الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ أَيْ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي سَبِيلِهِ سُبْحَانَهُ ، وَالْجِهَادُ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي مُدَافَعَةِ الْعَدُوِّ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ . مُجَاهَدَةُ الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ كَالْكُفَّارِ وَمُجَاهَدَةُ الشَّيْطَانِ وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ الظَّاهِرَةِ كَمَا يَشْعُرُ بِهِ مَا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ غُزَاةٌ فَقَالَ : «قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ قِيلَ وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ » وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ مُغْتَفَرٌ فِي مِثْلِهِ . وَالْمُرَادُ هُنَا عِنْدَ الضَّحَّاكِ جِهَادُ الْكُفَّارِ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ ، وَيَقْتَضِيَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مَدَنِيَّةً لِأَنَّ الْجِهَادَ إِنَّمَا أُمِرَ بِهِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ جِهَادُ الْهَوَى وَالنَّفْسِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ ضُرُوبَهُ الثَّلَاثَةَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي شَيْءٍ ، وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ مَا رَوَى جَمَاعَةٌ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَ الْآيَةَ وَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَاهِدُ فِي اللَّهِ تَعَالَى وَمَا ضَرَبَ بِسَيْفٍ ، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ جِهَادَ الْمُبْتَدِعَةِ وَالْفَسَقَةِ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءٌ أَيْضًا وَيَكُونُ بِزَجْرِهِمْ عَنِ الِابْتِدَاعِ وَالْفِسْقِ حَقَّ جِهَادِهِ أَيْ جِهَادًا فِيهِ حَقًّا فَقَدَّمَ حَقًّا وَأُضِيفَ عَلَى حَدِّ جَرْدِ قَطِيفَةٍ وَحُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ وَأُضِيفَ جِهَادٌ إِلَى ضَمِيرِهِ تَعَالَى عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ . وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ سَلِيمًا وَعَامِرًا . وَفِي الْكَشَّافِ الْإِضَافَةُ تَكُونُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَاخْتِصَاصٍ فَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ سُبْحَانَهُ وَمِنْ أَجْلِهِ صَحَّتْ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَنُصِبَ ( حَقَّ ) عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : إِنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ جِهَادًا حَقَّ جِهَادِهِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَعْرِفَةٌ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يَزْعُمُ أَنَّ الْإِضَافَةَ إِذَا كَانَتْ عَلَى الِاتِّسَاعِ لَا تُفِيدُ تَعْرِيفًا فَلَا يَتَعَرَّفُ بِهَا الْمُضَافُ وَلَا الْمُضَافُ إِلَيْهِ ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ بِأَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَخْشَى فِيهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَهِيَ مُحْكَمَةٌ . وَمَنْ قَالَ كَمُجَاهِدٍ وَالْكَلْبِيِّ : إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التَّغَابُنَ : 16] فَقَدْ أَرَادَ بِهَا أَنْ يُطَاعَ سُبْحَانَهُ فَلَا يُعْصَى أَصْلًا وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ «أَلَسْنَا كُنَّا نَقْرَأُ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَمَا جَاهَدْتُمْ فِي أَوَّلِهِ » ؟ قُلْتُ : بَلَى فَمَتَى هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : إِذَا كَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ الْأُمَرَاءَ وَبَنُو الْمُغِيرَةِ الْوُزَرَاءَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَذَكَرَهُ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ حُكْمُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ ، وَقَالَ النَّيْسَابُورِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ تَفْسِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَتْ مِنْ نَفْسِ الْقُرْآنِ إِلَّا لَتَوَاتَرَتْ وَهُوَ كَمَا تَرَى هُوَ اجْتَبَاكُمْ أَيْ هُوَ جَلَّ شَأْنُهُ اخْتَارَكُمْ لَا غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ عِلَّةِ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ فَإِنَّ الْمُخْتَارَ إِنَّمَا يَخْتَارُ مَنْ يَقُومُ بِخِدْمَتِهِ وَمِنْ قُرْبِهِ الْعَظِيمَ يَلْزَمُهُ دَفْعُ أَعْدَائِهِ وَمُجَاهَدَةُ نَفْسِهِ بِتَرْكِ مَا لَا يَرْضَاهُ فَفِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْمُقْتَضَى لِلْجِهَادِ ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ أَيْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجِهَادُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا مِنْ حَرَجٍ أَيْ ضِيقٌ بِتَكْلِيفِ مَا يَشْتَدُّ الْقِيَامُ بِهِ عَلَيْكُمْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُمْ عَنْهُ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَرْكِهِ حَيْثُ وُجِدَ الْمُقْتَضِي وَارْتَفَعَ الْمَانِعُ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إِشَارَةً إِلَى الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ بَعْضِ مَا أَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ بِهِ حَيْثُ شَقَّ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ » فَانْتِفَاءُ الْحَرَجِ عَلَى هَذَا بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالتَّرْخِيصِ فِي التَّرْكِ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ وَعَلَى الْأَوَّلِ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ ابْتِدَاءً ، وَقِيلَ : عَدَمُ الْحَرَجِ بِأَنْ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ مَخْرَجًا بِأَنْ رَخَّصَ لَهُمْ فِي الْمَضَايِقِ وَفَتَحَ عَلَيْهِمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَشَرَعَ لَهُمُ الْكَفَّارَاتِ فِي حُقُوقِهِ وَالْأُرُوشَ وَالدِّيَاتِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَعْمِيمَهُ لِلتَّوْبَةِ وَنَحْوِهَا خِلَافُ الظَّاهِرِ وَإِنْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا . وَفِي الْحَوَاشِي الشِّهَابِيَّةِ أَنَّ الظَّاهِرَ حَقُّ جِهَادِهِ تَعَالَى لِمَا كَانَ مُتَعَسَّرًا ذَيَّلَهُ بِهَذَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ لَا مَا يَلِيقُ بِهِ جَلَّ وَعَلَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ . وَذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَصْلُ قَاعِدَةِ الْمَشَقَّةِ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ وَهُوَ أَوْفَقُ بِالْوَجْهِ الثَّانِي فِيهَا . مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ نَفْيِ الْحَرَجِ بَعْدَ حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَسِعَ دِينُكُمْ تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أَبِيكُمْ أَوْ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي بِالدِّينِ وَنَحْوِهِ وَإِلَيْهِمَا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَالَ الْحَوْفِيُّ وَأَبُو الْبَقَاءِ : نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ بِتَقْدِيرِ اتَّبِعُوا أَوِ الْزَمُوا أَوْ نَحْوِهِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ كَمِلَّةِ أَبِيكُمْ ، وَالْمُرَادُ بِالْمِلَّةِ إِمَّا مَا يَعُمُّ الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ أَوْ مَا يَخُصُّ الْأُصُولَ فَتَأَمَّلْ وَلَا تَغْفُلْ ، ( وَإِبْرَاهِيمَ ) مَنْصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ أَيْضًا أَوْ مَجْرُورٌ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ ، وَجَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاهُمْ لِأَنَّهُ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَالْأَبِ لِأُمَّتِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاتِهِمُ الْأَبَدِيَّةِ وَوُجُودِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَدِّ بِهِ فِي الْآخِرَةِ أَوْ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْعَرَبِ كَانُوا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَغُلِّبُوا عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ مِلَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( هُوَ ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ وَسُفْيَانَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي بَعْدُ فِي الْآيَةِ وَقِرَاءَةِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ( اللَّهِ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ) أَيْ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَذَلِكَ فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَفِي هَذَا أَيْ فِي الْقُرْآنِ ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ، وَقِيلَ إِنَّهَا كَالْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَلِذَا لَمْ تُعْطَفْ ، وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ أَنَّ الضَّمِيرَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَظْهَرَهُ أَبُو حَيَّانَ لِلْقُرْبِ وَتَسْمِيَتُهُ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ مِنْ قَبْلُ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [الْبَقَرَةَ : 128] وَقَوْلُهُ هَذَا سَبَبٌ لِتَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ فِي هَذَا لِدُخُولِ أَكْثَرِهِمْ فِي الذُّرِّيَّةِ فَجُعِلَ مُسَمِّيًا لَهُمْ فِيهِ مَجَازًا ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَفِي جَوَازِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : الْمَعْنَى عَلَى هَذَا وَفِي هَذَا بَيَانُ تَسْمِيَتِهِ إِيَّاكُمْ بِهَذَا الِاسْمِ حَيْثُ حَكَى فِي الْقُرْآنِ مَقَالَتَهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : يُقَدَّرُ عَلَيْهِ وَسَمَّيْتُكُمْ فِي هَذَا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي كُلِّ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ . وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ التَّسْمِيَةَ بِالْمُسْلِمِينَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ . لِيَكُونَ الرَّسُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَكُمْ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِنَفْسِهِ اعْتِمَادًا عَلَى عِصْمَتِهِ وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِلَّا فَالْمَعْصُومُ يُطَالَبُ فِي الدُّنْيَا بِشَاهِدَيْنِ إِذَا ادَّعَى شَيْئًا لِنَفْسِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قِصَّةُ الْفَرَسِ وَشَهَادَةُ خُزَيْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ كُلُّ مَعْصُومٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ لَمَا احْتِيجَ إِلَى شَهَادَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْأُمَمِ حِينَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ فَيُنْكِرُونَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَرُدَّ أَنَّهُ يُؤْتَى بِالْأُمَمِ وَأَنْبِيَائِهِمْ فَيُقَالُ لَأَنْبِيَائِهِمْ : هَلْ بَلَّغْتُمْ أُمَمَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ بَلَّغْنَاهُمْ فَيُنْكِرُونَ فَيُؤْتَى بِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا فَتَقُولُ الْأُمَمُ لَهُمْ : مِنْ أَيْنَ عَرَفْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ : عَرَفْنَا ذَلِكَ بِإِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ النَّاطِقِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الصَّادِقِ أَوْ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ بِإِطَاعَةِ مَنْ أَطَاعَ وَعِصْيَانِ مَنْ عَصَى ، وَلَعَلَّ عِلْمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ بِتَعْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تُسَوِّغُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الشَّهَادَةَ ، وَكَوْنُ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ فِي الْبَرْزَخِ كُلَّ أُسْبُوعٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ إِذَا صَحَّ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِأَعْيَانِ ذَوِي الْأَعْمَالِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا أَشْكَلَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ ، وَحُذَيْفَةُ قَالَا : «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَعَرَفْتُهُمُ اخْتَلَجُوا دُونِي فَأَقُولُ : يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي فَيُقَالُ لِي : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ » وَرُبَّمَا أَشْكَلَ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ حَدِيثِ الْعَرْضِ سَوَاءٌ أَفَادَ الْعِلْمَ بِالْأَعْيَانِ أَمْ لَا ، وَإِذَا الْتَزَمَ صِحَّةَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَحْضِرْ أَعْمَالَ أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ حِينَ عَرَفَهُمْ فَقَالَ مَا قَالَ وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ- إِنَّكَ لَا تَدْرِي- إِلَخْ مُجَرَّدُ تَعْظِيمِ أَمْرِ مَا أَحْدَثُوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا نَفْيُ الْعِلْمِ بِهِ يَبْقَى مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِهِ طَائِعًا أَوْ عَاصِيًا فِي زَمَانِ حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ عِلْمٌ بِحَالِهِ أَصْلًا كَمَنْ آمَنَ وَمَاتَ وَلَمْ يَسْمَعْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَإِنَّ عَرْضَ الْأَعْمَالِ فِي حَقِّهِ لِمَ يَجِئْ فِي خَبَرٍ أَصْلًا ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُودِ شَخْصٍ كَذَلِكَ بِعِيدٌ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ أَعْمَالَ أُمَّتِهِ وَيَعْرِفُهُمْ وَاحِدًا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِذَا سَاغَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ ، وَالْآيَةُ لَا تَصْلُحُ دَلِيلًا لَهُ إِلَّا بِهَذَا التَّفْسِيرِ وَهُوَ مَحَلُّ الْبَحْثِ ، عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ . وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلطَّائِعِ وَالْعَاصِي مِنْ أُمَّتِهِ لِمَا أَنَّهُ يَحْضُرُ سُؤَالَهُمْ فِي الْقَبْرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا يُؤْذِنُ بِذَلِكَ مَا وَرَدَ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمَقْبُورِ : مَا تَقُولُ فِي هَذَا الَّذِي بُعِثَ إِلَيْكُمْ؟ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ يَسْتَدْعِي مُشَارًا إِلَيْهِ مَحْسُوسًا مُشَاهَدًا وَهُوَ كَمَا تَرَى ، وَاخْتَارَ بَعْضٌ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الْأُمَّةِ وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي وَقْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِمَ حَالَهُمْ مِنْ طَاعَةٍ وَعِصْيَانٍ ، وَالْخِطَابُ فِي ( عَلَيْكُمْ ) إِمَّا خَاصٌّ بِهِمْ أَوْ عَامٌّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ وَفِيهِ مَا فِيهِ فَتَدَبَّرْ ، وَقِيلَ عَلَى فِي ( عَلَيْكُمْ ) بِمَعْنَى اللَّامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [الْمَائِدَةَ : 3] فَالْمَعْنَى شَهِيدًا لَكُمْ ، وَالْمُرَادُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ تَزْكِيَتُهُ إِيَّاهُمْ إِذَا شَهِدُوا عَلَى الْأُمَمِ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ، وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَمَّاكُمْ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الضَّمِيرِ وَهِيَ لِلْعَاقِبَةِ عَلَى مَا قِيلَ ، وَقَالَ الْخَفَاجِيُّ : لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِهَا لِلتَّعْلِيلِ فَإِنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ حُكْمٌ بِإِسْلَامِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ وَهُوَ سَبَبٌ لِقَبُولِ شَهَادَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الدَّاخِلِ فِيهِمْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا وَقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْأُمَمِ وَفِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ . فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ أَيْ فَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ تَعَالَى لِمَا خَصَّكُمْ بِهَذَا الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ بِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ ، وَتَخْصِيصُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِالذِّكْرِ لِإِنَافَتِهِمَا وَفَضْلِهِمَا وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ أَيْ ثِقُوا بِهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ هُوَ مَوْلَاكُمْ نَاصِرُكُمْ وَمُتَوَلِّي أُمُورِكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ هُوَ إِذْ لَا مَثِيلَ لَهُ تَعَالَى فِي الْوِلَايَةِ وَالنُّصْرَةِ فَإِنَّ مَنْ تَوَلَّاهُ لَمْ يَضِعْ وَمَنْ نَصَرَهُ لَمْ يُخْذَلْ بَلْ لَا وَلِيَّ وَلَا نَاصِرَ فِي الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قُصَارَى الْكَمَالِ الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَتَحْقِيقُ مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ وَهُوَ وَرَاءُ التَّسْمِيَةِ وَالِاجْتِبَاءِ ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَوْلَاكُمْ تَتْمِيمًا لِلِاجْتِبَاءِ وَلَيْسَ بِذَاكَ هَذَا .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية