الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَقَالَ نَاصِحًا لَهُمْ لَمَّا عَزَمَ عَلَى إِرْسَالِهِمْ جَمِيعًا يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِصْرَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ نَهَاهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ إِصَابَةِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي جَمَالٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ وَقَدِ اشْتَهَرُوا بَيْنَ أَهْلِ مِصْرَ بِالزُّلْفَى وَالْكَرَامَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ عِنْدَ الْمَلِكِ فَكَانُوا مَظِنَّةً لِأَنْ يُعَانُوا إِذَا دَخَلُوا كَوْكَبَةً وَاحِدَةً وَحَيْثُ كَانُوا مَجْهُولِينَ مَغْمُورِينَ بَيْنَ النَّاسِ لَمْ يُوصِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَيْنِ فِي هَذِهِ الْكَرَّةِ بِسَبَبِ أَنَّ فِيهِمْ مَحْبُوبَهُ وَهُوَ بِنْيَامِينُ الَّذِي يَتَسَلَّى بِهِ عَنْ شَقِيقِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَأَهْمَلَ أَمْرَهُمْ وَلَمْ يَحْتَفِلْ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ فِي يُوسُفَ وَالْقَوْلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يُسْتَرَابَ بِهِمْ لِتَقَدُّمِ قَوْلِ أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَصْلًا وَمِثْلُهُ مَا قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ طَمَعًا أَنْ يَتَسَمَّعُوا خَبَرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْعَيْنُ حَقٌّ كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَّ أَيْضًا بِزِيَادَةٍ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ وَإِذَا اسْتَغْسَلْتُمْ فَاغْتَسِلُوا وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا إِنَّ الْعَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا بِقَوْلِهِ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى التَّامَّةِ مَنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ وَكَانَ يَقُولُ : كَانَ أَبُوكُمَا يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . وَلِبَعْضِهِمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ كَلَامٌ مُفَصَّلٌ مَبْسُوطٌ لَا بَأْسَ بِاطِّلَاعِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ تَأْثِيرَ شَيْءٍ فِي آخَرَ إِمَّا نَفْسَانِيٌّ أَوْ جُسْمَانِيٌّ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا فِي نَفْسَانِيٍّ أَوْ جُسْمَانِيٍّ فَالْأَنْوَاعُ أَرْبَعَةٌ يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا ضُرُوبُ الْوَحْيِ وَالْمُعْجِزَاتِوَالْكَرَامَاتِ وَالْإِلْهَامَاتِ وَالْمَنَامَاتِ وَأَنْوَاعِ السِّحْرِ وَالْأَعْيُنِ وَالنِّيرَنْجَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ أَعْنِي تَأْثِيرَ النَّفْسَانِيِّ فِي مِثْلِهِ فَكَتَأْثِيرِ الْمَبَادِئِ الْعَالِيَةِ فِي النُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِإِفَاضَةِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَيَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ صِنْفَانِ : أَحَدُهُمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ الْحَقِيقِيِّ بِأَنْ يُلْقَى إِلَى النَّفْسِ الْمُسْتَعِدَّةِ لِذَلِكَ كَمَا الْعِلْمُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ تَعْلِيمٍ وَتَعَلُّمٍ حَتَّى تُحِيطَ بِمَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ كَمَا أُلْقِيَ إِلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُلُومُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مَعَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا كَانَ يَتْلُو مِنْ قَبْلُ كِتَابًا وَلَا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ . وَثَانِيهِمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّخَيُّلِ الْقَوِيِّ بِأَنْ يُلْقَى إِلَى مَنْ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لَهُ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى تَخَيُّلَاتِ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَالْمَنَامَاتِ وَالْإِلْهَامَاتُ دَاخِلَةٌ أَيْضًا تَحْتَ هَذَا النَّوْعِ وَقَدْ يَدْخُلُ تَحْتَهُ نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ وَهُوَ تَأْثِيرُ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ الْقَوِيَّةِ فِيهَا قُوَّتَا التَّخَيُّلِ وَالْوَهْمِ فِي نُفُوسٍ بَشَرِيَّةٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ فِيهَا هَاتَانِ الْقُوَّتَانِ كَنُفُوسِ الْبُلْهِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَوَامِّ الَّذِينَ لَمْ تَقْوَ قُوَّتُهُمُ الْعَقْلِيَّةُ فَتَتَخَيَّلُ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ مَوْجُودًا فِيهِ وَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ عَلَى ضِدِّ الْحَالِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهَا وَقَدْ يُسْتَعَانُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِنَ السِّحْرِ بِأَفْعَالٍ وَحَرَكَاتٍ يَعْرِضُ مِنْهَا لِلْحِسِّ حَيْرَةٌ وَلِلْخَيَالِ دَهْشَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ الِاسْتِهْتَارُ فِي الْكَلَامِ وَالتَّخْلِيطُ فِيهِ وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي أَعْنِي تَأْثِيرَ النَّفْسَانِيِّ فِي الْجُسْمَانِيِّ فَكَتَأْثِيرِ النُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي الْأَبْدَانِ مِنْ تَغْذِيَتِهَا وَإِنْمَائِهَا وَقِيَامِهَا وَقُعُودِهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ صِنْفٌ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُوَّةِ الْمُحَرِّكَةِ لِلنَّفْسِ بِأَنْ تَبْلُغَ قُوَّتُهَا إِلَى حَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعَالَمِ تَمَكُّنُهَا مِنَ التَّصَرُّفِ فِي بَدَنِهَا كَتَدْمِيرِ قَوْمٍ بِرِيحٍ عَاصِفَةٍ أَوْ صَاعِقَةٍ أَوْ زَلْزَلَةٍ أَوْ طُوفَانٍ وَرُبَّمَا يُسْتَعَانُ فِيهِ بِالتَّضَرُّعِ وَالِابْتِهَالِ إِلَى الْمَبَادِئِ الْعَالِيَةِ كَأَنْ يَسْتَقِيَ لِلنَّاسِ فَيُسْقَوْنَ وَيَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَيَهْلَكُونَ وَلَهُمْ فَيَنْجُونَ وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا صِنْفٌ مِنَ السِّحْرِ أَيْضًا كَمَا فِي بَعْضِ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي تَقْوَى فِيهَا الْقُوَّةُ الْوَهْمِيَّةُ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ كَالرِّيَاضَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ مَثَلًا فَيُسَلِّطُهَا صَاحِبُهَا عَلَى التَّأْثِيرِ فِيمَنْ أَرَادَهُ بِتَوَجُّهٍ تَامٍّ وَعَزِيمَةٍ صَادِقَةٍ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الْمَطْلُوبُ الَّذِي هُوَ تَأَثُّرُهُ بِنَحْوِ مَرَضٍ وَذُبُولِ جِسْمٍ وَيَصِلُ ذَلِكَ إِلَى الْهَلَاكِ وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ وَهُوَ تَأْثِيرُ الْجُسْمَانِيِّ فِي الْجُسْمَانِيِّ فَكَتَأْثِيرِ الْأَدْوِيَةِ وَالسُّمُومِ فِي الْأَبْدَانِ وَيَدْخُلُ فِيهِ أَنْوَاعُ النَّيْرَنْجَاتِ وَالطَّلْسَمَاتِ فَإِنَّهَا بِتَأْثِيرِ بَعْضِ الْمُرَكَّبَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي بَعْضٍ بِسَبَبِ خَوَاصَّ فِيهَا كَجَذْبِ الْمِغْنَاطِيسِ لِلْحَدِيدِ وَاخْتِطَافِ الْكَهْرَبَاءِ التِّبْنَ وَقَدْ يُسْتَعَانُ فِي ذَلِكَ بِتَحْصِينِ الْمُنَاسَبَاتِ بِالْأَجْرَامِ الْعَلَوِيَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي عَالَمِ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ كَمَا يُشَاهَدُ فِي صُوَرِ أَشْكَالٍ مَوْضُوعَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى أَوْضَاعٍ مَعْلُومَةٍ فِي مُقَابَلَةِ بَعْضِ الْجِهَاتِ وَمُسَامَتَةِ بَعْضِ الْكَوَاكِبِ يَسْتَدْفِعُ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ أَذِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ وَهُوَ تَأْثِيرُ الْجُسْمَانِيِّ فِي النَّفْسَانِيِّ فَكَتَأْثِيرِ الصُّوَرِ الْمُسْتَحْسَنَةِ أَوِ الْمُسْتَقْبَحَةِ فِي النُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِنَ اسْتِمَالَتِهَا إِلَيْهَا وَتَنْفِيرِهَا عَنْهَا وَعُدَّ مِنْ ذَلِكَ تَأْثِيرُ أَصْنَافِ الْأَغَانِي وَالرَّقْصِ وَالْمَلَاهِي فِي بَعْضِ النُّفُوسِ وَتَأْثِيرُ الْبَيَانِ فِيمَنْ لَهُ ذَوْقٌ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا إِذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي إِصَابَةِ الْعَيْنِ فَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ أَنْكَرَهَا إِنْكَارًا بَلِيغًا وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ وَأَثْبَتَهَا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ فَقَالَ الْجَاحِظُ : إِنَّهُ يَمْتَدُّ مِنَ الْعَيْنِ أَجْزَاءٌ فَتَصِلُ بِالشَّخْصِ الْمُسْتَحْسَنِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ تَأْثِيرَ السُّمِّ فِي الْأَبْدَانِ فَالتَّأْثِيرُ عِنْدَهُ مِنْ تَأْثِيرِ الْجُسْمَانِيِّ فِي الْجُسْمَانِيِّ . وَضَعَّفَ ذَلِكَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ لَوَجَبَ أَنْ تُؤَثِّرَ الْعَيْنُ فِي الشَّخْصِ الَّذِي لَا يُسْتَحْسَنُ كَتَأْثِيرِهَا فِيمَا يُسْتَحْسَنُ وَتَعَقَّبَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ تَضْعِيفُ ضَعِيفٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَحْسَنَ الْعَائِنُ شَيْئًا فَإِمَّا أَنْ يُحِبَّ بَقَاءَهُ كَمَا إِذَا اسْتَحْسَنَ وَلَدَهُ مَثَلًا وَإِمَّا أَنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ كَمَا إِذَا أَحَسَّ بِذَلِكَ الْمُسْتَحْسَنُ عِنْدَ عَدُوِّهِ الْحَاسِدِ هُوَ لَهُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسَانِ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِنْ زَوَالِهِ وَهُوَ يُوجِبُ انْحِصَارَ الرُّوحِ فِي دَاخِلِ الْقَلْبِ فَحِينَئِذٍ يَسْخُنُ الْقَلْبُ وَالرُّوحُ جِدًّا وَيَحْصُلُ فِي الرُّوحِ الْبَاصِرِ كَيْفِيَّةٌ قَوِيَّةٌ مُسَخِّنَةٌ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسَانِ هَمٌّ شَدِيدٌ وَحُزْنٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ حُصُولِ ذَلِكَ الْمُسْتَحْسَنِ لِعَدُوِّهِ وَذَلِكَ أَيْضًا يُوجِبُ انْحِصَارَ الرُّوحِ وَحُصُولَ الْكَيْفِيَّةِ الْقَوِيَّةِ الْمُسَخِّنَةِ وَفِي الصُّورَتَيْنِ يَسْخُنُ شُعَاعُ الْعَيْنِ فَيُؤَثِّرُ وَلَا كَذَلِكَ فِي عَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ فَبَانَ الْفَرْقُ وَلِذَلِكَ السَّبَبِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَائِنَ بِالْوُضُوءِ وَمَنْ أُصِيبَ بِالِاغْتِسَالِ . اهَـ . وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْعَائِنَ قَدْ يُصِيبُ وَلَدَهُ مَثَلًا مِمَّا شَهِدَتْ لَهُ التَّجْرِبَةُ لَكِنْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْعَيْنُ حَقٌّ يَضُرُّهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَرْفِقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَ إِزَارِهِ أَيْ مَا يَلِي جَسَدَهُ مِنَ الْإِزَارِ وَقِيلَ وِرْكَيْهِ : وَقِيلَ : مَذَاكِيرَهُ وَيَصُبُّ الْغُسَالَةَ عَلَى رَأْسِ الْمَعِينِ وَقَدْ مَرَّ إِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا وَهُوَ خِطَابٌ لِلْعَائِنِينَ أَيْ إِذَا طُلِبَ مِنْكُمْ مَا اعْتِيدَ مِنَ الْغُسْلِ فَافْعَلُوا وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ عِنْدَ بَعْضٍ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ تَبَعًا لِلْجَمَاعَةِ : لِلْوُجُوبِ فَيَجِبُ عَلَى الْعَائِنِ أَنْ يَغْسِلَ ثُمَّ يُعْطِي الْغُسَالَةَ لِلْمَعِينِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْأَمْرِ وَلِأَنَّهُ قَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ وَعُلِمَ الْبُرْءُ بِهِ فَفِيهِ تَخْلِيصٌ مِنَ الْهَلَاكِ كَإِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ كَوْنِ الْحِكْمَةِ فِيهِ تَبْرِيدَ تِلْكَ السُّخُونَةِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ حَيْثُ قَالَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ : لِأَنَّهُ كَمَا يُؤْخَذُ دِرْيَاقٌ لِسُمِّ الْحَيَّةِ مِنْ لَحْمِهَا يُؤْخَذُ عِلَاجُ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ أَثَرِ الشَّخْصِ الْعَائِنِ وَأَثَرُ تِلْكَ الْعَيْنِ كَشُعْلَةِ نَارٍ أَصَابَتِ الْجَسَدَ فَفِي الِاغْتِسَالِ إِطْفَاءٌ لِتِلْكَ الشُّعْلَةِ وَهُوَ عَلَى عِلَّاتِهِ أَوْفَى مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ وَيُرَدُّ عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي الِانْتِصَارِ لِلْجَاحِظِ أَنَّهُ لَا يَسُدُّ عَنْهُ بَابُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كَيْفِيَّةِ إِصَابَةِ الْعَيْنِ إِذْ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْعَائِنِينَ قَدْ يُصِيبُ مَا يُوصَفُ لَهُ وَيُمَثَّلُ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَرَاسِخُ وَالْتِزَامُ امْتِدَادِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ إِلَى حَيْثُ الْمُصَابِ مِمَّا لَا يَكَادُ يُقْبَلُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي عَيْنٍ وَقَالَ الْحُكَمَاءُ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَأْثِيرِ النَّفْسَانِيِّ بِالْجُسْمَانِيِّ وَبَنَوْهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُؤَثِّرِ أَنْ يَكُونَ تَأْثِيرُهُ بِحَسَبِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ الْمَحْسُوسَةِ أَعْنِي الْحَرَارَةَ وَالْبُرُودَةَ وَالرُّطُوبَةَ وَالْيُبُوسَةَ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْثِيرُ نَفْسِيًّا مَحْضًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّوْحَ الَّذِي يَكُونُ قَلِيلَ عَرْضٍ إِذَا كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى الْأَرْضِ يَقْدِرُ كُلُّ إِنْسَانٍ عَلَى الْمَشْيِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ جِدَارَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ لَمْ يَقْدِرْ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى الْمَشْيِ عَلَيْهِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنَ السُّقُوطِ مِنْهُ يُوجِبُ السُّقُوطَ وَأَيْضًا إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَصَوَّرَ أَنَّ فُلَانًا مُؤْذِيًا لَهُ حَصَلَ فِي قَلْبِهِ غَضَبٌ وَتَسَخَّنَ مِزَاجُهُ فَمَبْدَأُ ذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا التَّصَوُّرُ النَّفْسَانِيُّ بَلْ مَبْدَأُ الْحَرَكَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مُطْلَقًا لَيْسَ إِلَّا التَّصَوُّرَاتُ النَّفْسَانِيَّةُ وَمَتَى ثَبَتَ أَنَّ تَصَوُّرَ النَّفْسِ يُوجِبُ تَغَيُّرَ بَدَنِهِ الْخَاصِّ لَمْ يَبْعُدْ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ تَتَعَدَّى تَأْثِيرَاتُهَا إِلَى سَائِرِ الْأَبْدَانِ وَأَيْضًا جَوَاهِرُ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةٌ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ تُؤَثِّرُ فِي تَغَيُّرِ بَدَنِ حَيَوَانٍ آخَرَ بِشَرْطِ أَنْ تَرَاهُ أَوْ تَرَى مِثَالَهُ عَلَى مَا نُقِلَ وَتَتَعَجَّبَ مِنْهُ وَمَتَى ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَكَانَتِ التَّجَارِبُ شَاهِدَةً بِوُقُوعِهِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وَلِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ أَكْثَرِيٌّ عِنْدَ إِعْمَالِ الْعَيْنِ وَالنَّظَرِ بِهَا إِلَى الشَّيْءِ نُسِبَ التَّأْثِيرُ إِلَى الْعَيْنِ وَإِلَّا فَالْمُؤَثِّرُ إِنَّمَا هُوَ النَّفْسُ وَنِسْبَةُ التَّأْثِيرِ إِلَيْهَا كَنِسْبَةِ الْإِحْرَاقِ إِلَى النَّارِ وَالرَّيِّ إِلَى الْمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْفَاعِلُ لِلْآثَارِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ سُلْطَانُهُ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنْ جَرَتْ عَادَتُهُ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهَا بِالْأَسْبَابِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَقْلِيٍّ عَلَيْهَا كَمَا يَظُنُّ جَهَلَةُ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ أَوْ عِنْدَ الْأَسْبَابِ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلِيَّةٍ لَهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ عَلَى مَا شَاعَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ . فَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْعَيْنُ حَقٌّ أَنَّ إِصَابَةَ النَّفْسِ بِوَاسِطَتِهَا أَمْرٌ كَائِنٌ مَقْضِيٌّ بِهِ فِي الْوَضْعِ الْإِلَهِيِّ لَا شُبْهَةَ فِي تَحَقُّقِهِ وَهُوَ كَسَائِرِ الْآثَارِ الْمُشَاهَدَةِ لِنَحْوِ النَّارِ وَالْمَاءِ وَالْأَدْوِيَةِ مَثَلًا وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مَدَارَ كُلِّ شَيْءٍ الْمَشِيئَةُ الْإِلَهِيَّةُ فَمَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَحِكْمَةُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى التَّأْثِيرَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَيْنِ أَمْرٌ مَجْهُولٌ لَنَا وَزَعَمَ أَبُو هَاشِمٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْبَلْخِيُّ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى مَصْلَحَةِ التَّكْلِيفِ قَالَا : لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ حَقًّا عَلَى مَعْنَى أَنَّ صَاحِبَ الْعَيْنِ إِذَا شَاهَدَ الشَّيْءَ وَأُعْجِبَ بِهِ اسْتِحْسَانًا كَانَ الْمَصْلَحَةُ لَهُ فِي تَكْلِيفِهِ أَنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتَّى لَا يَبْقَى قَلْبُ ذَلِكَ الْمُكَلَّفِ مُتَعَلِّقًا بِهِ ثُمَّ لَا يَبْعُدُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ رَبَّهُ عِنْدَ تِلْكَ الْحَالَةِ وَعَدَلَ عَنِ الْإِعْجَابِ وَسَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ بَقَاءَ ذَلِكَ تَتَغَيَّرُ الْمَصْلَحَةُ فَيُبْقِيهِ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُفْنِيهِ وَهُوَ كَمَا تَرَى ثُمَّ إِنَّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ نَفْعِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ حَقٌّ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَدْعِيَةَ وَالرُّقَى مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ لِدَفْعِ أَذَى الْعَيْنِ بَلْ إِنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِرَدِّ سَهْمِ الْعَائِنِ إِلَيْهِ فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ سَعِيدَ السَّاحِيَّ قِيلَ لَهُ : احْفَظْ نَاقَتَكَ مِنْ فُلَانٍ الْعَائِنِ فَقَالَ : لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا فَعَانَهَا فَسَقَطَتْ تَضْطَرِبُ فَأُخْبِرَ السَّاحِيُّ فَوَقَفَ عَلَيْهَا فَقَالَ : حَبْسُ حَابِسٍ وَشِهَابٍ قَابِسٍ رَدَدْتَ عَيْنَ الْعَائِنِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ وَعَلَى كَبِدِهِ وَكُلْيَتَيْهِ رَشِيقُ وَفِي مَالِهِ يَلِيقُ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تُرَى مِنْ فُطُورٍ الْآيَةَ فَخَرَجَتْ حَدَقَتَا الْعَائِنِ وَسَلِمَتِ النَّاقَةُ . وَيَدُلُّ عَلَى نَفْعِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ مَشْرُوعِيَّتُهَا كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعَ مِنْ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالْحُمَّةِ وَإِلَّا فَقَدْ رَقَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ مَنْ غَيْرِهِمَا وَيَنْبَغِي لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ ذُو عَيْنٍ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى شَيْءٍ نَظَرَ إِعْجَابٍ وَأَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُسْتَحْسَنُ فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجَرِّبِينَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ وَنَقَلَ الْأَجْهُورِيُّ أَنَّهُ يُنْدَبُ أَنَّهُ يُعَوِّذُ الْمَعِينَ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلَا تَضُرَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَفِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ أَنَّ مِنْ أَدْوِيَتِهَا أَيِ الْعَيْنِ الْمُجَرَّبَةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا أَنْ يَتَوَضَّأَ الْعَائِنُ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا وَأَنْ يَدْعُوَ لِلْمَعِينِ وَأَنْ يَقُولَ الْمَعِينُ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ حَصَّنْتُ نَفْسِي بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا وَدَفَعْتُ عَنْهَا السُّوءَ بِأَلْفِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَيُسَنُّ عِنْدَ الْقَاضِي لِمَنْ رَأَى نَفْسَهُ سَلِيمَةً وَأَحْوَالَهُ مُعْتَدِلَةً أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ عَلَى السُّلْطَانِ مَنْعُ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَيَرْزُقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِنْ كَانَ فَقِيرًا فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَرَأَيْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَيْضًا الْقَوْلَ بِنَدْبِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى عَائِنٍ قِيلَ : لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعَدُّ مُهْلِكًا عَادَةً عَلَى أَنَّ التَّأْثِيرَ يَقَعُ عِنْدَهَا لَا بِهَا حَتَّى بِالنَّظَرِ لِلظَّاهِرِ وَهَذَا بِخِلَافِ السَّاحِرِ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُقْتَلُ إِذَا أَقَرَّ أَنَّ سِحْرَهُ يَقْتُلُ غَالِبًا وَنُقِلَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ السَّاحِرِ وَالْعَائِنِ فَيُقْتُلَانِ إِذَا قَتَلَا ثُمَّ إِنَّ الْعَيْنَ عَلَى مَا نُقِلَ عَنِ الرَّازِيِّ لَا تُؤَثِّرُ مِمَّنْ لَهُ نَفْسٌ شَرِيفَةٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْظَامِ لِلشَّيْءِ وَفِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مَا يُؤَيِّدُ الْمُدَّعِيَ وَاعْتُرِضَ بِمَا رَوَاهُ الْقَاضِي أَنَّ نَبِيًّا اسْتَكْثَرَ قَوْمَهُ فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي لَيْلَةٍ مِائَةُ أَلْفٍ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : إِنَّكَ اسْتَكْثَرْتَهُمْ فَعِنَتَهُمْ هَلَّا حَصَّنَتْهُمْ إِذَا اسْتَكْثَرْتَهُمْ فَقَالَ : يَا رَبِّ كَيْفَ أُحَصِّنُهُمْ قَالَ : تَقُولُ حَصَّنْتُكُمْ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَ الرَّازِيُّ هُوَ الْأَغْلَبُ بَلْ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ هَذَا إِنْ صَحَّ بِأَنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا غَفَلَ عَنِ الذِّكْرِ عِنْدَ الِاسْتِكْثَارِ عُوتِبَ فِيهِمْ لِيَسْأَلَ فَيَعْلَمَ فَهُوَ كَالْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ لَا أَنَّهُ عَانٍ حَقِيقَةً هَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ بَلْ ضَمَّ إِلَيْهِ قَوْلَهُ : وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ بَيَانًا لِلْمُرَادِ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلدُّخُولِ مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَفِي دُخُولِهِمْ مِنْ بَابَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بَعْضُ مَا فِي الدُّخُولِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ مِنْ نَوْعِ اجْتِمَاعٍ مُصَحِّحٍ لِوُقُوعِ الْمَحْذُورِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِهَذَا الْأَمْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ السَّابِقِ إِظْهَارًا لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِهِ وَإِيذَانًا بِأَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْمَذْكُورِ لَا تَحْقِيقَ شَيْءٍ آخَرَ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ أَيْ لَا أَنْفَعُكُمْ وَلَا أَدْفَعُ عَنْكُمْ بِتَدْبِيرِي مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أَيْ مِنْ قَضَائِهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا قِيلَ إِلْغَاءَ الْحَذَرِ بِالْمَرَّةِ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : خُذُوا حِذْرَكُمْ وَقَالَ عَزَّ قَائِلًا : وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بَلْ أَرَادَ بَيَانَ أَنَّ مَا وَصَّاهُمْ بِهِ لَيْسَ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ الْمُرَادَ لَا مَحَالَةَ بَلْ هُوَ تَدْبِيرٌ وَتَشَبُّثٌ بِالْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي لَا تُؤَثِّرُ إِلَّا بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُدَافِعَةٍ لِلْقَدَرِ بَلْ هُوَ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ تَعَالَى وَهَرَبٌ مِنْهُ إِلَيْهِ إِنِ الْحُكْمُ أَيْ مَا الْحُكْمُ مُطْلَقًا إِلَّا لِلَّهِ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ وَلَا يُمَانِعُهُ شَيْءٌ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ دُونَ غَيْرِهِ تَوَكَّلْتُ فِي كُلِّ مَا آتِي بِهِ وَأَذَرُ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْأَسْبَابِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالتَّوَكُّلِ وَفِي الْخَبَرِ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ . وَعَلَيْهِ عَزَّ سُلْطَانُهُ دُونَ غَيْرِهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ . (67) . أَيِ الْمُرِيدُونَ لِلتَّوَكُّلِ قِيلَ : جَمَعَ بَيْنَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ فِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ مَعَ تَقْدِيمِ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصَاصِ لِيُفِيدَ بِالْوَاوِ عَطْفَ فِعْلِ غَيْرِهِ مِنْ تَخْصِيصِ التَّوَكُّلِ بِاللَّهِ تَعَالَى شَأْنُهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَبِالْفَاءِ سَبَبِيَّةُ فِعْلِهِ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا لِفِعْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِهِ وَهِيَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ زَائِدَةٌ حَيْثُ قَالَ : وَلَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ بِزِيَادَةِ الْفَاءِ وَإِفَادَتِهَا السَّبَبِيَّةَ وَيَلْتَزِمُ أَنَّ الزَّائِدَ قَدْ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى غَيْرَ التَّوْكِيدِ وَذُكِرَ أَنَّهُ لَوِ اكْتَفَى بِالْفَاءِ وَحْدَهَا وَقِيلَ : فَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ .. إِلَخْ أَفَادَ تَسَبُّبَ الِاخْتِصَاصِ لَا أَصْلَ التَّوَكُّلِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ جِيءَ بِالْفَاءِ إِفَادَةً لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ كَمَا هُوَ الْأَمْرُ الشَّائِعُ فِي الْحُرُوفِ الزَّائِدَةِ فَتَدَبَّرْ وَأَيًّا مَا كَانَ فَيَدْخُلُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي عُمُومِ الْأَمْرِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا وَفِي هَذَا الْأُسْلُوبِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ حُسْنِ هِدَايَتِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى التَّوَكُّلِ فِيمَا هُمْ بِصَدَدِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى شَأْنُهُ غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا وَصَّاهُمْ بِهِ مِنَ التَّدْبِيرِ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية