الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّ فِي ذَلِكَ أَيِ: الْإِنْبَاتِ أَوِ الْمَنْبَتِ لَآيَةً عَظِيمَةً دَالَّةً عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ شُؤُونِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَمَا أَلْطَفَ مَا قِيلَ فِي صَفِّ النَّرْجِسِ: تَأَمَّلْ فِي رِيَاضِ الْوَرْدِ وَانْظُرْ إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكُ عُيُونٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٌ عَلَى أَهْدَابِهَا ذَهَبٌ سَبِيكُ عَلَى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ قِيلَ: أَيْ: وَمَا كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ، وَاعْتُرِضَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ السِّيَاقِ الْعِلِّيَّةُ بِأَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى لَيْسَ عِلَّةً لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ لَا بِالْعَكْسِ، وَرُدَّ بِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ عِلْمِهِ تَعَالَى تَابِعًا لِلْمَعْلُومِ أَنَّ عِلْمَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأَزَلِ بِمَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ حَادِثٌ تَابِعٌ لِمَاهِيَّتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ خُصُوصِيَّةَ الْعِلْمِ وَامْتِيَازَهُ عَنْ سَائِرِ الْعُلُومِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ الْمَاهِيَّةِ، وَأَمَّا وُجُودُ الْمَاهِيَّةِ فِيمَا لَا يَزَالُ فَتَابِعٌ لِعِلْمِهِ تَعَالَى الْأَزَلِيِّ التَّابِعِ لِمَاهِيَّتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا عَلِمَهَا فِي الْأَزَلِ عَلَى هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ لَزِمَ أَنْ تَتَحَقَّقَ وَتُوجَدَ فِيمَا لَا يَزَالُ كَذَلِكَ، فَنَفْسُ مَوْتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَعَدَمُ إِيمَانِهِمْ مَتْبُوعٌ لِعِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ، وَوُقُوعُهُ تَابِعٌ لَهُ، وَنُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ إِنْ (كَانَ) صِلَةً وَالْمَعْنَى: (وَمَا أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) فَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ حَالِهِمْ فِي الْوَاقِعِ لَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى الْأَزَلِيِّ وَارْتَضَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: هُوَ الْأَنْسَبُ بِمَقَامِ بَيَانِ عُتُوِّهِمْ وَغُلُوِّهِمْ فِي الْمُكَابَرَةِ وَالْعِنَادِ مَعَ تَعَاقُدِ مُوجِبَاتِ الْإِيمَانِ مِنْ جِهَتِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأَمَّا نِسْبَةُ كُفْرِهِمْ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهَا كَوْنُهُمْ مَعْذُورِينَ فِيهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَيُحْتَاجُ حِينَئِذٍ إِلَى تَحْقِيقِ عَدَمِ الْعُذْرِ بِمَا يَخْفَى عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُتْقِنِينَ، وَالْمَعْنَى عَلَى الزِّيَادَةِ: وَمَا أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ عِظَمِ الْآيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْإِيمَانِ لِغَايَةِ تَمَادِيهِمْ فِي الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ وَانْهِمَاكِهِمْ فِي الْغَيِّ وَالْجَهَالَةِ. وَيَجُوزُ - عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ عَنْ بَعْضِ الْأَجِلَّةِ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ (كَانَ) لِلِاسْتِمْرَارِ وَاعْتُبِرَ بَعْدَ النَّفْيِ فَالْمُرَادُ اسْتِمْرَارُ نَفْيِ إِيمَانِ أَكْثَرِهِمْ مَعَ عِظَمِ الْآيَةِ الْمُوجِبَةِ لِإِيمَانِهِمْ، وَفِيهِ مِنْ تَقْبِيحِ حَالِهِمْ مَا فِيهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى - وَإِنْ تَأَتَّى عَلَى تَقْدِيرِ إِسْقَاطِ (كَانَ) بِأَنْ يُعْتَبَرَ الِاسْتِمْرَارُ الَّذِي تُفِيدُهُ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدَ النَّفْيِ أَيْضًا - إِلَّا أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الِاسْتِمْرَارَيْنِ بَعْدَ اعْتِبَارِ كَانَ قُوَّةً وَضَعْفًا، فَتَدَبَّرْ، وَنِسْبَةُ عَدَمِ الْإِيمَانِ إِلَى أَكْثَرِهِمْ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية