الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ لَهُ سُبْحَانَهُ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ لَا اسْتِقْلَالًا وَلَا اشْتِرَاكًا السُّلْطَانُ الْقَاهِرُ وَالِاسْتِيلَاءُ الْبَاهِرُ عَلَيْهِمَا الْمُسْتَلْزِمُ لِلْقُدْرَةِ التَّامَّةِ وَالتَّصَرُّفِ الْكُلِّيِّ فِيمَا إِيجَادًا وَإِعْدَامًا وَإِحْيَاءً وَإِمَاتَةً وَأَمْرًا وَنَهْيًا حَسْبَمَا تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْحُكْمِ وَالْمَصَالِحِ، وَمَحَلُّ الْمَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَا قَبْلِهَا أَوْ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الْأَوَّلِ أَوْ بَيَانٌ لَهُ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الصِّلَةِ وَمُتَعَلِّقٌ بِهَا فَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بِهِ بَيْنَ التَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَوْ مَحَلِّهِ الرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ عَلَى الْمَدْحِ بِتَقْدِيرٍ هُوَ أَوْ أَمْدَحُ. وَاخْتَارَ الطِّيبِيُّ أَنَّ مَحَلَّهُ الرَّفْعُ عَلَى الْإِبْدَالِ وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الصِّلَةِ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الْمُخَاطَبِ وَتَكُ الصِّلَةُ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً عِنْدَ الْمُعَانِدِينَ فَأَبْدِلْ ( الَّذِي لَهُ ) إِلَخْ بَيَانًا وَتَفْسِيرًا وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ مِثْلِهِ وَسُبْحَانَهُ مَنْ لَا يُعَابُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا أَيْ لَمْ يَنْزِلْ أَحَدٌ مَنْزِلَةَ الْوَلَدِ، وَقِيلَ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ كَمَا يَزْعُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ وَالْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مَا يَقُولُونَ فَسُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا قَبْلِهَا مِنَ الْجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ أَيْ مُلْكِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَفْرَدَ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنِ اخْتِصَاصِ مَلِكِهِمَا بِهِ تَعَالَى مُسْتَلْزِمٌ لَهُ قَطْعًا لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلَانِ زَعْمِ الثَّنَوِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ وَالرَّدِّ فِي نُحُورِهِمْ وَتَسَيُّطِ نَفْيِ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ بَيْنَهُمَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ وَأَصَالَتِهِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ تَوَهُّمٍ كَوْنُهُ تَتِمَّةً لِلْأَوَّلِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ أَحْدَثَهُ إِحْدَاثًا جَارِيًا عَلَى سُنَنِ التَّقْدِيرِ وَالتَّسْوِيَةِ حَسْبَمَا اقْتَضَتْهُ إِرَادَتُهُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ كَخِلْقَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَوَادٍّ مَخْصُوصَةٍ وَصُوَرٍ وَأَشْكَالٍ مُعَيَّنَةٍ فَقَدَّرَهُ أَيْ هَيَّأَهُ لِمَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ وَالْأَفْعَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ وَاسْتِنْبَاطِ الصَّنَائِعِ الْمُتَنَوِّعَةِ وَمُزَاوَلَةِ الْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا تَكْرَارَ فِي الْآيَةِ لِمَا ظَهَرَ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ الدَّالَّ عَلَيْهِ الْخَلْقُ بِمَعْنَى التَّسْوِيَةِ وَالْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِلَفْظِهِ بِمَعْنَى التَّهْيِئَةِ وَهُمَا غَيْرَانَ وَالْخَلْقُ عَلَى هَذَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ مَجَازًا بَلْ مَنْقُولًا عُرْفِيًّا فِي مَعْنَى الْإِحْدَاثِ وَالْإِيجَادُ غَيْرُ مُلَاحَظٍ فِيهِ التَّقْدِيرُ وَإِنْ لَمْ يَخْلُ عَنْهُ وَلِهَذَا صَحَّ التَّجَوُّزُ وَيَكُونُ التَّصْرِيحُ بِالتَّقْدِيرِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَقْصُودٌ بِالذَّاتِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ وَأَوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ فِي إِيجَادِهِ لَمْ يُوجِدْهُ مُتَفَاوِتًا بَلْ أَوْجَدَهُ مُتَنَاصِفًا مُتَنَاسِبًا، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ الثَّانِي هُوَ التَّقْدِيرُ لِلْبَقَاءِ إِلَى الْأَجَلِ الْمُسَمَّى فَكَأَنَّهُ قِيلَ وَأَوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى سُنَنِ التَّقْدِيرِ فَأَدَامَهُ إِلَى الْأَجَلِ الْمُسَمَّى وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مُخْتَارُ الزَّجَّاجِ وَهُوَ كَمَا فِي الْكَشْفِ أَظْهَرُ وَالْفَاءُ عَلَيْهِ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرْتِيبِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي الْكَلَامِ قَلْبًا وَهُوَ عَلَى مَا فِيهِ لَا يَدْفَعُ لُزُومَ التَّكْرَارِ بِدُونِ أَحَدِ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَجُمْلَةُ( خَلَقَ ) إِلَخْ عَطْفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى الثَّنَوِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ خَالِقَ الشَّرِّ غَيْرُ خَالِقِ الْخَيْرِ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ مَعْلُومًا مِمَّا تَقَدَّمَ لِأَنَّهَا تُفِيدُ فَائِدَةً جَدِيدَةً لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَقِيلَ: هِيَ رَدٌّ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ اعْتِقَادَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَفْعَالِ الْحَيَوَانَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ. وَفِي إِرْشَادِ الْعَقْلِ السَّلِيمِ أَنَّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الْعَلِيلِ لِمَا قَبْلِهَا مِنَ الْجُمَلِ الْمُنْتَظِمَةِ فِي سِلْكِ الصِّلَةِ فَإِنَّ خَلْقَهُ تَعَالَى لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ عَلَى النَّمَطِ الْبَدِيعِ كَمَا يَقْتَضِي اسْتِقْلَالَهُ تَعَالَى بِاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ يَقْتَضِي انْتِظَامَ كُلِّ مَا سِوَاهُ كَائِنًا مَا كَانَ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ الْقَاهِرِ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ كَوْنُهُ وَلَدًا لَهُ سُبْحَانَهُ أَوْ شَرِيكًا فِي مُلْكِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَوْطِئَةٌ وَتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَأَرْدَفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَا أَنَّ كَوْنَهُ سُبْحَانَهُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفَاطِرُهُمَا وَمَالِكُهُمَا مُنَافٍ لِاِتِّخَاذِ الْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ قَالَ تَعَالَى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ [الْأَنْعَامُ: 101] الْآيَةُ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ قَبْلُ لِيَكُونَ التَّشْنِيعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية