الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمِنْ بَابِ الْإِشَارَةِ فِي الْآيَاتِ: أَنَّهَا اِشْتَمَلَتْ عَلَى ثَلَاثَةِ إِنْفَاقَاتٍ مُتَفَاضِلَةٍ، الْأَوَّلُ: الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ إِنْفَاقٌ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ عَنْ مَقَامِ تَجَلِّي الْأَفْعَالِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ الخ، وَالثَّانِي: الْإِنْفَاقُ عَنْ مَقَامِ مُشَاهِدَةِ الصِّفَاتِ وَهُوَ الْإِنْفَاقُ لِطَلَبِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَمِنْ تَمْثِيلِهِ بِجَنَّةٍ يُعْلَمُ مِقْدَارُ فَضْلِهِ عَلَى الْأَوَّلِ الْمُمَثِّلِ بِحَبَّةٍ، وَلَعَلَّ فَضْلَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَفَضْلِ الْجَنَّةِ عَلَى الْحَبَّةِ، وَمِمَّا يَزِيدُ فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْجَنَّةَ مَعَ إِيتَاءِ أُكُلِهَا تَبْقَى بِحَالِهَا بِخِلَافِ الْحَبَّةِ، وَلِتَأْكِيدِ الْإِشَارَةِ إِلَى اِرْتِفَاعِ رُتْبَةِ هَذَا الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَوَّلِ أَتَى بِالرَّبْوَةِ وَهِيَ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَالثَّالِثُ: الْإِنْفَاقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ عَنْ مَقَامِ شُهُودِ الذَّاتِ وَهُوَ إِنْفَاقُ النَّفْسِ بَعْدَ تَزَكِّيهَا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَالنَّفْسُ مُكْتَسِبَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَجَزَاءُ الْإِنْفَاقِ الْأَوَّلِ الْإِضْعَافُ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ وَتَزِيدُ لِأَنَّ يَدَ الطُّولِ طَوِيلَةٌ، وَجَزَاءُ الثَّانِي الْجَنَّةُ الصِّفَاتِيَّةُ الْمُثْمِرَةُ لِلْإِضْعَافِ; وَجَزَاءُ الثَّالِثِ الْحِكْمَةُ اللَّازِمَةُ لِلْوُجُودِ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْبَذْلِ وَهِيَ الْخَيْرُ الْعَظِيمُ الْكَثِيرُ لِأَنَّهَا أَخَصُّ صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَصَاحِبُ هَذَا الْإِنْفَاقِ لَا يَزَالُ يُنْفِقُ مِنَ الْحِكَمِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعُلُومِ اللَّدُنْيَّةِ لِارْتِفَاعِ الْبَيْنِ وَشُهُودِ الْعَيْنِ وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ يُبْطِلُهُ الْمَنُّ وَالْأَذَى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ مَحْمُودًا لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: كَوْنُهُ مُوَافِقًا لِلْأَمْرِ وَهُوَ حَالٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَكَوْنُهُ مُزِيلًا لِرَذَائِلِ الْبُخْلِ وَهُوَ حَالٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُنْفِقِ نَفْسِهِ، وَكَوْنُهُ نَافِعًا مُرِيحًا وَهُوَ حَالٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ، فَإِذَا مَنَّ صَاحِبُهُ وَآذَى فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَتَى بِمَا يُنَافِي رَاحَةَ الْمُسْتَحِقِّ وَنَفْعِهِ وَظَهَرَتْ نَفْسُهُ بِالِاسْتِطَالَةِ وَالِاعْتِدَادِ وَالْعَجَبِ وَالِاحْتِجَابِ بِفِعْلِهَا وَرُؤْيَةِ النِّعْمَةِ مِنْهَا لَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُلُّهَا رَذَائِلُ أَرْدَأُ مِنَ الْبُخْلِ وَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ الْجَمِيلُ خَيْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ الْمَتْبُوعَةِ بِالْأَذَى بَلْ لَا نِسْبَةَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية