الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خِطَابٌ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدْخُلَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهَا إِمَّا الْمَنْفَذُ أَوِ الطَّبَقَةُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِكُلِّ فَرْدٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ دُخُولُ الْفَرْدِ مِنَ الْكَفَّارِ مِنْ أَبْوَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَوْ يَكُونَ لِجَهَنَّمَ بِعَدَدِ الْأَفْرَادِ، وَجُوِّزَ أَنْ يُرَادَ بِالْأَبْوَابِ أَصْنَافُ الْعَذَابِ، فَقَدْ جَاءَ إِطْلَاقُ الْبَابِ عَلَى الصِّنْفِ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَنْظُرُ فِي بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ أَيْ صِنْفٍ مِنْهُ وَحِينَئِذٍ لَا مَانِعَ فِي كَوْنِ الْخِطَابِ لِكُلِّ فَرْدٍ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِتِلْكَ الْأَبْوَابِ قُبُورُ الْكَفَرَةِ الْمَمْلُوءَةُ عَذَابًا مُسْتَدِلًّا بِمَا جَاءَ: «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ». خَالِدِينَ فِيهَا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ إِنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ حُدُوثُهُ، وَمُقَارَنَةُ إِنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الْكَوْنِ، وَضَمِيرُ ( فِيهَا ) قِيلَ: لِلْأَبْوَابِ بِمَعْنَى الطَّبَقَاتِ، وَقِيلَ: لِجَهَنَّمَ، وَالْتُزِمَ هَذَا وَكَوْنُ الْحَالِ مُقَدَّرَةً مِنْ أَبْعَدَ، وَحُمِلَ الْخُلُودُ عَلَى الْمُكْثِ الطَّوِيلِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ هَذَا الِالْتِزَامِ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فِي كَلَامِهِمْ خِلَافَ الْمَعْهُودِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أَيْ عَنِ التَّوْحِيدِ، وَذِكْرُهُمْ بِعُنْوَانِ التَّكَبُّرِ لِلْإِشْعَارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِثَوَائِهِمْ فِيهَا، وَقَدْ وَصَفَ سُبْحَانَهُ الْكُفَّارَ فِيمَا تَقَدَّمَ بِالِاسْتِكْبَارِ وَهُنَا بِالتَّكَبُّرِ، وَذَكَرَ الرَّاغِبُ أَنَّهُمَا وَالْكِبْرُ تَتَقَارَبُ فَالْكِبْرُ الْحَالَةُ الَّتِي يَتَخَصَّصُ بِهَا الْإِنْسَانُ مِنْ إِعْجَابِهِ بِنَفْسِهِ، وَالِاسْتِكْبَارُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَحَرَّى الْإِنْسَانُ وَيَطْلُبَ أَنْ يَصِيرَ كَبِيرًا، وَذَلِكَ مَتَى كَانَ عَلَى مَا يُحِبُّ وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي يُحِبُّ وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحِبُّ وَهُوَ مَحْمُودٌ. وَالثَّانِي أَنْ يَتَشَبَّعَ فَيُظْهِرَ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَيْسَ لَهُ وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَالتَّكَبُّرُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا: الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ الْأَفْعَالُ الْحَسَنَةُ كَثِيرَةً فِي الْحَقِيقَةِ وَزَائِدَةً عَلَى مَحَاسِنِ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُتَكَبِّرِ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّفًا لِذَلِكَ مُتَشَبِّعًا وَذَلِكَ فِي وَصْفِ عَامَّةِ النَّاسِ، وَالتَّكَبُّرُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَحْمُودٌ وَعَلَى الثَّانِي مَذْمُومٌ، وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أَيْ جَهَنَّمُ أَوْ أَبْوَابُهَا إِنْ فُسِّرَتْ بِالطَّبَقَاتِ، وَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ، وَاللَّامُ جِيءَ بِهَا لِلتَّأْكِيدِ اعْتِنَاءً بِالذَّمِّ لِمَا أَنَّ الْقَوْمَ ضَالُّونَ مُضِلُّونَ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلِلتَّأْكِيدِ اعْتِنَاءً بِالْمَدْحِ جِيءَ بِاللَّامِ أَيْضًا فِيمَا بَعْدُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ لِأَنَّ أُولَئِكَ الْقَوْمَ عَلَى ضِدِّ هَؤُلَاءِ هَادُونَ مَهْدِيُّونَ، وَكَأَنَّهُ لِعَدَمِ هَذَا الْمُقْتَضِي فِي آيَتَيِ الزُّمَرِ وَالْمُؤْمِنِ لَمْ يُؤْتَ بِاللَّامِ، وَقِيلَ: فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَقِيلَ: التَّأْكِيدُ مُتَوَجِّهٌ لِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْجُمْلَةِ مِنْ أَنَّ جَهَنَّمَ مَثْوَاهُمْ، وَحَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنَ الْآيَاتِ قَبْلُ هُنَا فَهْمَهُ مِنْهَا قَبْلَ آيَتَيِ تِينِكَ السُّورَتَيْنِ جِيءَ بِالتَّأْكِيدِ هُنَاكَ وَلَمْ يَجِئْ بِهِ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي إِفَادَةِ أَنَّهَا مَثْوَاهُمْ مِمَّا سَتَسْمَعُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هُنَاكَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية