الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ أَيْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَأُمَمِهِمْ وَقِيلَ : قَصَصُ يُوسُفَ وَأَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقِيلَ : قَصَصُ أُولَئِكَ وَهَؤُلَاءِ وَالْقَصَصُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَرَجَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ الْأَوَّلَ بِقِرَاءَةِ أَحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الْأَنْطَاكِيِّ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَعَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو ( قِصَصِهِمْ ) بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قِصَّةٍ وَرُدَّ بِأَنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ وَأَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى قِصَصٍ وَأَخْبَارٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ الْجَمْعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَفِيهِ أَنَّهُ كَمَا قِيلَ إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ الْمُعْتَادِ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِي مِثْلِهِ قِصَّةُ قِصَصٍ وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي اخْتِيَارِهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ أَيْ لِذَوِي الْعُقُولِ الْمُبَرَّأَةِ عَنِ الْأَوْهَامِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْإِلْفِ وَالْحِسِّ وَأَصْلُ اللُّبِّ الْخَالِصُ مِنَ الشَّيْءِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَا زَكَا مِنَ الْعَقْلِ فَكُلُّ لُبٍّ عَقَلٌ وَلَيْسَ كُلُّ عَقْلٍ لُبًّا وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ : إِنَّ اللُّبَّ هُوَ الْعَقْلُ مُطْلَقًا وَسُمِّي بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ خَالِصَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ قُوَاهُ وَلَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا جَمْعًا وَالْعِبْرَةُ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ الْحَالَةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَشَاهِدِ إِلَى مَا لَيْسَ بِمَشَاهِدَ وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهَا الدَّلَالَةُ الَّتِي تَعْبُرُ بِهَا إِلَى الْعِلْمِ مَا كَانَ أَيِ الْقُرْآنُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِمَا سَبَقَ دَلَالَةً وَاضِحَةً وَاسْتَظْهَرَ أَبُو حَيَّانَ عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى الْقَصَصِ فِيمَا قَبْلُ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ يَجْرِي عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِخِلَافِ عَوْدِهِ إِلَى الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى قِرَاءَةِ الْقِصَصِ بِكَسْرِ الْقَافِ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ عَوْدَهُ إِلَى الْقَصَصِ فِي الْقِرَاءَةِ بِهِ وَإِلَيْهِ فِي ضِمْنِ الْمَكْسُورِ فِي الْقِرَاءَةِ بِهِ وَكَذَا إِلَى الْمَكْسُورِ نَفْسِهِ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ وَهُوَ كَمَا تَرَى حَدِيثًا يُفْتَرَى أَيْ يُخْتَلَقُ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَتَفْصِيلَ أَيْ تَبْيِينَ كُلِّ شَيْءٍ قِيلَ : أَيْ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ إِذْ مَا مِنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَنِدُ إِلَى الْقُرْآنِ بِالذَّاتِ أَوْ بِوَسَطٍ وَقَالَ ابْنُ الْكَمَالِ : إِنَّ ( كُلِّ ) لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّفْخِيمِ لَا لِلْإِحَاطَةِ وَالتَّعْمِيمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَمَنْ لَمْ يَنْتَبِهْ لِهَذَا احْتَاجَ إِلَى تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ ثُمَّ تَكَلَّفَ فِي بَيَانِهِ فَقَالَ : إِذْ مَا مِنْ أَمْرٍ .. إِلَخْ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ عِبَارَةَ التَّفْصِيلِ لَا تَتَحَمَّلُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُ كَلِمَةِ ( كُلِّ ) عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ الْحَقِيقِيِّ لَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ وَالتَّخْصِيصُ مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ نَفْسَهُ قَدِ ارْتَكَبَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَكَوْنُ عِبَارَةِ التَّفْصِيلِ لَا تَتَحَمَّلُ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ حَمَلَ ( كُلِّ ) عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ ذَاهِبًا إِلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ تَبْيِينَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنَّ مَرَاتِبَ التَّبْيِينِ مُتَفَاوِتَةٌ حَسَبَ تَفَاوُتِ ذَوِي الْعِلْمِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَعِيدِ عِنْدَ مَنْ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ وَقِيلَ : الْمُرَادُ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ وَاقِعٍ لِيُوسُفَ وَأَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ( كَانَ ) لِقَصَصِهِمْ وَهُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ وَرَحْمَةً يَنَالُ بِهَا خَيْرَ الدَّارَيْنِ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . (111) . يُصَدِّقُونَ تَصْدِيقًا بِهِ وَخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ وَنُصِبَ تَصْدِيقَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ مَحْذُوفًا أَيْ وَلَكِنْ كَانَ تَصْدِيقَ وَالْإِخْبَارُ بِالْمَصْدَرِ لَا يَخْفَى أَمْرُهُ . وَقَرَأَ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيُنَ وَعِيسَى الْكُوفَةُ فِيمَا ذَكَرَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ وَعِيسَى الثَّقَفِيُّ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ ( تَصْدِيقُ ) بِالرَّفْعِ وَكَذَا بِرَفْعِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ وَلَكِنْ هُوَ تَصْدِيقُ .. إِلَخْ وَقَدْ سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ : وَمَا كَانَ مَالِي مِنْ تُرَاثٍ وَرِثْتُهُ وَلَا دِيَةَ كَانَتْ وَلَا كَسْبَ مَأْثَمِ وَلَكِنَّ عَطَاءَ اللَّهِ مِنْ كُلِّ رِحْلَةٍ إِلَى كُلِّ مَحْجُوبِ السُّرَدِاقِ خَضْرَمِ فَإِنَّهُ رُوِيَ بِنَصْبِ عَطَاءً وَرَفْعِهِ هَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية