الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              تحفة المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                              ( فإن تلف ) بآفة سماوية  ويصدق فيه البائع بالتفصيل الآتي في الوديعة على الأوجه ؛ لأنه كالوديع لا في عدم ضمان البدل ، أو وقعت الدرة في بحر لا يمكن إخراجها منه ، أو انفلت ما لا يرجى عوده من طير ، أو صيد متوحش ، أو اختلط نحو ثوب ، أو شاة بمثله للبائع ، ولم يمكن التمييز بخلاف نحو تمر بمثله ؛ لأن المثلية تقتضي الشركة فلا تعذر بخلاف المتقوم أو انقلب عصير خمرا ما لم يعد خلا لكن يتخير المشتري ، أو غرقت الأرض بماء لم يتوقع انحساره ، أو وقع عليها صخرة ، أو ركبها رمل لا يمكن رفعهما كما جزما به في الشفعة واقتضاه كلامهما في الإجارة لكن رجحا هنا أنه تعيب ، واعتمده بعضهم وفرق ببقاء عين الأرض ، والحيلولة لا تقتضي فسخا كالإباق ، والشفعة تقتضي تملكا ، وهو متعذر حالا لعدم الرؤية والانتفاع ، والإجارة تقتضي الانتفاع في الحال ، وهو متعذر بحيلولة الماء ، وترقب زواله لا نظر له لتلف المنافع ، ولك رده بأنهم لو نظروا هنا لمجرد بقاء العين لم يقولوا بالانفساخ في وقوع الدرة ، وما بعده إلا أن يفرق بأن العين في هذه [ ص: 395 ] لم يعلم بقاؤها بخلاف الأرض ( انفسخ البيع ) أي : قدر انفساخه المستلزم لتقدير انتقاله لملك البائع قبيل التلف فتكون زوائده للمشتري حيث لا خيار ، أو تخير وحده ، ويلزم البائع تجهيزه ( وسقط الثمن ) الذي لم يقبض ، ووجب رده إن قبض لفوات التسليم المستحق بالعقد فبطل كما لو تفرقا في عقد الصرف قبل القبض .

                                                                                                                              قيل : يستثنى من طرده وضعه بين يديه عند امتناعه ، ويرده أن ذلك قبض له كما مر وإحبال أبي المشتري الأمة وتعجيز مكاتب بعد بيعه شيئا لسيده [ ص: 396 ] وموت مورثه البائع له ، ويرده أن قبض المشتري وجد في الثلاثة حكما هو كاف على أنه يأتي في الأخيرتين ما يبطل ورودهما من أصلهما ، ومن عكسه قبض المشترى له من البائع وديعة بأن كان له حق الحبس فتلفه بيده كتلفه بيد البائع كما صرحوا به ، ويرده أنه لا أثر لهذا القبض ، ومن ثم كان الأصح بقاء حبس البائع بعده ، ووقع للزركشي في هذه آخر الوديعة ما يخالف ما ذكر فيها وكأنه سهو ، وإن أقره شيخنا عليه ثم وما لو قبضه المشتري في زمن خيار البائع وحده فتلفه حينئذ  كهو بيد البائع فينفسخ العقد به ، وله ثمنه وللبائع عليه مثل المثلي وقيمة غيره يوم التلف ، ويرد بأن الملك حينئذ للبائع فلم يوجد فيه المعنى الذي في البيع بعد الخيار وقبل القبض ، ويؤيده تعليلهم الانفساخ هنا بقولهم ؛ لأنه ينفسخ بذلك عند بقاء يده فعند بقاء ملكه أولى فالمراد ببقاء يده بقاؤها أصالة لتصريحهم في هذه بأن إيداع المشتري إياه له بعد قبضه كبقائه بيد المشتري ، وخرج بوحده ما لو تخيرا والمشتري فلا فسخ بل يبقى الخيار ثم إن تم العقد غرم الثمن ، وإلا فالبدل فرع باع عصيرا وسلمه فوجده خمرا فقال البائع : تخمر عندك ، وقال المشتري : بل عندك  صدق البائع كما رجحه الشيخان .

                                                                                                                              قال بعضهم : والصورة أن العصير مشاهد وأنه أقبضه بإناء موكوء عليه بعد مضي زمن يمكن فيه تخمره وقياسه أنه لو اشترى نحو زيت ثم أفرغه البائع [ ص: 397 ] في إنائه بأمره فوجد فيه فأرة ميتة فقال : هي فيه قبل إفراغه ، وقال البائع : بل هي في ظرفك  صدق البائع لا يقال : يلزم من تصديقه بطلان البيع أيضا لتنجسه بها قبل القبض أو معه ؛ لأنا نقول : المائع إذا حصل في فضاء الظرف ثبت له حكم القبض جزءا جزءا قبل ملاقاته لها ذكره الإمام ، قوله : أو معه ضعيف بل الأصح أن جعل البائع المبيع في ظرف المشتري بعد أمره له غير قبض له ؛ لأنه لم يستول عليه ، ومن ثم لم يضمنه أيضا في أعرني ظرفك ، واجعل المبيع فيه ، ولا يضمن البائع الظرف ؛ لأنه استعمله في ملك المشتري بإذنه ، ومن ثم ضمنه المسلم إليه في نظير ذلك ؛ لأنه استعمله في ملك نفسه ( ولو أبرأه المشتري عن الضمان  لم يبرأ في الأظهر ) ؛ لأنه إبراء عما لم يجب ، وهو باطل ، وإن وجد سببه ( ولم يتغير الحكم ) السابق ، وفائدة هذا خلافا لمن زعم أنه لا فائدة له مع ما قبله نفي توهم عدم الانفساخ إذا تلف ، وأن الإبراء كما لا يرفع الضمان لا يرفع الفسخ بالتلف ، ولا المنع من التصرف

                                                                                                                              التالي السابق



                                                                                                                              الخدمات العلمية