الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ وَجُوِّزَ قَطْعُهُ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: طَيِّبِينَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِمْ، وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُعَاذٍ طَاهِرِينَ مِنْ دَنَسِ الشِّرْكِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِجَعْلِهِ فِي مُقَابَلَةِ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فِي وَصْفِ الْكَفَرَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّلْمِ أَعْظَمُ أَنْوَاعِهِ وَهُوَ الشِّرْكُ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إِنَّ ذِكْرَ الطِّهَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ وَحْدَهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِالتَّقْوَى. وَأُجِيبُ بِأَنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنِ الشِّرْكِ هِيَ الْأَصْلُ الْأَصِيلُ. وَفِي إِرْشَادِ الْعَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالْكُفْرِ وَتَفْسِيرِ طَيِّبَيْنِ بِطَاهِرِينَ عَنْ دَنَسِ الظُّلْمِ وَجَعْلِهِ حَالًا قَالَ: وَفَائِدَتُهُ الْإِيذَانُ بِأَنَّ مَلَاكَ الْأَمْرِ فِي التَّقْوَى هُوَ الطَّهَارَةُ عَمَّا ذُكِرَ إِلَى وَقْتِ تَوَفِّيهِمْ، فَفِيهِ حَثٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى ذَلِكَ وَلِغَيْرِهِمْ عَلَى تَحْصِيلِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْمُرَادُ- بِطَيِّبِينَ- زَاكِيَةٌ أَقْوَالُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ قَالَ: طَاهِرِينَ مِنْ ظُلْمِ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الرَّاغِبُ حَيْثُ قَالَ: الطَّيِّبُ مِنَ الْإِنْسَانِ مَنْ تَعَرَّى مِنْ نَجَاسَةِ الْجَهْلِ وَالْفِسْقِ وَقَبَائِحِ الْأَعْمَالِ وَتَحَلَّى بِالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ وَإِيَّاهُمْ قَصَدَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ . وَانْتُصِرَ لِذَلِكَ بِأَنَّ وَصْفَهُمْ بِأَنَّهُمْ مُتَّقُونَ مَوْعُودُونَ بِالْجَنَّةِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ يَقْتَضِي مَا ذُكِرَ، وَحَمَلُوا الظُّلْمَ فِيمَا مَرَّ عَلَى مَا يَعُمُّ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ لِأَنَّ ذَلِكَ مُجَابٌ بِقَوْلِهِمْ: مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ فَلَا تَفُوتُ الْمُنَاسَبَةُ فِي جَعْلِ هَذَا مُقَابِلًا لِذَاكَ لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِمَا ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ عَلَى إِرَادَةِ الْعَامِّ مَا لَا يَخْفَى، وَالْكَثِيرُ عَلَى تَفْسِيرِ الطَّيِّبِ بِالطَّاهِرِ عَنْ قَاذُورَاتِ الذُّنُوبِ مُطَابِقُ الَّذِي لَا خُبْثَ فِيهِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَرِحِينَ بِبِشَارَةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ إِيَّاهُمْ أَوْ بِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ لِتَوَجُّهِ نُفُوسِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى حَضْرَةِ الْقُدْسِ، فَالْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ طَيِّبُ النَّفْسِ وَطَيِّبُهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْقَبُولِ مَعَ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ يَقُولُونَ حَالٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ «الَّذِينَ» مُبْتَدَأً خَبَرُهُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْ قَائِلِينَ أَوْ قَائِلُونَ لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمُ لَا يَحِيقُكُمْ بَعْدُ مَكْرُوهٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرَوَى نَحْوَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: إِذَا اسْتُدْعِيَتْ نَفْسُ الْمُؤْمِنِ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَلِيَّ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَبَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ وَوَعَدَكُمْ إِيَّاهَا وَكَأَنَّهَا إِنَّمَا لَمْ تُوصَفْ لِشُهْرَةِ أَمْرِهَا. وَفِي إِرْشَادِ الْعَقْلِ السَّلِيمِ اللَّامُ لِلْعَهْدِ أَيْ ( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) إِلَخْ وَلِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ النَّعْتِ وَهُوَ كَمَا تَرَى، وَالْمُرَادُ دُخُولُهُمْ فِيهَا بَعْدَ الْبَعْثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ الدُّخُولُ بِالْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ وَقَتِهِ الْبِشَارَةُ بِالْجَنَّةِ عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الدُّخُولُ حِينَ التَّوَفِّي بِنَاءً عَلَى حَمْلِ الدُّخُولِ عَلَى الدُّخُولِ بِالْأَرْوَاحِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ خَبَرُ: « الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ». وَكَوْنُ الْبِشَارَةِ بِذَلِكَ دُونَ الْبِشَارَةِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا يَمْنَعُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْبِشَارَةَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ بِالْأَرْوَاحِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبِشَارَةِ بِدُخُولِهَا بِالْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ عِنْدَ وَقْتِهِ، وَكَوْنُ هَذَا الْقَوْلِ كَسَابِقِهِ عِنْدَ قَبْضِ الْأَرْوَاحِ هُوَ الْمَرْوِيَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْحَسَنُ: إِنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّوَفِّي وَفَاةُ الْحَشْرِ أَعْنِي تَسْلِيمَ أَجْسَادِهِمْ وَإِيصَالَهَا إِلَى مَوْقِفِ الْحَشْرِ مَنْ تَوَفَّى الشَّيْءَ إِذَا أَخَذَهُ وَافِيًا، وَجُوِّزَ حَمْلُ التَّوَفِّي عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ مَعَ كَوْنِ الْقَوْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَّا بِجَعْلِ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا أَوْ بِجَعْلِ يَقُولُونَ حَالًا مُقَدَّرَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ (وَالَّذِينَ) عَلَى حَالِهِ أَوَّلًا وَحَالُ ذَلِكَ لَا يَخْفَى بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَيْ بِسَبَبِ ثَبَاتِكُمْ عَلَى التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الْعَادِيَّةِ، وَهِيَ فِيمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدُكُمْ بِعَمَلِهِ ». الْحَدِيثَ، لِلسَّبَبِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ الْبَاءَ لِلْمُقَابَلَةِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية