمِ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ عَنْهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّهُمْ إِلَى مَا يُفْهِمُونَهُ مِنَ الْحَقِّ أَشْيَاءَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لَا يُطَابِقُ أَكْثَرُهَا الْوَاقِعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَثْرَةُ غَلَطِ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يُوحُونَ إِلَيْهِمْ فِي الْفَهْمِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ عَنْهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّ الشَّيَاطِينِ إِلَى مَا يُفْهِمُونَهُ مِنَ الْحَقِّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - أَشْيَاءَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لَا يُطَابِقُ أَكْثَرُهَا الْوَاقِعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ مَا ذُكِرَ. وَقِيلَ: هُوَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْبِعْثَةِ فَهُوَ كَثْرَةُ خَلْطِهِمُ الْكَذِبَ فِيمَا تَخْطِفُهُ الشَّيَاطِينُ عِنْدَ اسْتِرَاقِهِمُ السَّمْعَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَيُلْقُونَهُ إِلَيْهِمْ. فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَرْدُويَهْ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا قَالَ: تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَحْفَظُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كِذْبَةٍ ». وَقِيلَ: هُوَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ وَبَعْدَهَا كَثْرَةُ خَلْطِ الْأَفَّاكِينَ الْكَذِبَ فِيمَا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ، أَمَّا كَثْرَتُهُ قَبْلَ الْبِعْثَةِ فَلِظَاهِرِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا كَثْرَتُهُ بَعْدَ الْبِعْثَةِ فَلِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: «كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ فَتَسْتَمِعُ ثُمَّ تَنْزِلُ إِلَى الْكَهَنَةِ فَتُخْبِرُهُمْ، فَتُحَدِّثُ الْكَهَنَةُ بِمَا أُنْزِلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ مِنَ السَّمْعِ، وَتَخْلِطُ بِهِ الْكَهَنَةُ كَذِبًا كَثِيرًا، فَيُحَدِّثُونَ بِهِ النَّاسَ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ سَمْعِ السَّمَاءِ فَيَكُونُ حَقًّا، وَأَمَّا مَا خَلَطُوهُ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ فَيَكُونُ كَذِبًا ». وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الشَّيَاطِينَ بَعْدَ الْبِعْثَةِ يُلْقُونَ مَا يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ السَّمْعِ إِلَى الْكَهَنَةِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَنْ يُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( يُلْقُونَ ) فِي الْآيَةِ رَاجِعًا إِلَى الشَّيَاطِينِ، وَالْمَعْنَى: يُلْقِي الشَّيَاطِينُ الْمَسْمُوعَ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى قَبْلَ أَنْ يُرْجَمُوا مِنْ بَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا يُوحُونَ بِهِ إِلَيْهِمْ، إِذْ لَا يُسْمِعُونَهُمْ عَلَى نَحْوِ مَا تَكَلَّمَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - لِشَرَارَتِهِمْ أَوْ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ أَوْ ضَبْطِهِمْ أَوْ إِفْهَامِهِمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى عَلَيْهِ يُنْصِتُ الشَّيَاطِينُ وَيَسْتَمِعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى قَبْلَ الرَّجْمِ، وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا يُوحُونَ بِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ بَعْدُ لِشَرَارَتِهِمْ، أَوْ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ، أَوْ لَا يُسْمِعُونَ أَوْلِيَاءَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ السَّمْعِ كَلَامَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - عَلَى وَجْهِهِ، وَجُمْلَةُ ( يُلْقُونَ ) عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْأَفَّاكِينَ صِفَةٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِإِلْقَاءِ السَّمْعِ الْإِصْغَاءُ إِلَى الشَّيَاطِينِ أَوْ إِلْقَاءُ الْمَسْمُوعِ إِلَى النَّاسِ. وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا إِخْبَارًا لِحَالِهِمْ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ لِمَا أَنَّ كُلًّا مِنْ تَلَقِّيهِمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَإِلْقَائِهِمْ إِلَى النَّاسِ يَكُونُ بَعْدَ التَّنَزُّلِ، وَاسْتُظْهِرَ تَقْدِيرُ الْمُبْتَدَأِ عَلَى هَذَا، وَأَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا مَبْنِيًّا عَلَى السُّؤَالِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا يَفْعَلُونَ عِنْدَ تَنَزُّلِ الشَّيَاطِينِ أَوْ مَا يَفْعَلُونَ بَعْدَ تَنَزُّلِهِمْ؟ فَقِيلَ: يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ أَسْمَاعَهُمْ لِيَحْفَظُوا مَا يُوحُونَ بِهِ إِلَيْهِمْ، أَوْ يُلْقُونَ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنْهُمْ إِلَى النَّاسِ، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ حَالًا مُنْتَظَرَةً عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَيْضًا. وَهِيَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلشَّيَاطِينِ - وَالْمَعْنَى مَا سَمِعْتَ أَوَّلًا - قِيلَ: تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا مُبَيِّنًا لِلْغَرَضِ مِنَ التَّنَزُّلِ مَبْنِيًّا عَلَى السُّؤَالِ عَنْهُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: لِمَ تَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ مَا سَمِعُوهُ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مُنْتَظَرَةً مِنْ ضَمِيرِ الشَّيَاطِينِ، أَيْ: تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ مُلْقِينَ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى إِلَيْهِمْ، وَعَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ - وَالْمَعْنَى مَا سَمِعْتَ ثَانِيًا - قِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا نَظِيرَ مَا ذُكِرَ آنِفًا، وَلَا أَنْ تَكُونَ حَالًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ إِلْقَاءَ السَّمْعِ بِمَعْنَى الْإِنْصَاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّنَزُّلِ الْمَذْكُورِ، فَكَيْفَ يَكُونُ غَرَضًا مِنْهُ أَوْ حَالًا مُقَارِنَةً أَوْ مُنْتَظَرَةً وَيَتَعَيَّنُ كَوْنُهَا اسْتِئْنَافًا لِلْإِخْبَارِ بِحَالِهِمْ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ حَالِهِمُ السَّابِقَةِ عَلَى تَنَزُّلِهِمُ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ غَيْرُ خَلِيقٍ بِجَزَالَةِ التَّنْزِيلِ، وَمِنْ هُنَا قِيلَ: إِنَّ جَعْلَ الضَّمِيرِ لِلشَّيَاطِينِ وَحَمْلَ إِلْقَاءِ السَّمْعِ عَلَى إِنْصَاتِهِمْ وَتَسَمُّعِهِمْ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى - مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَجُمْلَةُ ( أَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) اسْتِئْنَافِيَّةٌ أَوْ تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنَافِيَّةَ وَالْحَالِيَّةَ. هَذَا، وَاعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا إِشْكَالًا وَارِدًا عَلَى بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَيْهِ تُفِيدُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَسْمَعُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - مَا يَسْمَعُونَهُ وَيُلْقُونَهُ إِلَى الْأَفَّاكِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِمْ عَنِ السَّمْعِ أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّمْعِ فِيمَا تَقَدَّمَ السَّمْعُ الْمُعْتَدُّ بِهِ، وَفِيمَا هَاهُنَا السَّمْعُ فِي الْجُمْلَةِ، وَيُرَادُ بِهِ الْخَطْفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ وَالْكَلِمَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وَابْنِ مَرْدُويَهْ السَّابِقِ آنِفًا، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَنْ خَطِفَ لَا يَبْقَى حَيًّا إِلَى أَنْ يُوصِلَ مَا خَطَفَهُ إِلَى وَلِيِّهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يَهْلَكُ بِالشِّهَابِ الَّذِي لَحِقَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَفِيَ بَقَائِهِ حَيًّا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا ذُكِرَ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اتِّبَاعِ الشِّهَابِ الثَّاقِبِ إِيَّاهُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ كَمَا يَحْتَمِلُ الْإِهْلَاكَ، فَلْيَرِدِ اتِّبَاعُهُ لِلزَّجْرِ مَعَ بَقَائِهِ حَيًّا؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي بَقَاءَهُ كَذَلِكَ. وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا لَا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّمَاوَاتِ وَكَانُوا يَدْخُلُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَخْبَارِهَا، فَيُلْقُونَ إِلَى الْكَهَنَةِ، فَلَمَّا وُلِدَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُنِعُوا مِنْ ثَلَاثِ سَمَاوَاتٍ، فَلَمَّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنِعُوا مِنَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا، فَمَا مِنْهُمْ مَنْ أَحَدٍ يُرِيدُ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ إِلَّا رُمِيَ بِشِهَابٍ - وَهُوَ الشُّعْلَةُ مِنَ النَّارِ - فَلَا يُخْطِئُ أَبَدًا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتُلُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْرِقُ وَجْهَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْبِلُهُ فَيَصِيرُ غُولًا يَضِلُّ النَّاسَ فِي الْبَرَارِي. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّمْعِ فِيمَا تَقَدَّمَ سَمْعُ الْوَحْيِ، وَفِيمَا هُنَا سَمْعُ الْمُغَيَّبَاتِ غَيْرَهُ، وَهُمْ غَيْرُ مَمْنُوعِينَ عَنْهُ قَبْلَ الْبِعْثَةِ وَبَعْدَهَا، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدُونَ فِي مُقَدِّمَةِ تَارِيخِهِ الَّتِي لَمْ يُنْسَجْ عَلَى مِنْوَالِهَا - وَإِنْ كَانَ لِلطَّعْنِ فِيهَا مَجَالٌ - قَالَ: إِنَّ الْآيَاتِ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى مَنْعِ الشَّيَاطِينِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ أَخْبَارِ السَّمَاءِ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِخَبَرِ الْبِعْثَةِ وَلَمْ يُمْنَعُوا مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، بَلْ رُبَّمَا يُقَالُ: إِنَّ فِي كَلَامِهِ بَعْدُ إِشْعَارًا مَا بِأَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا كَانَ بَيْنَ يَدَيِ النُّبُوَّةِ فَقَطْ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّوَاهِرَ تَشْهَدُ بِمَنْعِهِمْ مُطْلَقًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بَلْ قَدْ يُدَّعَى أَنَّ فِي الْآيَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حِفْظَ السَّمَاءِ بِالْكَوَاكِبِ لَمْ يَحْدُثْ وَأَنَّ خَلْقَهَا لِذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا مَمْنُوعِينَ أَيْضًا قَبْلَ وِلَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَيُشْكَلُ هَذَا عَلَى ظَاهِرُ الْعَزْلِ إِلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّ الْمَنْعَ قَبْلُ لَمْ يَكُنْ بِمَثَابَةِ الْمَنْعِ بَعْدُ، فَالْعَزْلُ عَمَّا كَانَ يَجْعَلُ الْمَنْعَ شَدِيدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَفِي الْيَوَاقِيتِ وَالْجَوَاهِرِ فِي عَقَائِدِ الْأَكَابِرِ لِمَوْلَانَا عَبْدِ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: الصَّحِيحُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ مَمْنُوعُونَ مِنَ السَّمْعِ مُنْذُ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَبِتَقْدِيرِ اسْتِرَاقِهِمْ فَلَا يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الْإِنْسِ لِيُخْبِرُوهُمْ بِمَا اسْتَرَقُوهُ، بَلْ تُحْرِقُهُمُ الشُّهُبُ وَتُفْنِيهِمُ، انْتَهَى. قِيلَ: وَيَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِهَذَا حَمْلُ مَا فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَلَى كُهَّانٍ كَانُوا قَبْلَ الْبِعْثَةِ، وَقَدْ أَدْرَكَهُمُ السَّائِلُونَ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْقَاضِي أَيْضًا، فَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْهُ فِي شَرْحِهِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتِ الْكِهَانَةُ فِي الْعَرَبِ ثَلَاثَةَ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ وَلِيٌّ مِنَ الْجِنِّ يُخْبِرُهُ بِمَا يَسْتَرِقُهُ مِنَ السَّمْعِ مِنَ السَّمَاءِ، وَهَذَا الْقِسْمُ بَطَلَ مِنْ حِينِ بُعِثَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى آخِرِ مَا قَالَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبُوصِيرِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: بَعَثَ اللَّهُ عِنْدَ مَبْعَثِهِ الشُّهُـ ـبَ حُرَّاسًا وَضَاقَ عَنْهَا الْفَضَاءُ تَطْرُدُ الْجِنَّ عَنْ مَقَاعِدِ لِلسَّمْـ ـعِ كَمَا يَطْرُدُ الذِّئْبَ الرِّعَاءُ فَمَحَتْ آيَةَ الْكِهَانَةِ آيًا ـتٌ مِنَ الْوَحْيِ مَا لَهُنَّ انْمِحَاءُ وَقَدْ قِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْإِشْكَالِ نَحْوُ هَذَا، وَهُوَ أَنْ تَنَزُّلَ الشَّيَاطِينِ وَإِلْقَاءَهُمْ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ - حَسْبَمَا تُفِيدُهُ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي أَحَدِ مَحَامِلِهَا - إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَنْعٌ، أَوْ كَانَ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَدِيدًا. وَالْمَنْعُ مِنَ السَّمْعِ الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْبِعْثَةِ، وَكَانَ عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ، وَهَذَا مُشْكِلٌ عِنْدِي بِابْنِ الصَّيَّادِ وَمَا كَانَ مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ عَدُّوهُ مِنَ الْكُهَّانِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ سَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْتَحَنَهُ فَأَضْمَرَ لَهُ آيَةَ الدُّخَانِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خَبَّأْتُ لَكَ خَبَأً، فَقَالَ ابْنُ الصَّيَّادِ : هُوَ الدُّخُّ، أَيِ: الدُّخَانُ - وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» . وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي - كَمَا نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْهُ أَيْضًا -: أَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي أَضْمَرَهَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِلَّا لِهَذَا اللَّفْظِ النَّاقِصِ عَلَى عَادَةِ الْكُهَّانِ إِذَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يَخْطِفُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الشِّهَابُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ » أَيِ: الْقَدْرَ الَّذِي يُدْرِكُهُ الْكُهَّانُ مِنَ الِاهْتِدَاءِ إِلَى بَعْضِ الشَّيْءِ، وَمَا لَا يَبِينُ مِنْهُ حَقِيقَتُهُ وَلَا يَصِلُ بِهِ إِلَى بَيَانِ وَتَحْقِيقِ أُمُورِ الْغَيْبِ. وَقَدْ يُقَالُ فِي دَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ: إِنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ كَانَ مِنَ الضَّرْبِ الثَّانِي مِنَ الْكُهَّانِ، وَهُمُ الَّذِينَ تُخْبِرُهُمُ الشَّيَاطِينُ بِمَا يَطْرَأُ أَوْ يَكُونُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَمَا خَفِيَ عَنْهُمْ مِمَّا قَرُبَ أَوْ بَعْدُ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُ وُجُودِهِمْ بَعْدَ الْبِعْثَةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ حَيْثُ قَالُوا بِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ هَذَا الضَّرْبِ، وَكَذَا الضَّرْبِ السَّابِقِ آنِفًا، وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَسَرَّ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مَا أَضْمَرَهُ، أَوْ كَانَتْ سُورَةُ الدُّخَانِ مَكْتُوبَةً فِي يَدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ كَتَبَ الْآيَةَ وَحْدَهَا فِي يَدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ حَكَاهُمَا الدَّاوُدِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَمَا فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ . وَأَيًّا مَا كَانَ يَكُونُ ابْنُ الصَّيَّادِ قَدْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ طَارِئٍ تَطَّلِعُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ بِدُونِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ مِنَ السَّمَاءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ فِي شَيْءٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ تَامًّا، بَلْ أَخْبَرَ بِهِ عَلَى نَحْوِ إِخْبَارِ الْكُهَّانِ السَّابِقِينَ عَلَى زَمَنِ الْبِعْثَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ فِي النَّقْصِ. وَلَعَلَّ مُرَادَ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي أَضْمَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا لِهَذَا اللَّفْظِ النَّاقِصِ عَلَى عَادَةِ الْكُهَّانِ إِذَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يَخْطِفُ إِلَخْ - تَشْبِيهُ حَالِهِ - مَعَ أَنَّهُ مِنَ الضَّرْبِ الثَّانِي - بِحَالِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكُهَّانِ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا لَأُشْكِلَ كَلَامُهُ هَذَا مَعَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ بِرَجْمِ الْمُسْتَرِقِينَ لِلسَّمْعِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَثَابَةِ مَا كَانَ بَعْدَ الْبِعْثَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمْعٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ أَلْقَى مَا يَخْطِفُهُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الشِّهَابُ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ تَحْتَهُ يُوصِلُ ذَلِكَ إِلَى الْكَاهِنِ، وَلَا يَكَادُ يَصِحُّ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ مَا يُلْقِيهِ الشَّيَاطِينُ إِلَى الْكَهَنَةِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ هُوَ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - فِي الْعَنَانِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يُلْقُونَ السَّمْعَ وَمَا هُمْ مَمْنُوعُونَ عَنْهُ هُوَ السَّمْعُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - فِي السَّمَاءِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « الْمَلَائِكَةُ تُحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ - وَالْعَنَانُ الْغَمَامُ - بِالْأَمْرِ فِي الْأَرْضِ فَيَسْمَعُ الشَّيْطَانُ الْكَلِمَةَ فَيُقِرُّهَا فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ كَمَا يُقِرُّ الْقَارُورَةَ، فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ ». وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ تَعَرُّضٌ لِلسَّمْعِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - فِي السَّمَاءِ بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَقَدْ يُخْتَارُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الشَّيَاطِينَ إِنَّمَا مُنِعُوا بَعْدَ الْبِعْثَةِ عَنْ سَمْعِ مَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ أَوِ الْعَنَانِ، وَمَنْ خَطِفَ خَطْفَةً يُعْتَدُّ بِهَا مِنْ ذَلِكَ اتَّبَعَهُ الشِّهَابُ وَأَهْلَكَهُ، وَلَمْ يَدَعْهُ يُوصِلُهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَى الْكَهَنَةِ، وَأَمَّا سَمْعُ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَقَدْ يَقَعُ لَهُمْ وَيُوصِلُونَهُ إِلَى الْكَهَنَةِ، فَيَخْلِطُونَ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ مَا يَخْلِطُونَ، فَحَيْثُ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْعَزْلِ عَنِ السَّمْعِ أُرِيدَ بِالسَّمْعِ السَّمْعُ الْكَامِلُ الْمُعْتَدُّ بِهِ، وَحَيْثُ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِإِلْقَاءِ السَّمْعِ أُرِيدَ بِالسَّمْعِ السَّمْعُ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَدْنَى مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَمْعٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا حَصَلَ لِابْنِ الصَّيَّادِ كَانَ مِنْ هَذَا السَّمْعِ وَلَا يَكَادُ يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّرْبِ الثَّانِي لِلْكِهَانَةِ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ أَحَدُ الشُّقُوقِ الثَّلَاثَةِ وَفِي ثُبُوتِ ذَلِكَ كَلَامٌ. نَعَمْ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَبَّأْتُ» ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هُنَاكَ مَا يُخَبَّأُ فِي كَفٍّ أَوْ كُمٍّ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَالْآيَةُ مَا لَمْ تُكْتَبْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا احْتَاجَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَضْمَرَ لَهُ الْآيَةَ فِي قَلْبِهِ إِلَى تَأْوِيلِ (خَبَّأْتُ) بِـ(أَضْمَرْتُ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ - عَلَى بُعْدٍ -: إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَدْ مُنِعُوا بَعْدَ الْبِعْثَةِ عَنِ السَّمْعِ مُطْلَقًا بِالشُّهُبِ الْمُحْرِقَةِ لَهُمْ. وَإِرْجَاعُ ضَمِيرِ ( يُلْقُونَ ) إِلَى الشَّيَاطِينِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ فِي بَيَانِ مَنْ يَتَنَزَّلُونَ عَلَيْهِ لَا بَيَانِ حَالِهِمْ أَوْ إِلْقَاءِ سَمْعِهِمْ - بِمَعْنَى إِصْغَائِهِمْ - إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَأَكْثَرُهُمْ بِمَعْنَى كُلِّهِمْ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْأَكْثَرِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ كَافِيَةٌ فِي الْمَقْصُودِ. وَالْمُرَادُ: يُصْغُونَ لِيَسْمَعُوا فَلَا يَسْمَعُونَ إِلَّا أَنَّهُ أُقِيمَ (وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) مَقَامَ (لَا يَسْمَعُونَ) أَوْ: إِلْقَاءُ السَّمْعِ بِمَعْنَى إِلْقَاءِ مَا يَسْمَعُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَفَّاكِينَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا سَمِعُوهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا اخْتَرَعُوهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ظَنًّا وَتَخْمِينًا وَأَلْقَوْهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَلَا يَبْعُدُ صِدْقُهُمْ فِي بَعْضِهِ. وَالْأَمْرُ فِي تَسْمِيَتِهِ مَسْمُوعًا هَيِّنٌ، وَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَابْنِ مَرْدُويَهْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ يُحْمَلُ مَا فِي الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ، وَحَمْلُ خَطْفِ الْكَلِمَةِ فِيهِ عَلَى حَدْسِهَا بِوَاسِطَةِ بَعْضِ الْأَوْضَاعِ الْفَلَكِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِيَجُوزَ اعْتِبَارُ كَوْنِهِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ - مِمَّا لَا أَظُنُّ أَحَدًا يَرْتَضِيهِ، وَلَيْسَ فِي قِصَّةِ ابْنِ الصَّيَّادِ مَا هُوَ نَصٌّ فِي أَنَّ مَا قَالَهُ كَانَ عَنْ سَمْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ إِلَيْهِ. وَكَأَنِّي بِكَ تَسْتَبْعِدُ تَحَدُّثَ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - فِي السَّمَاءِ بِمَا أَضْمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصُعُودَ الشَّيَاطِينِ حِينَ السُّؤَالِ - مِنْ غَيْرِ رَيْثٍ - وَاسْتِرَاقَهُمْ وَنُزُولَهُمْ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ بِمَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ الصَّيَّادِ، وَمَا هُوَ إِلَّا ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْكِهَانَةِ. وَتَحْقِيقُ أَمْرِهَا - عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفَاضِلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلْدُونَ - أَنَّ لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ اسْتِعْدَادًا لِلِانْسِلَاخِ عَنِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى الرُّوحَانِيَّةِ الَّتِي فَوْقَهَا، وَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ لَمْحَةٌ لِلْبَشَرِ مِنْ صِنْفِ الْأَتْقِيَاءِ بِمَا فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى اكْتِسَابٍ وَلَا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَدَارِكِ، وَلَا مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَلَا مِنَ الْأَفْعَالِ الْبَدَنِيَّةِ كَلَامًا أَوْ حَرَكَةً، وَلَا بِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ. وَيُعْطِي التَّقْسِيمُ الْعَقْلِيُّ أَنَّ هَاهُنَا صِنْفًا آخَرَ مِنَ الْبَشَرِ نَاقِصًا عَنْ رُتْبَةِ هَذَا الصِّنْفِ نُقْصَانَ الضِّدِّ عَنْ ضِدِّهِ الْكَامِلِ، وَهُوَ صِنْفٌ مِنَ الْبَشَرِ مَفْطُورٌ عَلَى أَنْ تَتَحَرَّكَ قُوَّتُهُ الْعَقْلِيَّةُ حَرَكَتَهَا الْفِكْرِيَّةَ بِالْإِرَادَةِ عِنْدَمَا يَتْبَعُهَا النُّزُوعُ لِذَلِكَ وَهِيَ نَاقِصَةٌ عَنْهُ، فَيَتَشَبَّثُ لِأَعْمَالِ الْحِيلَةِ بِأُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ مَحْسُوسَةٍ أَوْ مُتَخَيَّلَةٍ كَالْأَجْسَامِ الشَّفَّافَةِ وَعِظَامِ الْحَيَوَانِ وَسَجْعِ الْكَلَامِ، وَمَا سَنَحَ مِنْ طَيْرٍ أَوْ حَيَوَانٍ، وَيُدِيمُ ذَلِكَ الْإِحْسَاسَ وَالتَّخَيُّلَ مُسْتَعِينًا بِهِ فِي ذَلِكَ الِانْسِلَاخِ الَّذِي يَقْصِدُهُ، وَيَكُونُ كَالْمُشَيِّعِ لَهُ، وَهَذِهِ الْقُوَّةُ الَّتِي هِيَ مَبْدَأٌ فِي هَذَا الصِّنْفِ لِذَلِكَ الْإِدْرَاكِ هِيَ الْكِهَانَةُ، وَلِكَوْنِ هَذِهِ النُّفُوسِ مَفْطُورَةً عَلَى النَّقْصِ وَالْقُصُورِ عَنِ الْكَمَالِ كَانَ إِدْرَاكُهَا الْجُزْئِيَّاتِ أَكْثَرَ مِنْ إِدْرَاكِهَا الْكُلِّيَّاتِ، وَتَكُونُ مُشْتَغِلَةً بِهَا غَافِلَةً عَنِ الْكُلِّيَّاتِ، وَلِذَلِكَ كَثِيرًا مَا تَكُونُ الْمُتَخَيَّلَةُ فِيهِمْ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَتَكُونُ الْجُزْئِيَّاتُ عِنْدَهَا حَاضِرَةً عَتِيدَةً، وَهِيَ لَهَا كَالْمِرْآةِ تَنْظُرُ فِيهَا دَائِمًا، وَلَا يَقْوَى الْكَاهِنُ عَلَى الْكَمَالِ فِي إِدْرَاكِ الْمَعْقُولَاتِ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَهُ فِطْرِيٌّ وَوَحْيَهُ شَيْطَانِيٌّ، وَأَرْفَعُ أَحْوَالِ هَذَا الصِّنْفِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ السَّجْعُ وَالْمُوَازَنَةُ لِيَشْتَغِلَ بِهِ عَنِ الْحَوَاسِّ، وَيَقْوَى فِي الْجُمْلَةِ عَلَى ذَلِكَ الِانْسِلَاخِ النَّاقِصِ، فَيَهْجِسُ فِي قَلْبِهِ مِنْ تِلْكَ الْحَرَكَةِ - وَالَّذِي يُشَيِّعُهَا مِنْ ذَلِكَ الْأَجْنَبِيِّ - مَا يَقْذِفُ عَلَى لِسَانِهِ، وَرُبَّمَا صَدَقَ وَوَافَقَ الْحَقَّ، وَرُبَّمَا كَذَبَ؛ لِأَنَّهُ يُتَمِّمُ أَمْرَ نَقْصِهِ بِأَجْنَبِيٍّ عَنْ ذَاتِ الْمَدَارِكِ وَمَبَايِنٍ لَهَا غَيْرَ مُلَائِمٍ، فَيَعْرِضُ لَهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ جَمِيعًا، وَيَكُونُ غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَرُبَّمَا يَفْزَعُ إِلَى الظُّنُونِ وَالتَّخْمِينَاتِ؛ حِرْصًا عَلَى الظَّفَرِ بِالْإِدْرَاكِ - بِزَعْمِهِ - وَتَمْوِيهًا عَلَى السَّائِلِينَ، وَلَمَّا كَانَ انْسِلَاخُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ الْبَشَرِيَّةِ وَاتِّصَالُهُ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى مِنْ غَيْرِ مُشَيِّعٍ وَلَا اسْتِعَانَةٍ بِأَجْنَبِيٍّ كَانَ صَادِقًا فِي جَمِيعِ مَا يَأْتِي بِهِ، وَكَانَ الصِّدْقُ مِنْ خَوَاصِّ النُّبُوَّةِ ، وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ الصَّيَّادِ حِينَ سَأَلَهُ كَاشِفًا عَنْ حَالِهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كَيْفَ يَأْتِيكَ هَذَا الْأَمْرُ»؟ فَقَالَ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ » يُرِيدُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَفْيَ النُّبُوَّةِ عَنْهُ بِالْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهَا مِمَّا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَذِبُ بِحَالٍ. وَإِنَّمَا قِيلَ: أَرْفَعُ أَحْوَالِ هَذَا الصِّنْفِ السَّجْعُ؛ لِأَنَّ مَعِينَ السَّجْعِ أَخَفُّ مِنْ سَائِرِ الْمَعِينَاتِ مِنَ الْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ، وَتَدُلُّ خِفَّةُ الْمَعِينِ عَلَى قُرْبِ ذَلِكَ الِانْسِلَاخِ وَالِاتِّصَالِ وَالْبُعْدِ فِيهِ عَنِ الْعَجْزِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا انْحِصَارَ لِعُلُومِ الْكُهَّانِ فِيمَا يَكُونُ مِنَ الشَّيَاطِينِ، بَلْ كَمَا تَكُونُ مِنَ الشَّيَاطِينِ تَكُونُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِانْسِلَاخِهَا انْسِلَاخًا غَيْرَ تَامٍّ، وَاتِّصَالِهَا فِي الْجُمْلَةِ بِوَاسِطَةِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ بِعَالَمٍ لَا تُحْجَبُ عَنْهُ الْحَوَادِثُ الْمُسْتَقْبَلَةُ وَغَيْرُهَا، فَانْقِطَاعُ خَبَرِ السَّمَاءِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ عَنِ الشَّيَاطِينِ بِالرَّجْمِ - إِنْ سُلِّمَ - لَا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ الْكِهَانَةِ. ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكُهَّانَ إِذَا عَاصَرُوا زَمَنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُمْ عَارِفُونَ بِصِدْقِ النَّبِيِّ وَدَلَالَةِ مُعْجِزَتِهِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ بَعْضَ الْوِجْدَانِ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْعِنَادِ إِلَّا وَسَاوِسُ الْمَطَامِعِ بِحُصُولِ النُّبُوَّةِ لَهُمْ، كَمَا وَقَعَ لِأُمَيَّةَ ابْنِ أَبِي الصَّلْتِ فَإِنَّهُ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، وَكَذَا وَقَعَ لِابْنِ الصَّيَّادِ وَمُسَيْلِمَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَرُبَّمَا تَنْقَطِعُ تِلْكَ الْأَمَانِيُّ فَيُؤْمِنُونَ أَحْسَنَ إِيمَانٍ كَمَا وَقَعَ لِطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ ، وَقَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَكَانَ لَهُمَا فِي الْفُتُوحَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنَ الْآثَارِ مَا يَشْهَدُ بِحُسْنِ الْإِيمَانِ، وَذُكِرَ فِي بَيَانِ اسْتِعْدَادِ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ - أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا كُهَّانًا أَوْ غَيْرَهُمْ لِلْإِخْبَارِ بِالْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ قَبْلَ ظُهُورِهَا - كَلَامٌ طَوِيلٌ، حَاصِلُهُ أَنَّ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ ذَاتُ رُوحَانِيَّةٍ وَلَهَا بِذَاتِهَا الْإِدْرَاكُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، لَكِنَّهَا مَحْجُوبَةٌ عَنْهُ بِالِانْغِمَاسِ فِي الْبَدَنِ وَالْحَوَاسِّ وَشَوَاغِلِهَا؛ لِأَنَّ الْحَوَاسَّ أَبَدًا جَاذِبَةٌ لَهَا إِلَى الظَّاهِرِ بِمَا فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدْرَاكِ الْجُسْمَانِيِّ، وَرُبَّمَا تَنْغَمِسُ عَنِ الظَّاهِرِ إِلَى الْبَاطِنِ فَيَرْتَفِعُ حِجَابُ الْبَدَنِ لَحْظَةً إِمَّا بِالْخَاصَّةِ الَّتِي هِيَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِثْلِ النَّوْمِ، أَوْ بِالْخَاصَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ كَالْكَهَنَةِ أَهْلِ السَّجْعِ، وَأَهْلِ الطَّرْقِ بِالْحَصَى وَالنَّوَى، وَالنَّاظِرِينَ فِي الْأَجْسَامِ الشَّفَّافَةِ مِنَ الْمَرَايَا وَالْمِيَاهِ وَقُلُوبِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَكْبَادِهَا وَعِظَامِهَا، وَقَدْ يُلْحَقُ بِهِمُ الْمَجَانِينُ، أَوْ بِالرِّيَاضَةِ الدِّينِيَّةِ مِثْلِ أَهْلِ الْكَشْفِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أَوِ السِّحْرِيَّةِ مِثْلِ أَهْلِ الْكَشْفِ مِنَ الْجُوكِيَّةِ، فَتَلْتَفِتُ حِينَئِذٍ إِلَى الذَّوَاتِ الَّتِي فَوْقَهَا مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؛ لِمَا بَيْنَ أُفُقِهَا وَأُفُقِهِمْ مِنَ الِاتِّصَالِ فِي الْوُجُودِ، وَتِلْكَ الذَّوَاتُ إِدْرَاكٌ مَحْضٌ وَعُقُولٌ بِالْفِعْلِ، وَفِيهَا صُوَرُ الْمَوْجُودَاتِ وَحَقَائِقُهَا - كَمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ - فَيَتَجَلَّى فِيهَا شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ وَتَقْتَبِسُ مِنْهَا عِلْمًا، وَرُبَّمَا وَقَعَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ الْمُدْرَكَةُ إِلَى الْخَيَالِ فَيَصْرِفُهَا فِي الْقَوَالِبِ الْمُتَعَادَّةِ، ثُمَّ تُرَاجِعَ الْحِسَّ بِمَا أَدْرَكَتْ إِمَّا مُجَرَّدًا أَوْ فِي قَوَالِبِهِ فَتُخْبِرُ بِهِ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِيهِ ذَهَابًا إِلَى مَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَكَثِيرًا مَا يُسَمُّونَهُ عَالَمَ الْمُجَرَّدَاتِ، وَقَدْ يُسَمُّونَهُ عَالَمَ الْعُقُولِ، وَهِيَ مَحْصُورَةٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ فِي عَشَرَةٍ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ مُتَأَخَّرِيهِمْ بِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تُحْصَى، وَلِلْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ مِنَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ لَا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَوْضِعُ لِذِكْرِهِ، وَأَنَا أَقُولُ - وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا جَهُولٌ -: لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - خَوَاصٌّ فِي الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ، وَلَا يَبْعُدُ - بَعْدَ انْقِطَاعِ خَبَرِ السَّمَاءِ عَنِ الشَّيَاطِينِ بِالرَّجْمِ - أَنْ يَجْعَلَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ خَاصِّيَّةَ التَّكَلُّمِ بِمَا يَصْدُقُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا - مَعَ اطِّلَاعٍ وَكَشْفٍ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ أَوْ بِدُونِ ذَلِكَ - بِأَنْ يُنْطِقَهُ سُبْحَانَهُ بِشَيْءٍ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالْمُخْبَرِ بِهِ وَيُوَافِقُ الْوَاقِعَ. وَقَدِ اتَّفَقَ لِي ذَلِكَ - وَعُمْرِي نَحْوُ خَمْسِ سِنِينَ - وَذَلِكَ أَنِّي رَجَعْتُ مِنَ الْكُتَّابِ إِلَى الْبَيْتِ وَشَرَعْتُ أَلْعَبُ فِيهِ - عَلَى عَادَةِ الْأَطْفَال - فَنَهَتْنِي وَالِدَتِي - رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَتْنِي بِالنَّوْمِ؛ لِأَسْتَيْقِظَ صَبَاحًا فَأَذْهَبُ إِلَى الْكُتَّابِ، فَقُلْتُ لَهَا: غَدًا يُقْتَلُ الْوَزِيرُ وَلَا أَذْهَبُ إِلَى الْكُتَّابِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَكَادُ يَمُرُّ بِفِكْرٍ - فَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ وَأَنَامَتْنِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ تَأَهَّبْتُ لِلذَّهَابِ، فَجَاءَ ابْنُ أُخْتٍ لَهَا وَأَسَرَّ إِلَيْهَا كَلَامًا لَمْ أَسْمَعْهُ، فَتَغَيَّرَ حَالُهَا، وَمَنَعَتْنِي عَنِ الذَّهَابِ، وَلَا أَدْرِي لِمَ ذَلِكَ، فَأَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الدَّرْبِ لِأَلْعَبَ مَعَ أَمْثَالِي فَمَنَعَتْنِي أَيْضًا، فَقَعَدَتْ وَهِيَ مُضْطَرِبَةُ الْبَالِ، تَطْلُبُ أَحَدًا يُخْبِرُهَا عَنْ حَالِ وَالِدِي - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - حَيْثُ ذَهَبَ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الْمَدْرَسَةِ، فَخَرَجْتُ إِلَى الدَّرْبِ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهَا، فَوَجَدْتُ النَّاسَ بَيْنَ رَاكِضٍ وَمُسْرِعٍ يَتَحَدَّثُونَ بِأَنَّ الْوَزِيرَ قَتَلَهُ بَعْضُ خَدَمِهِ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهَا مُسْرِعًا مَسْرُورًا بِصِدْقِ كَلَامِي، وَكُنْتُ قَدْ أُنْسِيتُهُ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي حَتَّى سَمِعْتُ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ. وَفِي الْيَوَاقِيتِ وَالْجَوَاهِرِ لِلشَّعْرَانِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - فِي بَحْثِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالْكِهَانَةِ أَنَّ الْكِهَانَةَ كَلِمَاتٌ تَجْرِي عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ رُبَّمَا تُوَافِقُ وَرُبَّمَا تُخَالِفُ، وَفِيهِ شَمَّةٌ مِمَّا ذَكَرْنَا، هَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَالظَّاهِرُ - عَلَى مَا قِيلَ - أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ إِلَخْ كَلَامٌ مَسُوقٌ مِنْهُ تَعَالَى لِبَيَانِ تَنْزِيهِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَنْ يَكُونَ - وَحَاشَاهُ - مِمَّنْ تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ، وَإِبْطَالٌ لِقَوْلِهِمْ فِي الْقُرْآنِ إِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا يُلْقَى إِلَى الْكَهَنَةِ، وَفِي الْبَحْرِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ عَلَى مَعْنَى الْقَوْلِ، أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ إِلَخْ، وَهُوَ مَسُوقٌ لِلتَّنْزِيهِ وَالْإِبْطَالِ الْمَذْكُورَيْنِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية