الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَخْ، وَهُوَ رَدٌّ لِقَوْلِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: إِنَّ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَابِعًا مِنَ الْجِنِّ يُخْبِرُهُ كَمَا تُخْبَرُ الْكَهَنَةُ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ مِمَّا أَلْقَاهُ إِلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَالتَّعْبِيرُ بِالتَّفْعِيلِ؛ لِأَنَّ النُّزُولَ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ بِالِاسْتِرَاقِ التَّدْرِيجِيِّ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ السَّمَيْقَعِ «الشَّيَاطُونَ» فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ غَلَطٌ مِنَ الْحَسَنِ أَوْ عَلَيْهِ، وَقَالَ النَّحَّاسُ : هُوَ غَلَطٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ : هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : غَلِطَ الشَّيْخُ، ظَنَّ أَنَّهَا النُّونُ الَّتِي عَلَى هِجَائِينَ، وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : إِنْ جَازَ أَنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِ الْعَجَّاجِ وَرُؤْبَةَ فَهَلَّا جَازَ أَنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِ الْحَسَنِ وَصَاحِبِهِ، مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَمْ يَقْرَآ بِهِ إِلَّا وَقَدْ سَمِعَا فِيهِ، وَقَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ : سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: دَخَلْتُ بَسَاتِينَ مِنْ وَرَائِهَا بَسَاتُونَ، فَقُلْتُ: مَا أَشْبَهَ هَذَا بِقِرَاءَةِ الْحَسَنِ، انْتَهَى. وَوُجِّهَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ آخِرُهُ كَآخِرِ يَبْرِينَ وَفِلَسْطِينَ - وَقَدْ قِيلَ فِيهِمَا يَبْرُونَ وَفِلَسْطُونَ - أُجْرِيَ فِيهِ نَحْوُ مَا أُجْرِيَ فِيهِمَا، فَقِيلَ: الشَّيَاطُونَ. وَحُقُّهُ عَلَى هَذَا - عَلَى مَا فِي الْكَشَّافِ - أَنْ يُشْتَقَّ مِنَ الشَّيْطُوطَةِ وَهِيَ الْهَلَاكُ، وَفِي الْبَحْرِ - نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ - إِنْ كَانَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ شَاطَ - أَيِ: احْتَرَقَ - يَشِيطُ شَوْطَةً كَانَ لِقِرَاءَتِهِمَا وَجْهٌ، قِيلَ: وَوَجْهُهَا أَنَّ بِنَاءَ الْمُبَالَغَةِ مِنْهُ شَيَّاطٌ وَجَمْعُهُ الشَّيَاطُونَ فَخَفَّفَا الْيَاءَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا التَّشْدِيدُ، وَقَرَأَ بِهِ غَيْرُهُمَا. وَقَالَ بَعْضٌ: إِنَّهُ جَمْعُ شِيَاطٍ مَصْدَرِ شَاطَ (كَخَاطَ خِيَاطًا) كَأَنَّهُمَا رَدَّا الْوَصْفَ إِلَى الْمَصْدَرِ بِمَعْنَاهُ مُبَالَغَةً، ثُمَّ جَمَعَا وَالْكُلُّ كَمَا تَرَى، وَقَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ: لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْبَتَّةَ. وَقَدْ أَطْنَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ فِي تَصْحِيحِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالشَّيَاطُونَ غَلَطٌ، وَأَبُو حَيَّانَ لَا يَرْضَى بِكَوْنِهِ غَلَطًا وَيَقُولُ: قَرَأَ بِهِ الْحَسَنُ وَابْنُ السَّمَيْقَعِ وَالْأَعْمَشُ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: غَلِطُوا؛ لِأَنَّهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَنَقْلِ الْقُرْآنِ بِمَكَانٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مَتَى صَحَّ رَفْعُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِلَى هَؤُلَاءِ الْأَجِلَّةِ لَزِمَ تَوْجِيهُهَا؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ إِلَّا عَنْ رِوَايَةٍ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْقُرَّاءِ فِي جَمِيعِ مَا يَقْرَؤُنَهُ عِنْدَنَا، وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ بَعْضَ الْقِرَاءَاتِ بِالرَّأْيِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية