الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَلَا تَقْفُ وَلَا تَتَّبِعْ، وَأَصْلُ مَعْنَى قَفَا اتَّبَعَ قَفَاهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مُطْلَقِ الِاتِّبَاعِ وَصَارَ حَقِيقَةً فِيهِ. وَقُرِئَ: «وَلَا تَقْفُوا» بِإِثْبَاتِ حَرْفِ الْعِلَّةِ مَعَ الْجَازِمِ وَهُوَ شَاذٌّ، وَقُرِئَ أَيْضًا: «وَلَا تَقُفْ» بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ كَتَقُلْ عَلَى أَنَّهُ أَجْوَفُ مَجْزُومٌ بِالسُّكُونِ وَمَاضِيهِ قَافَ؛ يُقَالُ: قَافَ أَثَرَهُ يَقُوفُهُ إِذَا قَصَّهُ وَاتَّبَعَهُ، وَمِنْهُ الْقِيَافَةُ، وَأَصْلُهَا مَا يُعْلَمُ مِنَ الْإِقْدَامِ وَأَثَرِهَا، وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ قَافَ مَقْلُوبُ قَفَا كَجَذَبَ وَجَبَذَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ. مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أَيْ: لَا تَتْبَعْ مَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى النَّهْيِ عَنِ الْحُكْمِ بِمَا لَا يَكُونُ مَعْلُومًا وَيَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ أُمُورٌ. وَكُلٌّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ اقْتَصَرَ عَلَى شَيْءٍ؛ فَقِيلَ: الْمُرَادُ نَهْيُ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْقَوْلِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ تَقْلِيدًا لِلْأَسْلَافِ وَاتِّبَاعًا لِلْهَوَى، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْقَذْفِ وَرَمْيِ الْمُحْصَنِينَ وَالْمُحْصَنَاتِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْكُمَيْتِ: وَلَا أَرْمِي الْبَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَلَا أَقْفُو الْحَوَاصِنَ إِنْ رُمِينَا وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: «مَنْ قَفَا مُؤْمِنًا بِمَا لَيْسَ فِيهِ - يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ - حَبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ». وَقِيلَ: الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْكَذِبِ، أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ: لَا تَقُلْ: سَمِعْتُ وَلَمْ تَسْمَعْ وَرَأَيْتُ وَلَمْ تَرَ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ الْعُمُومَ قَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْيِيدِ، وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ نُفَاةُ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ قَفْوٌ لِلظَّنِّ وَحُكْمٌ بِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الْحُكْمِ بِالظَّنِّ وَالْعَمَلِ بِهِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ فَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَتَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ مَظْنُونٌ، وَالتَّوَجُّهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاجْتِهَادِ بِأَمَارَاتٍ لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ وَأَكْلُ الذَّبِيحَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا ذَبِيحَةٌ مُسَلَّمٌ وَهُوَ مَظْنُونٌ وَالشَّهَادَةُ فَإِنَّهَا ظَنِّيَّةُ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ فَإِنَّهَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا إِلَّا الظَّنُّ، وَمَنْ نَظَرَ وَلَوْ بِمُؤَخَّرِ الْعَيْنِ رَأَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْأَسْفَارِ وَطَلَبِ الْأَرْبَاحِ وَالْمُعَامَلَاتِ إِلَى الْآجَالِ الْمَخْصُوصَةِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى صَدَاقَةِ الْأَصْدِقَاءِ وَعَدَاوَةِ الْأَعْدَاءِ كُلُّهَا مَظْنُونَةٌ. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ». فَالنَّهْيُ عَنِ اتِّبَاعِ مَا لَيْسَ بِعِلْمٍ قَطْعِيٍّ مَخْصُوصٌ بِالْعَقَائِدِ وَبِأَنَّ الظَّنَّ قَدْ يُسَمَّى عِلْمًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِإِيمَانِهِنَّ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِقْرَارِهِنَّ وَهُوَ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَبِأَنَّ الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ لَمَّا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ ظَنٌّ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُسَاوِي حُكْمَهُ فِي مَحَلِّ النَّصِّ فَأَنْتُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْعَمَلِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الظَّنِّ فَهَا هُنَا الظَّنُّ وَاقِعٌ فِي طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَأَمَّا ذَلِكَ الْحُكْمُ فَهُوَ مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ. وَأَجَابَ النُّفَاةُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ( لَا تَقْفُ ) الْآيَةَ. عَامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ فِيمَا يَذْكُرُونَ فِيهِ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ فَيَبْقَى الْعُمُومُ فِيمَا وَرَاءَهُ عَلَى أَنَّ بَيْنَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنَ الصُّوَرِ وَبَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَرْقًا لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَوَّلِ مُخْتَصَّةٌ بِأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ فَالتَّنْصِيصُ عَلَى ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ فَاكْتُفِيَ بِالظَّنِّ لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ الثَّانِي؛ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُثْبَتَةَ بِالْأَقْيِسَةِ كُلِّيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَقَائِعَ كُلِّيَّةٍ وَهِيَ مَضْبُوطَةٌ وَالتَّنْصِيصُ عَلَيْهَا مُمْكِنٌ فَلَمْ يَجُزِ الِاكْتِفَاءُ فِيهَا بِالظَّنِّ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ مِمَّا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَالْمُؤْمِنُ هُوَ الْمُقِرُّ وَذَلِكَ الْإِقْرَارُ هُوَ الْعِلْمُ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ تَسْمِيَةُ الظَّنِّ عِلْمًا، وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ حُجِّيَّةُ الْقِيَاسِ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ وَلَيْسَ فَلَيْسَ، وَأَحْسَنُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَوَابِ عَلَى مَا قَالَ الْإِمَامُ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْآيَةِ تَمَسُّكٌ بِعَامٍّ مَخْصُوصٍ وَهُوَ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ فَلَوْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّنِّ غَيْرُ جَائِزٍ لَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهَا غَيْرُ جَائِزٍ فَالْقَوْلُ بِحُجِّيَّتِهَا يُفْضِي إِلَى نَفْيِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلِلْمُجِيبِ أَنْ يَقُولَ: نَعْلَمُ بِالتَّوَاتُرِ الظَّاهِرِ مِنْ دِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ حُجَّةٌ فِي الشَّرِيعَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ كَوْنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ حُجَّةً غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالتَّوَاتُرِ فَتَأَمَّلْ. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ أَيْ: كُلُّ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَأُشِيرَ إِلَيْهَا بِأُولَئِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْعُقَلَاءِ تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَتَهُمْ لَمَّا كَانَتْ مَسْؤُولَةً عَنْ أَحْوَالِهَا شَاهِدَةً عَلَى أَصْحَابِهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا غَالِبَةٌ فِي الْعُقَلَاءِ وَجَاءَتْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا اسْمُ جَمْعٍ؛ لِذَا وَهُوَ يَعُمُّ الْقَبِيلَيْنِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ عَلَى مَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ: ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللَّوَى وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَى التَّنْزِيلِ وَارْتِكَابِ الِاسْتِعَارَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا كُلُّ الضَّمَائِرِ ضَمَائِرُ «كَلُّ» أَيْ: كَانَ كُلٌّ مِنْ ذَلِكَ مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلِ اسْتَعْمَلَكَ صَاحِبُكَ فِيمَا خُلِقْتَ لَهُ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ بَعْدَ جَعْلِهِ أَهْلًا لِلْخِطَابِ وَالسُّؤَالِ. وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ «عَنْهَ» لِكُلٍّ، وَمَا عَدَاهُ لِلْقَافِي فَهُنَاكَ الْتِفَاتٌ؛ إِذِ الظَّاهِرُ: كُنْتُ عَنْهُ مَسْؤُولًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «عَنْهَ» نَائِبُ فَاعِلِ «مَسْؤُولًا» فَهُوَ مُسْنَدٌ إِلَيْهِ وَلَا ضَمِيرَ فِيهِ نَحْوَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ . وَرَدَّهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْقَائِمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ حُكْمُهُ حُكْمُهُ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى عَامِلِهِ كَأَصْلِهِ. وَذُكِرَ أَنَّهُ حَكَى ابْنُ النَّحَّاسِ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقْدِيمِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْفَاعِلِ إِذَا كَانَ جَارًّا وَمَجْرُورًا فَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ فِي تَجْوِيزِهِمْ تَقْدِيمَ الْفَاعِلِ إِلَّا أَنْ يُنَازَعَ فِي صِحَّةِ الْحِكَايَةِ، وَنُقِلَ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ تَقْدِيمُ «عَنْهُ» مَعَ أَنَّهُ فَاعِلٌ لَمْحًا لِأَصَالَةِ ظَرْفِيَّتِهِ لَا لِعُرُوضِ فَاعِلِيَّتِهِ وَلِأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يَتَقَدَّمُ لِالْتِبَاسِهِ بِالْمُبْتَدَأِ وَلَا الْتِبَاسَ هَاهُنَا وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَاعِلٍ حَقِيقَةً اه. وَالْإِنْصَافُ أَنَّهُ مَعَ هَذَا لَا يُقَالُ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ شَيْخُ الْعَرَبِيَّةِ إِنَّهُ غَلَطٌ. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ نَحْوِ الْمِفْتَاحِ أَنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظَّاهِرُ، وَجُوِّزَ إِخْلَاءُ الْمُفَسِّرِ عَنِ الْفَاعِلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا مُعَلَّلًا بِأَصَالَةِ الْفِعْلِ فِي رَفْعِ الْفَاعِلِ فَلَا يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنْهُ بِخِلَافِ اسْمَيِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ تَشْبِيهًا بِالْجَوَامِدِ. وَتَعَقَّبَهُ فِي الْكَشْفِ بِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا نَقْلًا وَقِيَاسًا أَمَا الْأَوَّلُ فَلِتَفَرُّدِهِ بِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِذَا جَرَى عَلَى شَيْءٍ لَا بُدَّ مِنْ عَائِدٍ إِلَيْهِ لِيَرْتَبِطَ بِهِ وَيَكُونُ هُوَ الذَّاتَ الْقَائِمَ هُوَ بِهَا إِنْ كَانَ فَاعِلًا أَوْ مُلَابِسًا لِتِلْكَ الذَّاتِ وَلَيْسَ كَالْجَوَامِدِ فِي ارْتِبَاطِهَا بِالسَّوَابِقِ بِنَفْسِ الْحَمْلِ لِأَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مُتَعَلِّقٍ بِذَاتٍ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: حُذِفَ الْجَارُّ وَاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ بَعْدَهُ فِي الصِّفَةِ، وَقَدْ سَمِعْتُ عَنْ قُرْبٍ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ وَأَنَّهُ شَائِعٌ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ «مَسْؤُولًا» الْمَصْدَرَ وَهُوَ السُّؤَالُ وَ «عَنْهُ» فِي مَحَلِّ النَّصْبِ. وَسَأَلَ ابْنُ جِنِّيٍّ أَبَا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِمْ: فِيكَ يَرْغَبُ وَقَالَ: لَا يَرْتَفِعُ بِمَا بَعْدَهُ فَأَيْنَ الْمَرْفُوعُ؟ فَقَالَ: الْمَصْدَرُ أَيْ فِيكَ يَرْغَبُ الرَّغَبُ بِمَعْنَى تُفْعَلُ الرَّغْبَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: يُعْطِي يَمْنَعُ أَيْ: يَفْعَلُ الْإِعْطَاءَ وَالْمَنْعَ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ كَانَ أَوْ فَاعِلُهُ ضَمِيرَ «كُلُّ» مَحْذُوفَ الْمُضَافِ، أَيْ كَانَ صَاحِبُهُ عَنْهُ مَسْؤُولًا أَوْ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا صَاحِبُهُ فَيُقَالُ لَهُ: لِمَ اسْتَعْمَلْتَ السَّمْعَ فِيمَا لَا يَحِلُّ وَلِمَ صَرَفْتَ الْبَصَرَ إِلَى كَذَا وَالْفُؤَادَ إِلَى كَذَا؟ وَقَرَأَ الْجَرَّاحُ الْعُقَيْلِيُّ «وَالْفُوَادَ» بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ وَاوًا، وَتَوْجِيهِهَا أَنَّهُ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ وَاوًا لِوُقُوعِهَا مَعَ ضَمَّةٍ فِي الْمَشْهُورِ ثُمَّ فُتِحَتِ الْفَاءُ تَخْفِيفًا وَهِيَ لُغَةٌ فِي ذَلِكَ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِنْكَارِ أَبِي حَاتِمٍ لَهَا، وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُؤَاخَذُ بِفِعْلِ الْقَلْبِ كَالتَّصْمِيمِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْأَدْوَاءِ الْقَلْبِيَّةِ كَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْعُجْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، نَعَمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْهَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَصْمِيمٍ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ يَكُونُ كَبِيرَةً وَيَكُونُ صَغِيرَةً حَسَبَ أَنْوَاعِهِ وَأَصْنَافِهَا وَمِنْهُ مَا هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ كَمَا لَا يَخْفَى. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَعْصِمَنَا عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية