الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ دَفَعَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَيَمْشِي وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنَّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَغَدَاةَ جَمْعٍ حِينَ دَفَعُوا : عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ } فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ لِمَا رَوَى أُسَامَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ } عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا جَازَ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ لِأَجْلِ السَّفَرِ فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ . وَيَثْبُتُ بِهَا إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، وَاضْطَجَعَ حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى الْفَجْرَ } وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ بَاتَ أَجْزَأَهُ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ } وَهَلْ يَجِبُ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ أَمْ لَا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَجِبُ لِأَنَّهُ نُسُكٌ مَقْصُودٌ فِي مَوْضِعٍ فَكَانَ وَاجِبًا كَالرَّمْيِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ مَبِيتٌ فَكَانَ سُنَّةً كَالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ ، فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَجِبُ وَجَبَ بِتَرْكِهِ الدَّمُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ سُنَّةٌ لَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ الدَّمُ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا حَصَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ اُلْقُطْ لِي حَصًى ، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ } وَلِأَنَّ السُّنَّةَ إذَا أَتَى مِنًى لَا يَعْرُجُ عَلَى غَيْرِ الرَّمْيِ ، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَى حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ عَنْ الرَّمْيِ ، وَإِنْ أَخَذَ الْحَصَى مِنْ غَيْرِهَا جَازَ لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهِ . وَيُصَلِّي الصُّبْحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَتَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ قَالَ { مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً إلَّا لِمِيقَاتِهَا إلَّا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا } وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَعْدَهَا فَاسْتُحِبَّ تَقْدِيمُهَا لِيُكْثِرَ الدُّعَاءَ . فَإِذَا صَلَّى وَقَفَ عَلَى قُزَحَ وَهُوَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى رَقِيَ عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ وَوَحَّدَ وَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ } وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ، فَإِنْ أَخَّرَ الدَّفْعَ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ كُرِهَ لِمَا رَوَى الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ ، وَإِنَّا نَدْفَعُ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ لِيُخَالِفَ هَدْيُنَا هَدْيَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالشِّرْكِ } فَإِنْ قَدَّمَ الدَّفْعَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ سَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ امْرَأَةً ثَبْطَةً ، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ الْإِفَاضَةِ لَيْلًا فِي لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ فَأَذِنَ لَهَا } " وَالْمُسْتَحَبُّ إذَا دَفَعَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ أَنْ يَمْشِيَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ كَمَا يَفْعَلُ فِي الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ . وَالْمُسْتَحَبُّ إذَا بَلَغَ وَادِيَ مُحَسِّرٍ أَنْ يُسْرِعَ إذَا كَانَ مَاشِيًا أَوْ يُحَرِّكَ دَابَّتَهُ إذَا كَانَ رَاكِبًا بِقَدْرِ رَمْيَةِ حَجَرٍ ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّكَ قَلِيلًا فِي وَادِي مُحَسِّرٍ } ) المجموع ( الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَبَقَ فِي فَصْلِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَمِمَّا فِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَحَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَحَدِيثُ أُسَامَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ " إلَى آخِرِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بِالْمُزْدَلِفَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَجَابِرٌ ، وَكُلُّ رِوَايَاتِهِمْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ إلَّا جَابِرًا فَفِي مُسْلِمٍ خَاصَّةً . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ } فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ جَابِر { نَحَرْتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ . وَوَقَفْت هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَجَمْعٌ هِيَ الْمُزْدَلِفَةُ وَسَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا حَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي لَقْطِ الْحَصَيَاتِ فَصَحِيحٌ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ ، إسْنَادِ النَّسَائِيّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، لَكِنَّهُمَا رَوَيَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطْلَقًا ، وَظَاهِرُ رِوَايَتِهِمَا أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ لَا الْفَضْلُ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي مُسْنَدِ الْفَضْلِ ، وَالْجَمِيعُ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَيَكُونُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَصَلَهُ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ ، وَأَرْسَلَهُ فِي رِوَايَتَيْ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ ، وَهُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ وَهُوَ حُجَّةٌ لَوْ لَمْ يُعْرَفْ الْمُرْسَلُ عَنْهُ ، فَإِذَا عُرِفَ فَأَوْلَى بِالِاحْتِجَاجِ وَالِاعْتِمَادِ ، وَقَدْ عُرِفَ هُنَا أَنَّهُ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ { مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً إلَّا لِمِيقَاتِهَا } إلَى آخِرِهِ ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَقَوْلُهُ " فِي الصُّبْحِ قَبْلَ مِيقَاتِهَا " أَيْ قَبْلَ مِيقَاتِهَا الْمُعْتَادِ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ عَقِبَ طُلُوعِ الْفَجْرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ الْوَاقِعِ هُنَا ، وَهُوَ بَعْضٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ سَوْدَةَ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي بَعْدَهُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَأَمَّا لُغَاتُ الْفَصْلِ وَأَلْفَاظُهُ ) فَالْمُزْدَلِفَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : سُمِيَتْ بِذَلِكَ مِنْ التَّزَلُّفِ وَالِازْدِلَافِ ، وَهُوَ التَّقَرُّبُ ; لِأَنَّ الْحُجَّاجَ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إلَيْهَا أَيْ مَضَوْا إلَيْهَا وَتَقَرَّبُوا مِنْهَا . وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَجِيءِ النَّاسِ إلَيْهَا فِي زُلَفٍ مِنْ اللَّيْلِ أَيْ سَاعَاتٍ ، وَسُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ جَمْعًا - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ - سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مِنْ الْحَرَمِ . قَالَ الْأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : حَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسِّرٍ وَمَأْزِمَيْ عَرَفَةَ ، وَلَيْسَ الْحَدَّانِ مِنْهَا ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعُ تِلْكَ الشِّعَابِ الْقَوَابِلِ وَالظَّوَاهِرِ ، وَالْجِبَالِ الدَّاخِلَةِ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ . وَأَمَّا وَادِي مُحَسِّرٍ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِالرَّاءِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الْفِيلِ حُسِّرَ فِيهِ ، أَيْ أَعْيَا وَكَلَّ عَنْ السَّيْرِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } وَوَادِي مُحَسِّرٍ مَوْضِعٌ فَاصِلٌ بَيْنَ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ ، وَلَيْسَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . قَالَ الْأَزْرَقِيُّ : وَادِي مُحَسِّرٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا . وَأَمَّا مِنًى فَبِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَيَجُوزُ فِيهَا الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ ، وَالْأَجْوَدُ الصَّرْفُ . وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ بِأَنَّهَا لَا تُصْرَفُ ، وَجَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّ مِنًى مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ . وَقَالَ الْعُلَمَاءُ : سُمِّيَتْ مِنًى لِمَا يُمْنَى فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ ، أَيْ يُرَاقُ وَيُصَبُّ . هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّوَارِيخِ وَغَيْرِهِمْ وَنَقَلَ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ آدَمَ لَمَّا أَرَادَ مُفَارَقَةَ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : تَمَنَّ ، قَالَ : أَتَمَنَّى الْجَنَّةَ . وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ : مَنَى اللَّهُ الشَّيْءَ أَيْ قَدَّرَهُ . فَسُمِّيَتْ مِنًى ، لِمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الشَّعَائِرِ فِيهَا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَالَ يُونُسُ : يُقَال امْتَنَى الْقَوْمُ إذَا أَتَوْا مِنًى ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يُقَالُ أَمْنَى الْقَوْمُ أَتَوْا مِنًى . وَاعْلَمْ أَنَّ مِنًى مِنْ الْحَرَمِ وَهِيَ شِعْبٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) ثَبِيرٌ ( وَالْآخَرُ ) الصَّانِعُ ، قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَأَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ : حَدُّ مِنًى مَا بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ ، وَلَيْسَتْ الْجَمْرَةُ وَلَا وَادِي مُحَسِّرٍ مِنْ مِنًى . قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْأَصْحَابُ : مَا أَقْبَلَ عَلَى مِنًى مِنْ الْجِبَالِ فَهُوَ مِنْهَا ، وَمَا أَدْبَرَ فَلَيْسَ مِنْهَا . قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ : ذَرْعُ مَا بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمُحَسِّرٍ سَبْعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ ، قَالَ الْأَزْرَقِيُّ : وَعَرْضُ مِنًى مِنْ مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي الْجِبَالَ إلَى الْجَبَلِ بِحِذَائِهِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَمِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى أَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَسَبْعٌ وَثَمَانُونَ ذِرَاعًا وَنِصْفُ ذِرَاعٍ ، وَمِنْ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى إلَى الْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَةُ أَذْرُعٍ ، وَمِنْ الْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ إلَى أَوْسَطِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى مَسَافَةَ فَرْسَخٍ ، هُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ . وَمِنْ مِنًى إلَى مُزْدَلِفَةَ فَرْسَخٌ ، وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى عَرَفَاتٍ فَرْسَخٌ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ : بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى فَرْسَخَانِ ، وَالصَّوَابُ فَرْسَخٌ فَقَطْ . كَذَا قَالَهُ الْأَزْرَقِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ فِي هَذَا الْفَنِّ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ فَبِفَتْحِ الْمِيمِ . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ . وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ . قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ إلَّا بِالْفَتْحِ . وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ الْكَسْرَ . وَمَعْنَى الْحَرَامِ الْمُحَرَّمُ أَيْ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الصَّيْدُ وَغَيْرُهُ . فَإِنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ذَا الْحُرْمَةِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ . هَلْ هُوَ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا أَمْ بَعْضُهَا . وَهُوَ قُزَحُ خَاصَّةً . وَسَنُوَضِّحُ الْخِلَافَ فِيهِ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ الْعُلَمَاءُ : سُمِّيَ مَشْعَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّعَائِرِ ، وَهِيَ مَعَالِمُ الدِّينِ وَطَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ ( فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً ) وَهِيَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا . وَيُقَالُ فُرْجٌ بِلَا هَاءٍ ثَلَاثُ لُغَاتٍ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ . وَقَوْلُهُ " يَسِيرُ الْعَنَقَ " بِفَتْحِ النُّونِ وَهُوَ ضَرْبٌ مَعْرُوفٌ مِنْ السَّيْرِ فِيهِ إسْرَاعٌ يَسِيرٌ ، " وَالنَّصُّ " بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، أَكْثَرُ مِنْ الْعَنَقِ . قَوْلُهُ ( لِأَنَّهُ نُسُكٌ مَقْصُودٌ فِي مَوْضِعِهِ فَكَانَ وَاجِبًا كَالرَّمْيِ ) احْتَرَزَ عَنْ الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ فَإِنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلطَّوَافِ ، وَكَذَا صَلَاةُ الطَّوَافِ وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ وَلَكِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ ، وَبِطَوَافِ الْقُدُومِ ، وَبِالْخُطَبِ وَالتَّلْبِيَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اُلْقُطْ لِي حَصًى " هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ قَوْلُهُ { وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَيُقَدِّمُهَا أَفْضَلَ تَقْدِيمٍ } أَيْ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ التَّقْدِيمِ ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، قَوْلُهُ " وَقَفَ عَلَى قُزَحَ " هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ قَوْلُهُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ ، هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَبِالْمَدِّ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ شَاةٌ قَصْوَاءُ وَنَاقَةٌ قَصْوَاءُ إذَا قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا شَيْءٌ لَا يُجَاوِزُ الرُّبُعَ ، فَإِنْ جَاوَزَ فَهِيَ عَضْبَاءُ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : لَمْ تَكُنْ نَاقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْطُوعًا مِنْ أُذُنِهَا شَيْءٌ ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : قَالَ الدَّرَاوَرْدِيُّ إنَّمَا قِيلَ لَهَا الْقَصْوَاءُ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ يُقَالُ شَاةٌ قَصْوَاءُ وَنَاقَةٌ قَصْوَاءُ ، وَلَا يُقَالُ جَمَلٌ أَقْصَى ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَقْصُوٌّ وَمَقْصِيٌّ ، كَمَا يُقَالُ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ ، وَلَا يُقَالُ رَجُلٌ أَحْسَنُ ، وَكَانَ يُقَالُ لِهَذِهِ النَّاقَةِ : الْقَصْوَاءُ وَالْقَصِيُّ وَالْجَدْعَا قَالَ الْعُلَمَاءُ : هِيَ اسْمٌ لِنَاقَةٍ وَاحِدَةٍ وَقِيلَ : هُنَّ ثَلَاثٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ " رَقِيَ عَلَى الْمَشْعَرِ " هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ " حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا " هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ جُيِّدَ ، وَمَعْنَاهُ إسْفَارًا ظَاهِرًا . قَوْلُهُ " امْرَأَةً ثَبْطَةً " هِيَ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ أَيْ ثَقِيلَةَ الْبَدَنِ جَسِيمَةً ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسَائِلُ ( إحْدَاهَا ) وَهِيَ مُقَدِّمَةٌ لِمَا بَعْدَهَا فِي بَيَانِ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي سَبَقَ الْوَعْدُ بِهِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ فَقَالَ : هَذِهِ عَرَفَةُ ، وَهُوَ الْمَوْقِفُ ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ عَلَى هِينَتِهِ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ وَيَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةَ ، ثُمَّ أَتَى جَمْعًا فَصَلَّى بِهِمْ الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى قُزَحَ وَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ : هَذَا قُزَحُ وَهُوَ الْمَوْقِفُ ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، ثُمَّ أَفَاضَ حَتَّى انْتَهَى إلَى وَادِي مُحَسِّرٍ فَقَرَعَ نَاقَتَهُ فَخَبَّتْ حَتَّى جَازَ الْوَادِيَ فَوَقَفَ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ ثُمَّ أَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ، ثُمَّ أَتَى الْمَنْحَرَ فَقَالَ هَذَا الْمَنْحَرُ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ، وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَقَالَتْ : إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ ، قَالَ : حُجِّي عَنْ أَبِيكِ ، وَلَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ ؟ قَالَ رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنْ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا . وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ أَوْ أُقَصِّرَ . قَالَ احْلِقْ وَلَا حَرَجَ . قَالَ : وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، قَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ ، قَالَ ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ فَقَالَ : يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ عَلَيْهِ النَّاسُ لَنَزَعْتُهُ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصَرًا وَفِي رِوَايَتِهِ { وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ } . ( الثَّانِيَةُ ) السُّنَّةُ لِلْإِمَامِ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَتَحَقَّقَ غُرُوبُهَا أَنْ يُفِيضَ مِنْ عَرَفَاتٍ ، وَيُفِيضَ النَّاسُ مَعَهُ ، وَأَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ إلَى الْعِشَاءِ ، وَيُكْثِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّلْبِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ } { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } . ( الثَّالِثَةُ ) السُّنَّةُ أَنْ يَسْلُكَ فِي ذَهَابِهِ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ ، وَهُوَ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا حَدُّ الْحَرَمِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ ، وَالْمَأْزِمُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ هُوَ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَجَمِيعُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ الذَّهَابُ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ ، لَا عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ . وَعَجَبٌ إهْمَالُ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا مَعَ شُهْرَتِهَا . وَذِكْرُهُ لَهَا فِي التَّنْبِيهِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا . وَقَدْ ثَبَتَ مَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية