الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ أَيْ جَعَلَكُمْ مُتَفَاوِتِينَ فِيهِ فَأَعْطَاكُمْ مِنْهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَعْطَى مَمَالِيكَكُمْ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا فِيهِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَهُمُ الْمُلَّاكُ بِرَادِّي أَيْ بِمُعْطِي رِزْقِهِمْ الَّذِي رَزَقَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ عَلَى مَمَالِيكِهِمُ الَّذِينَ هُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمَخْلُوقِيَّةِ وَالْمَرْزُوقِيَّةِ فَهُمْ أَيِ الْمُلَّاكُ الَّذِينَ فُضِّلُوا وَالْمَمَالِيكُ فِيهِ أَيْ فِي الرِّزْقِ سَوَاءٌ لَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمْ، وَالْجُمْلَةُ اسْمِيَّةٌ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ فِعْلٍ مَنْصُوبٍ فِي جَوَابِ النَّفْيِ أَيْ لَا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ فَيَسْتَوُوا فِيهِ وَيَشْتَرِكُوا، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ فِي تَأْوِيلِ فِعْلٍ مَرْفُوعٍ مَعْطُوفٍ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (بِرَادِّي) أَيْ لَا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَسْتَوُونَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ تَوْبِيخُ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحَانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ وَتَقْرِيعُهُمْ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى كَمَالِ قُبْحِ فِعْلِهِمْ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّكُمْ لَا تَرْضَوْنَ بِشَرِكَةِ عَبِيدِكُمْ لَكُمْ بِشَيْءٍ لَا يَخْتَصُّ بِكُمْ بَلْ يَعُمُّكُمْ وَإِيَّاهُمْ مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي هُمْ أُسْوَةٌ لَكُمْ فِي اسْتِحْقَاقِهِ وَهُمْ أَمْثَالُكُمْ فِي الْبَشَرِيَّةِ وَالْمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ سُلْطَانُهُ فَمَا بَالُكُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَا لَا يَلِيقُ إِلَّا بِهِ جَلَّ وَعَلَا مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ وَالْمَعْبُودِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِذَاتِهِ تَعَالَى لِذَاتِهِ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ الَّذِي هُوَ بِمَعْزِلٍ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ عَلَى شَاكِلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ [الرُّومِ: 28] يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَثَلٌ ضُرِبَ لِكَمَالِ قَبَاحَةِ مَا فَعَلُوهُ، وَفِي قَوْلِهِ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ قَرِينَةٌ- كَمَا قِيلَ- عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ عَلَى مُقَدَّرٍ وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى الْفِعْلِ أَعْنِي (يَجْحَدُونَ) وَلِتَضَمُّنِ الْجُحُودِ مَعْنَى الْكُفْرِ جِيءَ بِالْبَاءِ فِي مَعْمُولِهِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ أَوْ لِإِبْهَامِ الِاخْتِصَاصِ مُبَالَغَةً أَوْ لِرِعَايَةِ رُءُوسِ الْآيِ، وَالْمُرَادُ بِالنِّعْمَةِ قِيلَ: الرِّزْقُ وَقِيلَ وَلَعَلَّهُ الْأَوْلَى: مَا يَشْمَلُهُ وَغَيْرَهُ مِنَ النِّعَمِ الْفَائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنْهُ سُبْحَانَهُ أَيْ يُشْرِكُونَ بِهِ تَعَالَى فَيَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ تَعَالَى حَيْثُ يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ مِنَ الْإِشْرَاكِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يُضِيفُوا مَا أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ النِّعَمِ إِلَى شُرَكَائِهِمْ وَيَجْحَدُوا كَوْنَهُمْ مِنْ عِنْدِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَجُوِّزَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَنْعَمَ سُبْحَانَهُ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَجِ وَإِيضَاحِ السُّبُلِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَلَا نِعْمَةَ أَجْلُّ مَنْ ذَلِكَ، فَمَعْنَى جُحُودِهِمْ ذَلِكَ إِنْكَارُهُ وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، وَصِيغَةُ الْغِيبَةِ لِرِعَايَةِ (فَمَا الَّذِينَ) وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْأَعْرَجُ بِخِلَافٍ عَنْهُ «تَجْحَدُونَ» بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ رِعَايَةً لِبَعْضِكُمْ، هَذَا وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ بَعْضًا عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ وَأَنَّ الْمُفَضَّلِينَ لَا يَرُدُّونَ مِنْ رِزْقِهِمْ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ شَيْئًا وَإِنَّمَا أَنَا رَازِقُهُمْ فَالْمَالِكُ وَالْمَمْلُوكُ فِي أَصْلِ الرِّزْقِ سَوَاءٌ وَإِنْ تَفَاوَتَا كَمًّا وَكَيْفًا، وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْإِعْجَابِ وَالْمَنِّ اللَّذَيْنِ هُمَا مُقَدِّمَتَا الْكُفْرَانِ. وَالْعَطْفُ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْضًا أَيْ أَيَعْجَبُونَ وَيَمُنُّونَ فَيَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ أَلَا يَفْهَمُونَ فَيَجْحَدُونَ وَاخْتَارَ فِي الْكَشَّافِ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَكُمْ مُتَفَاوِتِينَ فِي الرِّزْقِ فَرَزَقَكُمْ أَفْضَلَ مِمَّا رَزَقَ مَمَالِيكَكُمْ وَهُمْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَرُدُّوا فَضْلَ مَا رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تُسَاوُوا فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ كَمًّا يُحْكَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: « إِنَّمَا هُمْ إِخْوَانُكُمْ فَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ ». فَمًا رُئِيَ عَبْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا وَرِدَاؤُهُ رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ إِزَارُهُ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَكُمْ عَلَى أَمْثَالِكُمْ فَكَانَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَرُدُّوا مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ عَلَيْهِمْ شُكْرًا لِنِعْمَتِهِ تَعَالَى لِتَكُونُوا سَوَاءً فِي ذَلِكَ الْفَضْلِ وَيَبْقَى لَكُمْ فَضْلُ الْإِفْضَالِ وَالتَّفَضُّلِ. فَالْآيَةُ حَثٌّ عَلَى حُسْنِ الْمِلْكَةِ وَأَدْمَجَ أَنَّهُمْ وَعَبِيدَهُمْ مَرْبُوبُونَ بِنِعْمَتِهِ تَعَالَى ذَلِكَ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ فِيهَا لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِكُفْرَانِهِمْ نِعَمَهُ سُبْحَانَهُ السَّوَابِغَ إِلَى أَنْ جَعَلُوا لَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْدَادًا لَا تَمِلِكُ لِنَفْسِهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا فَعَبَدُوهَا عِبَادَتَهُ تَعَالَى أَوْ أَشَدَّ وَأَسَدَّ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْبُعْدِ مَا فِيهِ، وَالْعَطْفُ فِيهِ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْضًا كَأَلَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَيَجْحَدُونَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية