الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      جَنَّاتِ عَدْنٍ بَدَلٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَدَلُ الْبَعْضِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهَا اشْتِمَالَ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ بِنَاءً عَلَى مَا قِيلَ : إِنَّ جَنَّاتِ عَدْنٍ عَلَمٌ لِإِحْدَى الْجَنَّاتِ الثَّمَانِ كَعَلَمِيَّةِ بَنَاتِ أَوْبَرَ . وَقِيلَ : إِنَّ الْعَلَمَ هُوَ جَنَّةُ عَدْنٍ إِلَّا أَنَّهُ أُقِيمَ الْجُزْءُ الثَّانِي بَعْدَ حَذْفِ الْأَوَّلِ مَقَامَ الْمَجْمُوعِ كَمَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَرَمَضَانَ فَكَانَ الْأَصْلُ جَنَّاتِ جَنَّةِ عَدْنٍ . وَالَّذِي حَسَّنَ هَذِهِ الْإِقَامَةَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَلَمِيَّتُهُ فِي الْمَنْقُولِ الْإِضَافِيِّ هُوَ الْجُزْءُ الثَّانِي حَتَّى كَأَنَّهُ نُقِلَ وَحْدَهُ كَمَا قُرِّرَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كُتُبِ النَّحْوِ الْمُفَصَّلَةِ . وَفِي الْكَشْفِ إِذَا كَانَتِ التَّسْمِيَةُ بِالْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ جَعَلُوا الْمُضَافَ إِلَيْهِ فِي نَحْوِهِ مُقَدَّرَ الْعَلَمَيَّةِ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي كَلَامِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ الْإِضَافَةُ إِلَى الْأَعْلَامِ وَالْكُنَى فَإِذَا أَضَافُوا إِلَى غَيْرِهَا أَجْرَوْهُ مَجْرَاهَا كَأَبِي تُرَابٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ إِدْخَالَ اللَّامِ فِي ابْنِ دَايَةَ وَأَبِي تُرَابٍ وَيُوجِبُونَهُ فِي نَحْوِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَمَاءِ السَّمَاءِ، كُلُّ ذَلِكَ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ لَا يُغَيَّرُ مِنْ حَالِهِ كَالْعَلَمِ إِلَى آخِرِ مَا فِيهِ . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَنْعُهُ مِنَ الصَّرْفِ فِي بَنَاتِ أَوْبَرَ وَأَبِي قَتَرَةَ وَابْنِ دَايَةَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَجَنَّاتُ عَدْنٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعْرِفَةٌ أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِلْعَلَمِيَّةِ ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَلِلْإِضَافَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْنٌ فِي الْأَصْلِ عَلَمًا وَلَا مَعْرِفَةً بَلْ هُوَ مَصْدَرُ عَدَنَ بِالْمَكَانِ يَعْدِنُ وَيَعْدُنَ أَقَامَ بِهِ . وَاعْتِبَارُ كَوْنِ عَدْنٍ قَبْلَ التَّرْكِيبِ عَلَمًا لِإِحْدَى الْجَنَّاتِ يَسْتَدْعِي أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ فِي ( جَنَّةِ عَدْنٍ ) مِنْ إِضَافَةِ الْأَعَمِّ مُطْلَقًا إِلَى الْأَخَصِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنَ الْجَنَّةِ الْمَكَانُ الْمَعْرُوفُ لَا الْأَشْجَارُ وَنَحْوُهَا وَهِيَ لَا تَحْسُنُ مُطْلَقًا بَلْ مِنْهَا حَسَنٌ كَشَجَرِ الْأَرَاكِ وَمَدِينَةِ بَغْدَادَ وَمِنْهَا قَبِيحٌ كَإِنْسَانِ زَيْدٍ وَلَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا الذَّوْقُ وَهُوَ غَيْرُ مَضْبُوطٍ . وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ ( عَدْنٌ ) عَلَمًا لِلْعَدْنِ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ كَسِحْرٍ عَلَمٌ لِلسِّحْرِ وَأَمْسُ لِلْأَمْسِ وَتَعْرِيفُ ( جَنَّاتٍ ) عَلَيْهِ ظَاهِرٌ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا قَالُوا تَصْحِيحًا لِلْبَدَلِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ التَّعْرِيفُ لَزِمَ إِبْدَالُ النَّكِرَةِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ عَلَى رَأْيِ الْقَائِلِ لَا يَجُوزُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً وَلِلْوَصْفِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ وَجَوَّزَ أَبُو حَيَّانَ اعْتِبَارَ جَنَّاتِ عَدْنٍ نَكِرَةً عَلَى مَعْنَى جَنَّاتِ إِقَامَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ وَقَالَ : إِنَّ دَعْوَى أَنَّ عَدْنًا عَلَمٌ لِمَعْنَى الْعَدْنِ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ وَسَمَاعٍ مِنَ الْعَرَبِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِمَّا يُوهِمُ اقْتِضَاءَ الْبِنَاءِ . وَكَذَا دَعْوَى الْعَلَمِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ فِيهِ . وَعَدَمُ جَوَازِ إِبْدَالِ النَّكِرَةِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ إِلَّا مَوْصُوفَةً شَيْءٌ قَالَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِالسَّمَاعِ . وَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ جَوَازُ الْإِبْدَالِ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ : يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي إِبْدَالِ النَّكِرَةِ فَائِدَةٌ لَا تُسْتَفَادُ مِنَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ الْبَدَلِيَّةُ لِجَوَازِ النَّصْبِ عَلَى الْمَدْحِ ، وَكَذَا لَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الْمَوْصُولِ صِفَةً لِجَوَازِ الْإِبْدَالِ ا هـ بِأَدْنَى زِيَادَةٍ . وَتُعُقِّبَ إِبْدَالُ الْمَوْصُولِ بِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُشْتَقِّ . وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ إِبْدَالَ الْمُشْتَقِّ ضَعِيفٌ . وَلَعَلَّ أَبَا حَيَّانَ لَا يُسَلِّمُ ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ جَوَّزَ كَوْنَ جَنَّاتِ عَدْنٍ بَدَلَ كُلٍّ . وَكَذَا جَوَّزَ كَوْنَهُ عَطْفَ بَيَانٍ . وَجُمْلَةُ ( لَا يُظْلَمُونَ ) عَلَى وَجْهَيِ الْبَدَلِيَّةِ . وَالْعَطْفُ اعْتِرَاضٌ أَوْ حَالٌ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو حَيْوَةَ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَالْأَعْمَشُ وَأَحْمَدُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِي عَمْرٍو (جَنَّاتُ عَدْنٍ) بِالرَّفْعِ ، وَخَرَّجَهُ أَبُو حَيَّانَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ تِلْكَ جَنَّاتٌ ، وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ الْمَوْصُولُ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ ( جَنَّةَ عَدْنٍ ) بِالنَّصْبِ وَالْإِفْرَادِ، وَرُوِيَتْ عَنِ الْأَعْمَشِ وَهِيَ كَذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ . وَقَرَأَ الْيَمَانِيُّ وَالْحَسَنُ فِي رِوَايَةٍ وَإِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ عَنْ حَمْزَةِ ( جَنَّةُ عَدْنٍ ) بِالرَّفْعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْعَائِدُ إِلَى الْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أَيْ وَعَدَهَا الرَّحْمَنُ ، وَالتَّعَرُّضُ لِعُنْوَانِ الرَّحْمَةِ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ وَعْدَهَا وَإِنْجَازَهُ لِكَمَالِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : (بِالْغَيْبِ) لِلْمُلَابَسَةِ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هُوَ حَالٌ مِنَ الْعَائِدِ أَوْ مِنْ (عِبَادَهُ) أَيْ : وَعَدَهَا إِيَّاهُمْ مُلْتَبِسَةً أَوْ مُلْتَبِسِينَ بِالْغَيْبِ أَيْ غَائِبَةً عَنْهُمْ غَيْرَ حَاضِرَةٍ أَوْ غَائِبِينَ عَنْهَا لَا يَرَوْنَهَا أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَعْدٍ أَيْ وَعَدَهَا إِيَّاهُمْ بِسَبَبِ تَصْدِيقِ الْغَيْبِ وَالْإِيمَانِ بِهِ ، وَقِيلَ : هِيَ صِلَةُ ( عِبَادَهُ ) عَلَى مَعْنَى الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ سُبْحَانَهُ بِالْغَيْبِ أَيْ فِي السِّرِّ وَهُوَ كَمَا تَرَى (إِنَّهُ) أَيِ : الرَّحْمَنَ ، وَجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلشَّانِّ كَانَ وَعْدُهُ أَيْ : مَوْعُودُهُ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْجَنَّاتُ كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَوْ مَوْعُودُهُ كَائِنًا مَا كَانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا ذُكِرَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا كَمَا قِيلَ ، وَجُوِّزَ إِبْقَاءُ الْوَعْدِ عَلَى مَصْدَرِيَّتِهِ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ لِلْمُبَالَغَةِ . وَالتَّعْبِيرُ بِكَانَ لِلْإِيذَانِ بِتَحَقُّقِ الْوُقُوعِ أَيْ كَانَ ذَلِكَ (مَأْتِيًّا) أَيْ يَأْتِيهِ مِنْ وَعْدٍ لَهُ لَا مَحَالَةَ ، وَقِيلَ : (مَأْتِيًّا) مَفْعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَيْ آتِيًا ، وَقِيلَ : هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَتَى إِلَيْهِ إِحْسَانًا أَيْ فَعَلَ بِهِ مَا يُعَدُّ إِحْسَانًا وَجَمِيلًا وَالْوَعْدُ عَلَى ظَاهِرِهِ . وَمَعْنَى كَوْنِهِ مَفْعُولًا كَوْنُهُ مُنْجَزًا لِأَنَّ فِعْلَ الْوَعْدِ بَعْدَ صُدُورِهِ وَإِيجَادِهِ إِنَّمَا هُوَ تَنْجِيزُهُ أَيْ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ عِبَادَهُ مُنْجَزًا

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية