الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمِنْ بَابِ الْإِشَارَةِ فِي الْآيَاتِ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا كَيْدَ عَدُوِّهِمْ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الشَّيْطَانُ وَالنَّفْسُ ، وَصِدْقُ الْوَصْفَيْنِ عَلَيْهِمَا ظَاهِرٌ جِدًّا بَلْ لَا خَوَّانَ وَلَا كَفُورَ مِثْلُهُمَا الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ إِلَخْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَالِ أَهْلِ التَّمْكِينِ وَأَنَّهُمْ مَهْدِيُّونَ هَادُونَ فَلَا شَطْحَ عِنْدَهُمْ وَلَا يَضِلُّ أَحَدٌ بِكَلِمَاتِهِمْ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قِيلَ : فِي الْقَرْيَةِ الظَّالِمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى الْقَلْبِ الْغَافِلِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي الْبِئْرِ الْمُعَطَّلَةِ إِشَارَةٌ إِلَى الذِّهْنِ الَّذِي لَمْ يُسْتَخْرَجْ مِنْهُ الْأَفْكَارُ الصَّافِيَةُ ، وَفِي الْقَصْرِ الْمَشِيدِ إِشَارَةٌ إِلَى الْبَدَنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى حُجُرَاتِ الْقُوَى . فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى سُوءِ حَالِ الْمَحْجُوبِينَ الْمُنْكِرِينَ فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ أَنْوَارِ أَهْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ لَهُمْ أَنْوَارًا لَا تُرَى إِلَّا بِعَيْنِ الْقَلْبِ وَبِهَذِهِ الْعَيْنِ تُدْرَكُ حَقَائِقُ الْمُلْكِ وَدَقَائِقُ الْمَلَكُوتِ ، وَفِي الْحَدِيثِ «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ » وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْيَوْمِ وَانْقِسَامِهِ فَتَذَكَّرْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أَيْ سَتْرٌ عَنِ الْأَغْيَارِ مِنْ أَنْ يَقِفُوا عَلَى حَقِيقَتِهِمْ كَمَا يُشِيرُ مَا يَرْوُونَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ «أَوْلِيَائِي تَحْتَ قُبَابِي لَا يَعْرِفُهُمْ أَحَدٌ غَيْرِي » وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَهُوَ الْعِلْمُ اللَّدْنِيُّ الَّذِي بِهِ غِذَاءُ الْأَرْوَاحِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : رِزْقُ الْقُلُوبِ حَلَاوَةُ الْعِرْفَانِ وَرِزْقُ الْأَسْرَارِ مُشَاهَدَةُ الْجَمَالِ وَرِزْقُ الْأَرْوَاحِ مُكَاشَفَةُ الْجَلَالِ وَإِلَى هَذَا الرِّزْقِ يُشِيرُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ : «أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي » وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الْآيَاتِ عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ صِحَّةَ حَدِيثِ الْغَرَانِيقِ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فَنَاءً فِي إِرَادَةِ مَوْلَاهُ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَّا ابْتُلِيَ بِتَلْبِيسِ الشَّيْطَانِ لِيَتَأَدَّبَ وَلَا يَبْقَى ذَلِكَ التَّلْبِيسُ لِمُنَافَاتِهِ الْحِكْمَةَ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَنْ أَوْطَانِ الطَّبِيعَةِ فِي طَلَبِ الْحَقِيقَةِ ثُمَّ قُتِلُوا بِسَيْفِ الصِّدْقِ وَالرِّيَاضَةِ أَوْ مَاتُوا بِالْجَذْبَةِ عَنْ أَوْصَافِ الْبَشَرِيَّةِ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا هُوَ رِزْقُ دَوَامِ الْوَصْلَةِ كَمَا قِيلَ : أَوْ هُوَ كَالرِّزْقِ الْكَرِيمِ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى نَصْرِ السَّالِكِ الَّذِي عَاقَبَ نَفْسَهُ بِالْمُجَاهَدَةِ بَعْدَ أَنْ عَاقَبَتْهُ بِالْمُخَالَفَةِ ثُمَّ ظَلَمَتْهُ بِاسْتِيلَاءِ صِفَاتِهَا وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ أَخَذَ الصُّوفِيَّةُ مِنْهُ تَرْكَ الْجِدَالِ مَعَ الْمُنْكِرِينَ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجِدَالَ مَعَهُمْ عَبَثٌ كَالْجِدَالِ مَعَ الْعِنِّينِ فِي لَذَّةِ الْجِمَاعِ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ الْآيَةُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَمِّ الْمُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ إِذَا سَمِعُوا الْآيَاتِ الرَّادَّةَ عَلَيْهِمْ ظَهَرَ عَلَيْهِمُ التَّجَهُّمُ وَالْبُسُورُ وَهُمْ فِي زَمَانِنَا كَثِيرُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا إِلَخْ إِشَارَةٌ إِلَى ذَمِّ الْغَالِينَ فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ فِي الشِّدَّةِ غَافِلِينَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُنْذِرُونَ لَهُمُ النُّذُورَ وَالْعُقَلَاءُ مِنْهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّهُمْ وَسَائِلُنَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا نُنْذِرُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَجْعَلُ ثَوَابَهُ لِلْوَلِيِّ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُمْ فِي دَعْوَاهُمُ الْأُولَى أَشْبَهُ النَّاسِ بِعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ الْقَائِلِينَ إِنَّمَا نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ، وَدَعْوَاهُمُ الثَّانِيَةِ لَا بَأْسَ بِهَا لَوْ لَمْ يَطْلُبُوا مِنْهُمْ ذَلِكَ شِفَاءَ مَرِيضِهِمْ أَوْ رَدَّ غَائِبِهِمْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِمُ الطَّلَبُ ، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ : أَنْذِرُوا لِلَّهِ تَعَالَى وَاجْعَلُوا ثَوَابَهُ لِوَالِدَيْكُمْ فَإِنَّهُمْ أَحْوَجُ مِنْ أُولَئِكَ الْأَوْلِيَاءِ لَمْ يَفْعَلُوا ، وَرَأَيْتُ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَسْجُدُ عَلَى أَعْتَابِ حُجَرِ قُبُورِ الْأَوْلِيَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ التَّصَرُّفَ لَهُمْ جَمِيعًا فِي قُبُورِهِمْ لَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهِ حَسَبَ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ ، وَالْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ يَحْصُرُونَ التَّصَرُّفَ فِي الْقُبُورِ فِي أَرْبَعَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ وَإِذَا طُولِبُوا بِالدَّلِيلِ قَالُوا : ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْكَشْفِ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَجْهَلَهُمْ وَأَكْثَرَ افْتِرَائِهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْقُبُورِ وَيَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَعُلَمَاؤُهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّمَا تَظْهَرُ أَرْوَاحُهُمْ مُتَشَكِّلَةً وَتَطُوفُ حَيْثُ شَاءَتْ وَرُبَّمَا تَشَكَّلَتْ بِصُورَةِ أَسَدٍ أَوْ غَزَالٍ أَوْ نَحْوِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ سَلَفِ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ أَفْسَدَ هَؤُلَاءِ عَلَى النَّاسِ دِينَهُمْ وَصَارُوا ضُحَكَةً لِأَهْلِ الْأَدْيَانِ الْمَنْسُوخَةِ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَكَذَا لِأَهْلِ النِّحَلِ وَالدَّهْرِيَّةِ ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ . وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُجَاهَدَةِ ، وَمِنْهَا جِهَادُ النَّفْسِ وَهُوَ بِتَزْكِيَتِهَا بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَتَرْكِ الْحُظُوظِ ، وَجِهَادُ الْقَلْبِ بِتَصْفِيَتِهِ وَقَطْعِ تَعَلُّقِهِ عَنِ الْكَوْنَيْنِ ، وَجِهَادُ الرُّوحِ بِإِفْنَاءِ الْوُجُودِ ، وَقَدْ قِيلَ : وَجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسِ بِهِ ذَنْبٌ . وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ تَمَسَّكُوا بِهِ جَلَّ وَعَلَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ هُوَ مَوْلَاكُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَنِعْمَ الْمَوْلَى فِي إِفْنَاءِ وَجُودِكُمْ وَنِعْمَ النَّصِيرُ فِي إِبْقَائِكُمْ ، وَمَا أَعْظَمَ هَذِهِ الْخَاتِمَةَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَسُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ الْجُزْءُ السَّابِعَ عَشَرَ ، وَيَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْجُزْءُ الثَّامِنَ عَشَرَ ، وَأَوَّلُهُ سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية