الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              تحفة المحتاج شرح المنهاج ( وَ ) يُكْرَهُ تَنْزِيهًا أَيْضًا ( الصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ ) الْجَدِيدِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ بِمَسْلَخِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ { الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ } وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّيَاطِينِ لِكَشْفِ الْعَوْرَاتِ بِهِ وَمِثْلُهُ كُلُّ مَحَلِّ مَعْصِيَةٍ أَوْ غَضَبٍ كَأَرْضِ ثَمُودَ أَوْ مُحَسِّرٍ فِيمَا يَظْهَرُ ( وَالطَّرِيقِ ) فِي صَحْرَاءَ أَوْ بُنْيَانٍ وَقْتَ مُرُورِ النَّاسِ بِهِ كَالْمَطَافِ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ اسْتِقْبَالُهُ كَالْوُقُوفِ بِهِ وَالتَّعْلِيلُ بِغَلَبَةِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْكَرَاهَةِ تَحَقُّقُهَا فَقَطْ . ( وَالْمَزْبَلَةِ ) أَيْ مَحَلِّ الزِّبْلِ وَمِثْلُهُ كُلُّ نَجَاسَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لِأَنَّهُ بِفَرْشِهِ طَاهِرًا عَلَيْهَا يُحَاذِيهَا وَمَرَّ كَرَاهَةُ مُحَاذَاتِهَا ( وَالْكَنِيسَةِ ) وَهِيَ بِفَتْحِ الْكَافِ مُتَعَبَّدُ الْيَهُودِ وَقِيلَ النَّصَارَى وَالْبِيعَةِ وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاءِ مُتَعَبَّدُ النَّصَارَى وَقِيلَ الْيَهُودِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَمَاكِنِ الْكُفْرِ لِأَنَّهَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ وَيَحْرُمُ دُخُولُهَا عَلَى مَنْ مَنَعُوهُ ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِيهَا صُورَةٌ مُعَظَّمَةٌ كَمَا سَيَأْتِي ( وَعَطَنِ الْإِبِلِ ) وَلَوْ طَاهِرًا ، وَهُوَ مَا تَنَحَّى إلَيْهِ إذَا شَرِبَتْ لِيَشْرَبَ غَيْرُهَا فَإِذَا اجْتَمَعَتْ سِيقَتْ مِنْهُ لِلْمَرْعَى لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ { صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ } أَيْ مَرَاقِدِهَا وَالْمُرَادُ جَمِيعُ مَحَالِّهَا { وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ } وَفِي رِوَايَةٍ { إنَّهَا جِنٌّ خُلِقَتْ } وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ بَلْ فِي حَدِيثٍ أَنَّ عَلَى سَنَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَيْطَانَيْنِ وَالصَّلَاةُ تُكْرَهُ فِي مَأْوَى الشَّيَاطِينِ ، وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ { أَنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ } وَأَيْضًا فَالْإِبِلُ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَشْتَدَّ نِفَارُهَا فَتُشَوِّشَ الْخُشُوعَ وَعَلَيْهِمَا فَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ جَمْعٌ وَدَلَّتْ لَهُ رِوَايَةٌ لَكِنْ فِي سَنَدِهَا مَجْهُولٌ إنَّ نَحْوَ الْبَقَرِ كَالْغَنَمِ لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي عَطَنِ الْإِبِلِ الطَّاهِرِ حَالَ غَيْبَتِهَا عَنْهُ وَجَمِيعُ مَبَارِكِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا كَالْعَطَنِ لَكِنَّهُ أَشَدُّ لِأَنَّ نِفَارَهَا فِيهِ أَكْثَرُ وَمَتَى كَانَ بِمَحَلِّ الْحَيَوَانِ نَجَاسَةٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهَا حِينَئِذٍ لِعِلَّتَيْنِ وَفِي غَيْرِهَا لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ ( وَالْمَقْبَرَةِ ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ ( الطَّاهِرَةِ ) لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ بِأَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ نَبْشُهَا أَوْ تَحَقَّقَ وَفُرِشَ عَلَيْهَا حَائِلٌ . ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ مَعَ خَبَرِ مُسْلِمٍ { لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ } أَيْ أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ وَصَحَّ خَبَرُ { لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا } وَعِلَّتُهُ مُحَاذَاتُهُ لِلنَّجَاسَةِ سَوَاءٌ مَا تَحْتَهُ أَوْ أَمَامَهُ أَوْ بِجَانِبِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَفْتَرِقْ الْكَرَاهَةُ بَيْنَ الْمَنْبُوشَةِ بِحَائِلٍ وَغَيْرِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ بِأَنْ دُفِنَ فِيهَا أَوَّلُ مَيِّتٍ بَلْ لَوْ دُفِنَ مَيِّتٌ بِمَسْجِدٍ كَانَ كَذَلِكَ وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ حَيْثُ لَا مُحَاذَاةَ وَإِنْ كَانَ فِيهَا لِبُعْدِ الْمَوْتَى عَنْهُ عُرْفًا أَمَّا مَقْبَرَةُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ فَلَا نَجَاسَةَ وَالنَّهْيُ عَنْ اتِّخَاذِ قُبُورِهِمْ مَسَاجِدَ فَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا لَا يُنَافِي ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ هُنَا قَصْدُ اسْتِقْبَالِهَا لِتَبَرُّكٍ أَوْ نَحْوِهِ عَلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ قَبْرِ غَيْرِهِمْ مَكْرُوهٌ أَيْضًا كَمَا أَفَادَهُ خَبَرُ { وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا } فَحِينَئِذٍ الْكَرَاهَةُ لِشَيْئَيْنِ اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ وَمُحَاذَاةِ النَّجَاسَةِ ، وَهَذَا الثَّانِي مُنْتَفٍ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ فِيهِمْ بِالْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الشِّرْكِ وَتُكْرَهُ أَيْضًا عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَدَبِ وَفِي الْوَادِي الَّذِي نَامَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِنَصِّهِ عَلَى أَنَّ فِيهِ شَيْطَانًا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْدِيَةِ وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ فِي الْكُلِّ مَا لَمْ يُعَارِضْهَا خَشْيَةُ خُرُوجِ وَقْتٍ ، وَكَذَا فَوَاتُ جَمَاعَةٍ عَلَى الْأَوْجَهِ وَإِنَّمَا لَمْ تَقْتَضِ الْفَسَادَ عِنْدَنَا بِخِلَافِ كَرَاهَةِ الزَّمَانِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الصَّلَاةِ بِالْأَوْقَاتِ أَشَدُّ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لَهَا أَوْقَاتًا مَخْصُوصَةً لَا تَصِحُّ فِي غَيْرِهَا فَكَانَ الْخَلَلُ فِيهَا أَعْظَمَ بِخِلَافِ الْأَمْكِنَةِ تَصِحُّ فِي كُلِّهَا وَلَوْ مَغْصُوبًا لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهَا كَالْحَرِيرِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ يَنْفَكُّ عَنْ الْعِبَادَةِ فَلَمْ يَقْتَضِ فَسَادَهَا . حاشية ابن قاسم العبادي ( قَوْلُهُ الْجَدِيدِ وَغَيْرِهِ ) أَفْتَى شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي الْحَمَّامِ الْجَدِيدِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَلِ وَخَرَجَ بِالْحَمَّامِ سَطْحُهَا فَلَا يُكْرَهُ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الزُّبَدِ ( قَوْلُهُ مُتَيَقَّنَةٍ ) خَرَجَ غَيْرُ الْمُتَيَقَّنَةِ فَلَا كَرَاهَةَ مَعَ بَسْطِ الطَّاهِرِ عَلَيْهَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ لِضَعْفِ ذَلِكَ بِالْحَائِلِ م ر ( قَوْلُهُ طَاهِرًا ) إذْ بِدُونِ فَرْشٍ طَاهِرٍ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ( قَوْلُهُ فَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ جَمْعٌ ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ م ر ( قَوْلُهُ سَوَاءٌ مَا تَحْتَهُ إلَخْ ) سَكَتَ عَمَّا خَلْفَهُ ، وَقَدْ يُقَالُ قِيَاسُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُحَاذَاةُ لِلنَّجَاسَةِ أَنَّهُ كَذَلِكَ ، وَكَذَا مَا فَوْقَهُ فَلْيُرَاجَعْ ( قَوْلُهُ وَالْجَدِيدَة ) هَذَا ظَاهِرٌ إذَا مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْهُ أَمَّا لَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْهُ كَأَنْ صَلَّى عَقِبَ دَفْنِ صَحِيحِ الْبَدَنِ فَلَا يَتَّجِهُ الْكَرَاهَةُ حِينَئِذٍ إذْ لَا مُحَاذَاةَ لِلنَّجَاسَةِ إلَّا أَنْ يُنْظَرَ لِنَجَاسَةِ بَاطِنِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَيَاةِ الدَّافِعَةِ لِاعْتِبَارِهَا ثُمَّ رَأَيْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ قَالَ وَمِنْهُ أَيْ مِنْ التَّعْلِيلِ بِمُحَاذَاةِ النَّجَاسَةِ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي مَقْبَرَةٍ جَدِيدَةٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّ سَبَبَ الْكَرَاهَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ احْتِرَامُ الْمَوْتَى ضَعِيفٌ ا هـ . ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَإِنْ قُلْت : قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ بِحَيَاتِهِمْ أَنَّ الشُّهَدَاءَ مِثْلُهُمْ قُلْت : مَمْنُوعٌ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيَاتَيْنِ فَإِنَّ حَيَاةَ الْأَنْبِيَاءِ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ كَمَا يُؤَيِّدُهُ مَا صَحَّ مِنْ رُؤْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ عَلَى كَيْفِيَّاتٍ مُتَبَايِنَةٍ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَكَوْنِ بَعْضِهِمْ فِي الْأَرْضِ وَبَعْضِهِمْ فِي السَّمَاءِ ا هـ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَقَدْ اعْتَمَدَ م ر أَنَّهُمْ كَالْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ ( قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ ) هُوَ الزَّرْكَشِيُّ وَجَعَلَ الْمَدَارَ فِي حُرْمَةِ اسْتِقْبَالِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى رُءُوسِهَا حَيْثُ قَالَ فِي تَقْرِيرِ اعْتِرَاضِهِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ قُبُورِهِمْ لَا سِيَّمَا مَعَ تَحْرِيمِ اسْتِقْبَالِ رَأْسِ قُبُورِهِمْ ( قَوْلُهُ يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ ) فَقَوْلُهُ أَمَّا مَقْبَرَةُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا أَيْ إذَا انْتَفَى الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ أَوْ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةُ وَإِنْ حَرُمَتْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلْيُتَأَمَّلْ .

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية