الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ إِلَخْ أَيْ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ كَافِرٌ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ كَالْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي وَالْمُجَاهِدِ لِلْغَنِيمَةِ وَالذِّكْرِ وَالْمُهَاجِرِ لِلدُّنْيَا إِلَى آخِرِ مَا قَالَ فَحُكِيَ غَيْرُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَكُونُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ كَوْنُ الْمُرِيدِ مِنَ الْكَفَرَةِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَهُ بِقِيلَ، وَيُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ كَثِيرٍ (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) بِمَنْ كَانَ هَمُّهُ مَقْصُورًا عَلَيْهَا لَا يُرِيدُ غَيْرَهَا أَصْلًا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ يَصْدُقُ عَلَى مُؤْمِنٍ فَاسِقٍ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ لِلْآخِرَةِ مَا آمَنَ بِهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِدُخُولِ الْفَاسِقِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا يُحْكَمُ لَهُ عِنْدَنَا بِالْخُلُودِ يُمْنَعُ الْقَوْلُ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى الْخُلُودِ وَيُقَالُ لِمَنْ أُدْخِلَ النَّارَ مُبْعَدٌ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا دَامَ فِيهَا فَيَصْدُقُ عَلَى الْفَاسِقِ مَا دَامَ فِيهَا كَمَا يَصْدُقُ عَلَى الْكَافِرِ الْمُخَلَّدِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرِيدَ هُوَ الْمُنَافِقُ الَّذِي يَغْزُو مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْغَنِيمَةِ لَا لِلثَّوَابِ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَأْبَى ذَلِكَ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَافْهَمْ. وَمَنْ أَرَادَ الظَّاهِرُ عَلَى طِبْقِ مَا مَرَّ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنْ يُرَادَ بِعَمَلِهِ أَيْضًا الْآخِرَةَ أَيِ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا أَيِ الَّذِي يَحِقُّ وَيَلِيقُ بِهَا كَمَا تُنْبِئُ عَنْهُ الْإِضَافَةُ الِاخْتِصَاصِيَّةُ سَوَاءٌ كَانَ السَّعْيُ مَفْعُولًا بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى عَمِلَ عَمَلَهَا أَوْ مَصْدَرًا مَفْعُولًا مُطْلَقًا، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالْإِتْيَانِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى سُبْحَانَهُ عَنْهُ فَيَخْرُجُ مَنْ يَتَعَبَّدُ مِنَ الْكَفَرَةِ بِمَا يَخْتَرِعُهُ مِنَ الْآرَاءِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَسْعَى لَهَا، وَفَائِدَةُ اللَّامِ سَوَاءٌ لِلْأَجْلِ أَوْ لِلِاخْتِصَاصِ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْعَمَلِ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ وَلَا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى مَا اعْتَبَرَهُ الضَّحَّاكُ بَلِ الْأَوْلَى عَدَمُ اعْتِبَارِهِ لِمَكَانِ (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) وَحِينَئِذٍ لَا يُعْتَبَرُ فِيمَا سَبَقَ أَيْضًا وَيَكُونُ فِي الْآيَةِ عَلَى هَذَا مِنْ تَحْقِيرِ أَمْرِ الدُّنْيَا وَتَعْظِيمِ شَأْنِ الْآخِرَةِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ. وَهُوَ مُؤْمِنٌ إِيمَانًا صَحِيحًا لَا يُخَالِطُهُ قَادِحٌ، وَإِيرَادُ الْإِيمَانِ بِالْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ مُقَارَنَتِهِ لِمَا ذُكِرَ فِي حَيِّزِ (مَنْ) فَلَا تَنْفَعُ إِرَادَةٌ وَلَا سَعْيٌ بِدُونِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ النَّاشِئُ عَنْهُ إِرَادَةُ الْآخِرَةِ وَالسَّعْيُ لِلنَّجَاةِ فِيهَا وَحُصُولِ الثَّوَابِ، وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلُهُ: إِيمَانٌ ثَابِتٌ، وَنِيَّةٌ صَادِقَةٌ، وَعَمَلٌ مُصِيبٌ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: فَأُولَئِكَ إِشَارَةً إِلَى (مَنْ) بِعُنْوَانِ اتِّصَافِهِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الْبُعْدِ لِلْإِشْعَارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وَبُعْدِ مَنْزِلَتِهِمْ، وَالْجَمْعِيَّةُ لِمُرَاعَاةِ جَانِبِ الْمَعْنَى إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْإِثَابَةَ الْمَفْهُومَةَ مِنَ الْخَبَرِ تَقَعُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ، أَيْ: فَأُولَئِكَ الْجَامِعُونَ لِمَا مَرَّ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ أَعْنِي إِرَادَةَ الْآخِرَةِ وَالسَّعْيَ الْجَمِيلَ لَهَا وَالْإِيمَانَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا مُثَابًا عَلَيْهِ مَقْبُولًا عِنْدَهُ تَعَالَى بِحُسْنِ الْقَبُولِ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّعْيَ هَاهُنَا بِالْعَمَلِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِفِعْلٍ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ وَهَذَا غَيْرُ السَّعْيِ السَّابِقِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ هُوَ، وَعَلَّقَ الْمَشْكُورِيَّةَ بِهِ دُونَ قَرِينَيْهِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ الْعُمْدَةُ فِيهَا، وَأَصْلُ السَّعْيِ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ الْمَشْيُ السَّرِيعُ وَهُوَ دُونُ الْعَدْوِ، وَيُسْتَعْمَلُ لِلْجِدِّ فِي الْأَمْرِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، وَأَكْثَرَ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَفْعَالِ الْمَحْمُودَةِ قَالَ الشَّاعِرُ: إِنْ أَجْزِ عَلْقَمَةَ بْنَ سَعْدٍ سَعْيَهُ لَا أَجْزِهِ بِبَلَاءِ يَوْمٍ وَاحِدٍ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية