الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      تِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ لِتَقَضِّيهَا فِي حُكْمِ الْبَعِيدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُشِيرَ بِأَدَاةِ الْبُعْدِ إِلَى بُعْدِ مَنْزِلَتِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ الْإِشَارَاةَ إِلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ بِذَاكَ؛ وَهِيَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ أَيْ بَعْضِ أَخْبَارِهِ الَّتِي لَهَا شَأْنٌ وَكَوْنُهَا بَعْضَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا عَلَى التَّفْصِيلِ لَمْ تَبْقَ لِطُولِ الْعَهْدِ مَعْلُومَةً لِغَيْرِهِ تَعَالَى حَتَّى إِنَّ الْمَجُوسَ عَلَى مَا قِيلَ: يُنْكِرُونَهَا رَأْسًا، وَقِيلَ: إِنَّ كَوْنَهَا مِنَ الْغَيْبِ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْغَيْبَ قِسْمَانِ: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ أَصْلًا وَهُوَ الْغَيْبُ الْمُطْلَقُ، وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْغَيْبُ الْمُضَافُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ مُرَادُ الْفُقَهَاءِ فِي تَكْفِيرِ الْحَاكِمِ عَلَى الْغَيْبِ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: نُوحِيهَا خَبَرٌ ثَانٍ –لِتِلْكَ- وَالضَّمِيرُ لَهَا أَيْ مُوحَاةً إِلَيْكَ أَوْ هُوَ الْخَبَرُ ( مِنْ أَنْبَاءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَفَائِدَةُ تَقْدِيمِهِ نَفْيُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ ذَلِكَ بِكِهَانَةٍ أَوْ تَعَلُّمٍ مِنَ الْغَيْرِ، وَالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ أَوْ ( مِنْ أَنْبَاءِ ) هُوَ الْخَبَرُ، وَهَذَا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ( أَنْبَاءِ ) وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ كَوْنِهَا مُوحَاةً إِلْجَاءُ قَوْمِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَتَحْذِيرِهِمْ مِمَّا نَزَلَ بِالْمُكَذِّبِينَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ خَبَرٌ آخَرُ أَيْ مَجْهُولَةٌ عِنْدَكَ وَعِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَيِ الْإِيحَاءِ إِلَيْكَ الْمَعْلُومِ مِمَّا مَرَّ، وَقِيلَ: أَيِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: أَيِ الْعِلْمِ الْمُكْتَسَبِ بِالْوَحْيِ. وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ -مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ- وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي نُوحِيهَا أَوِ الْكَافِ مِنْ ( إِلَيْكَ ) أَيْ غَيْرُ عَالِمٍ أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ بِهَا، وَذِكْرُ الْقَوْمِ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي كَمَا تَقُولُ: هَذَا الْأَمْرُ لَا يَعْلَمُهُ زَيْدٌ وَلَا أَهْلُ بَلَدِهِ لِأَنَّهُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِطْ غَيْرَهُمْ. فَاصْبِرْ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْإِيحَاءِ أَوْ عَلَى الْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَيْ وَإِذْ قَدْ أَوْحَيْنَاهَا إِلَيْكَ وَعَلِمْتَهَا بِذَلِكَ فَاصْبِرْ عَلَى مَشَاقِّ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَذِيَّةِ قَوْمِكَ كَمَا صَبَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى مَا سَمِعْتَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَايَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمُتَطَاوِلَةِ، وَقِيلَ: وَهَذَا نَاظِرٌ إِلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ إِلَخْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ بِالظَّفَرِ فِي الدُّنْيَا وَبِالْفَوْزِ بِالْآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ كَمَا سَمِعْتَ ذَلِكَ فِي نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَوْمِهِ، قِيلَ: وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ وَتَسْلِيَةٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّقْوَى الدَّرَجَةُ الْأُولَى مِنْهَا، وَجَوَّزَ أَنْ يُرَادَ بِهَا الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الصَّبْرِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَاصْبِرْ فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلصَّابِرِينَ، وَقِيلَ: الْآيَةُ فَذْلَكَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَبَيَانٌ لِلْحِكْمَةِ فِي إِيحَاءِ ذَلِكَ مِنْ إِرْشَادِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَهْدِيدِ قَوْمِهِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية