الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      يَا أَيُّهَا النَّاسُ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ لَكِنَّ الْخِطَابَ فِي ( تَدْعُونَ ) لِلْكُفَّارِ . وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ كَوْنَ الْخِطَابِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلْكُفَّارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى خُصُوصِ الْأَوَّلِ الثَّانِي ، وَقِيلَ هُوَ فِي الْأَوَّلِ لِلْمُؤْمِنِينَ نَادَاهُمْ سُبْحَانَهُ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ خَطَأَ الْكَافِرِينَ وَقِيلَ هُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَامٌّ وَأَنَّهُ فِي الثَّانِي كَمَا فِي قَوْلِكَ : أَنْتُمْ يَا بَنِي تَمِيمٍ قَتَلْتُمْ فُلَانًا وَفِيهِ بَحْثٌ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَيَعْقُوبُ وَهَارُونُ وَالْخَفَّافُ وَمَحْبُوبٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍ و «يَدْعُونَ » بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ كَمَا فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ قَرَأَ الْيَمَانِيُّ وَمُوسَى الْأَسْوَارِيُّ «يُدْعَوْنَ » بِالْيَاءِ مِنْ تَحْتُ أَيْضًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، وَالرَّاجِعُ لِلْمَوْصُولِ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ مَحْذُوفٌ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا أَيْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خَلْقِهِ مَعَ صِغَرِهِ وَحَقَارَتِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْقُدْرَةِ السِّيَاقُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أَيْ لِخَلْقِهِ فَإِنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ : لَنْ يَحْمِلَ الزَّيْدُونَ كَذَا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لِحَمْلِهِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ نَفْيُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَمْلِ ، وَقِيلَ جَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّفْيِ بِلَنْ فَإِنَّهَا مُفِيدَةٌ لِنَفْيٍ مُؤَكِّدٍ فَتَدُلُّ عَلَى مُنَافَاةٍ بَيْنَ الْمَنْفِيِّ وَهُوَ الْخَلْقُ وَالْمَنْفِيِّ عَنْهُ وَهُوَ الْمَعْبُودَاتُ الْبَاطِلَةُ فَتُفِيدُ عَدَمَ قُدْرَتِهَا عَلَيْهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنْ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مَعُونَةِ الْمَقَامِ أَيْضًا ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ فِي إِفَادَةِ لَنِ النَّفْيَ الْمُؤَكِّدَ خِلَافًا فَذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى إِفَادَتِهَا ذَلِكَ وَأَنَّ تَأْكِيدَ النَّفْيِ هُنَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ خَلْقَ الذُّبَابِ مِنْهُمْ مُسْتَحِيلٌ وَقَالَ فِي أُنْمُوذَجِهِ بِإِفَادَتِهَا التَّأْبِيدَ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ : هُوَ الصَّحِيحُ إِلَى عَدَمِ إِفَادَتِهَا ذَلِكَ وَهِيَ عِنْدَهُمْ أُخْتُ لَا لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِدُونِ دَلَالَةٍ عَلَى تَأْكِيدٍ أَوْ تَأْيِيدٍ وَأَنَّهُ إِذَا فُهِمَ فَهُوَ مِنْ خَارِجٍ وَبِوَاسِطَةِ الْقَرَائِنِ وَقَدْ يُفْهَمُ كَذَلِكَ مَعَ كَوْنِ النَّفْيِ بِلَا فَلَوْ قِيلَ هُنَا لَا يَخْلُقُونَ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لِفُهِمَ ذَلِكَ ، وَيَقُولُونَ فِي كُلِّ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لِمَدْعَاةِ : إِنَّ الْإِفَادَةَ فِيهِ مِنْ خَارِجٍ وَلَا يُسَلِّمُونَ أَنَّهَا مِنْهَا وَلَنْ يَسْتَطِيعَ إِثْبَاتَهُ أَبَدًا ، وَالِانْتِصَارُ لَهُ بِأَنْ سَيَفْعَلُ فِي قُوَّةٍ مُطْلَقَةٍ عَامَّةٍ وَلَنْ يَفْعَلَ نَقِيضَهُ فَيَكُونُ فِي قُوَّةِ الدَّائِمَةِ الْمُطْلَقَةِ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا بِإِفَادَةِ لَنِ التَّأْيِيدَ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى ، وَكَأَنَّ الَّذِي أَوْقَعَ الزَّمَخْشَرِيَّ فِي الْغَفْلَةِ فَقَالَ مَا قَالَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا لَا يَنْتَهِضُ دَلِيلًا شِدَّةُ التَّعَصُّبِ لِمَذْهَبِهِ الْبَاطِلِ وَاعْتِقَادِهِ الْعَاطِلِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَنَا مِنَ الْخِذْلَانِ ، وَالذُّبَابُ اسْمُ جِنْسٍ وَيُجْمَعُ عَلَى أَذِبَّةٍ وَذِبَّانٍ بِكَسْرِ الذَّالِ فِيهِمَا وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ ضَمُّهَا فِي ذُبَّانٍ أَيْضًا ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الذَّبِّ أَيِ الطَّرْدِ وَالدَّفْعِ أَوْ مِنَ الذَّبِّ بِمَعْنَى الِاخْتِلَافِ أَيِ الذَّهَابِ وَالْعَوْدِ وَهُوَ أَنْسَبُ بِحَالِ الذُّبَابِ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ حَتَّى قِيلَ : إِنَّهُ مَنْحُوتٌ مِنْ ذَبَّ آبَ أَيْ طُرِدَ فَرَجَعَ ، وَجَوَابُ ( لَوِ ) مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى شَرْطِيَّةٍ أُخْرَى مَحْذُوفَةٍ ثِقَةً بِدَلَالَةِ هَذِهِ عَلَيْهَا أَيْ لَوْ لَمْ يَجْتَمِعُوا لَهُ وَيَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ لَنْ يَخْلُقُوهُ وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ لَنْ يَخْلُقُوا وَهُمَا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ كَأَنَّهُ قِيلَ : لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمُ : الْوَاوُ لِلْحَالِ وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ بِجَوَابِهِ حَالٌ ، وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ ( لَوِ ) هُنَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ لِأَنَّهَا انْسَلَخَتْ عَنْ مَعْنَى الشَّرْطِيَّةُ وَتَمَحَّضَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ ، وَالْمَعْنَى لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا مَفْرُوضًا اجْتِمَاعُهُمْ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا بَيَانٌ لِعَجْزِهِ عَنْ أَمْرٍ آخَرَ دُونَ الْخَلْقِ أَيْ وَإِنْ يَأْخُذِ الذُّبَابُ مِنْهَا شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ أَيْ لَا يَقْدِرُوا عَلَى اسْتِنْقَاذِهِ مِنْهُ مَعَ غَايَةِ ضَعْفِهِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْتَنْقَذَ بِمَعْنَى نَقَذَ ، وَفِي الْآيَةِ مِنْ تَجْهِيلِهِمْ فِي إِشْرَاكِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى الْقَادِرِ عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ الْمُتَفَرِّدِ بِإِيجَادِ كَافَّةِ الْمَوْجُودَاتِ عَجْزٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ أَقَلِّ الْأَحْيَاءِ وَأَذَلِّهَا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَلَا عَلَى اسْتِنْقَاذِ مَا يَخْتَطِفُهُ مِنْهُمْ مَا لَا يَخْفَى ، وَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ نَازِلَةً فِي الْأَصْنَامِ فَقَدْ كَانُوا كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَطْلُونَهَا بِالزَّعْفَرَانِ وَرُءُوسَهَا بِالْعَسَلِ وَيُغْلِقُونَ عَلَيْهَا فَيَدْخُلُ الذُّبَابُ مِنَ الْكُوَى فَيَأْكُلُهُ ، وَقِيلَ : كَانُوا يُضَمِّخُونَهَا بِأَنْوَاعِ الطِّيبِ فَكَانَ الذُّبَابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ لِسَائِرِ الْمَعْبُودَاتِ الْبَاطِلَةِ . ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ تَذْيِيلٌ لِمَا قَبْلُ إِخْبَارٌ أَوْ تَعَجُّبٌ وَالطَّالِبُ عَابِدُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَطْلُوبُ الْآلِهَةُ كَمَا رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ وَكَوْنُ عَابِدِ ذَلِكَ طَالِبًا لِدُعَائِهِ إِيَّاهُ وَاعْتِقَادِهِ نَفْعَهُ ، وَضَعْفُهُ لِطَلَبِهِ النَّفْعُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ ، وَكَوْنُ الْآخَرِ مَطْلُوبًا ظَاهِرًا كَضَعْفِهِ ، وَقِيلَ الطَّالِبُ الذُّبَابُ يَطْلُبُ مَا يَسْلُبُهُ عَنِ الْآلِهَةِ وَالْمَطْلُوبُ الْآلِهَةُ عَلَى مَعْنَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ مَا يَسْلُبُ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الطَّالِبَ الْأَصْنَامُ وَالْمَطْلُوبَ الذُّبَابُ ، وَفِي هَذَا التَّذْيِيلِ حِينَئِذٍ إِيهَامُ التَّسْوِيَةِ وَتَحْقِيقُ أَنَّ الطَّالِبَ أَضْعَفُ لِأَنَّهُ قَدَّمَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْخَلْقَ الْأَقَلَّ هُوَ السَّالِبُ وَذَلِكَ طَالِبٌ خَابَ عَنْ طِلْبَتِهِ وَلَمَّا جَعَلَ السَّلْبَ الْمَسْلُوبَ لَهُمْ وَأَجَرَاهُمْ مَجْرَى الْعُقَلَاءِ أَثْبَتَ لَهُمْ طَلَبًا وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُمْ أَضْعَفُ مَنْ أَذَلِّ الْحَيَوَانَاتِ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَكَانِ التَّهَكُّمِ بِذَلِكَ ، وَمِنَ النَّاسِ مَنِ اخْتَارَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِالسِّيَاقِ إِذْ هُوَ لِتَجْهِيلِهِمْ وَتَحْقِيرِ آلِهَتِهِمْ فَنَاسَبَ إِرَادَتَهُمْ وَآلِهَتَهُمْ مِنْ هَذَا التَّذْيِيلِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية