الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَالطِّيبُ كُلُّ مَا يُتَطَيَّبُ بِهِ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ وَالصَّنْدَلِ وَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَفِي الرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ وَالْمَرْزَنْجُوشِ وَاللِّينُوفَرِ وَالنَّرْجِسِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَجُوزُ شَمُّهَا لِمَا رَوَى عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُحْرِمِ يَدْخُلُ الْبُسْتَانَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ وَيَشُمُّ الرَّيْحَانَ " ; وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَهَا رَائِحَةٌ إذَا كَانَتْ رَطْبَةً فَإِذَا جَفَّتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَائِحَةٌ ( وَالثَّانِي ) لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلرَّائِحَةِ فَهُوَ كَالْوَرْدِ وَالزَّعْفَرَانِ ( وَأَمَّا ) الْبَنَفْسَجُ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ هُوَ بِطِيبٍ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : هُوَ طِيبٌ قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ تُشَمُّ رَائِحَتُهُ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الدُّهْنُ فَهُوَ كَالْوَرْدِ وَتَأَوَّلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْمُرَبَّبِ بِالسُّكَّرِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَيْسَ هُوَ بِطِيبٍ قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّدَاوِي وَلَا يُتَّخَذُ مِنْ يَابِسِهِ طِيبٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ كَالنِّرْجِسِ وَالرِّيحَانِ وَفِيهِ قَوْلَانِ ; لِأَنَّهُ يُشَمُّ رَطْبُهُ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْ يَابِسِهِ طِيبٌ . ( وَأَمَّا ) الْأُتْرُجُّ فَلَيْسَ بِطِيبٍ [ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْأَكْلِ فَهُوَ كَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَأَمَّا الْعُصْفُرُ فَلَيْسَ بِطِيبٍ ] لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلِيَلْبَسْنَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ الْمُعَصْفَرِ } ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلَّوْنِ فَهُوَ كَاللَّوْنِ وَالْحِنَّاءُ لَيْسَ بِطِيبٍ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ } وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلَّوْنِ فَهُوَ كَالْعُصْفُرِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْأَدْهَانَ الْمُطَيِّبَةَ كَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالزَّنْبَقِ وَدُهْنِ الْبَانِ الْمَنْشُوشِ وَتَجِبُ بِهَا الْفِدْيَةُ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلرَّائِحَةِ ( وَأَمَّا ) غَيْرُ الْمُطَيِّبِ كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ وَالْبَانِ غَيْرِ الْمَنْشُوشِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ وَلَا تَزْيِينٌ وَلَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا فِي شَعْرِ اللِّحْيَةِ ; لِأَنَّهُ يُرَجِّلُ الشَّعْرَ وَيُزَيِّنُهُ وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ فَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ أَصْلَعُ جَازَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَزْيِينٌ وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ مَحْلُوقٌ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ يُحَسِّنُ الشَّعْرَ إذَا نَبَتَ وَيَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ وَفِي مَوْضِعٍ يُبَخَّرُ ; لِأَنَّ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةً وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَطَيُّبٍ مَقْصُودٍ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَقَّى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ قُرْبَةٍ كَالْجُلُوسِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَهِيَ تُجَمَّرُ فَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجُلُوسَ عِنْدَهَا قُرْبَةٌ فَلَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا لِأَمْرٍ مُبَاحٍ وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ الطِّيبَ فِي خِرْقَةٍ أَوْ قَارُورَةٍ وَالْمِسْكَ فِي نَافِجَةٍ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ دُونَهُ حَائِلًا وَإِنْ مَسَّ طِيبًا فَعَبِقَتْ بِهِ رَائِحَتُهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ رَائِحَةٌ مِنْ مُجَاوَرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمٌ كَالْمَاءِ إذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ بِجِيفَةٍ بِقُرْبِهِ ( وَالثَّانِي ) يَجِبُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الطِّيبِ هُوَ الرَّائِحَةُ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَأَرَادَ غَسْلَهُ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ غَسْلَهُ حَتَّى لَا يُبَاشِرَهُ بِيَدِهِ فَإِنْ غَسَلَهُ بِنَفْسِهِ جَازَ ; لِأَنَّ غَسْلَهُ تَرْكٌ لَهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ كَمَا لَوْ دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ وَإِنْ حَصَلَ عَلَيْهِ طِيبٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِي الطِّيبَ وَالْوُضُوءَ غَسَلَ بِهِ الطِّيبَ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَهُ بَدَلٌ وَغَسْلُ الطِّيبِ لَا بَدَلَ لَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ ; لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ وَالطِّيبُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْحَجِّ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ { وَلْيَلْبَسْنَ مَا أَحْبَبْنَ } فَسَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي فَصْلِ تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ ( وَأَمَّا ) الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُثْمَانَ فَغَرِيبٌ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ فَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ تَعْلِيقًا بِغَيْرِ إسْنَادٍ أَنَّهُ قَالَ : " يَشُمُّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ وَيَتَدَاوَى بِأَكْلِ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ الْمُتَّصِلِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا لِلْمُحْرِمِ بِشَمِّ الرَّيْحَانِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَكْسَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ فَرَوَى بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ شَمَّ الرَّيْحَانِ لِلْمُحْرِمِ ( وَالثَّانِي ) عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَلُ عَنْ الرَّيْحَانِ أَيَشُمُّهُ الْمُحْرِمُ وَالطِّيبِ وَالدُّهْنِ ؟ فَقَالَ : لَا ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : إنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كُنَّ يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ " فَغَرِيبٌ وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ بِغَيْرِ إسْنَادٍ وَإِنَّمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثَ عَائِشَةَ { أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ الْحِنَّاءِ وَالْخِضَابِ فَقَالَتْ : كَانَ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحِبُّ رِيحَهُ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِيهِ كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْحِنَّاءَ لَيْسَ بِطِيبٍ فَقَدْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الطِّيبَ وَلَا يُحِبُّ رِيحَ الْحِنَّاءِ } . أَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ ) فَالْيَاسَمِينُ وَالْيَاسَمُونُ إنْ شِئْتَ أَعْرَبْتَهُ بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْإِعْرَابَ فِي النُّونِ ( وَأَمَّا ) الْوَرْسُ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الثِّمَارِ ( وَأَمَّا ) الرَّيْحَانُ الْفَارِسِيُّ فَهُوَ الضُّمَيْرَانُ ( وَأَمَّا ) الْمَرْزَنْجُوشُ - فَمِيمٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ رَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ زَايٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ نُونٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ جِيمٌ مَضْمُومَةٌ ثُمَّ وَاوٌ ثُمَّ شِينٌ مُعْجَمَةٌ - وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ يُشْبِهُ الْغِسْلَةَ - بِكَسْرِ الْغَيْنِ - وَالْعَوَامُّ يُصَحِّفُونَهُ ( وَأَمَّا ) اللِّينُوفَرُ فَهَكَذَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ - بِلَامَيْنِ - وَذَكَرَ أَبُو حَفْصِ بْنُ مَكِّيٍّ الصَّقَلِّيُّ الْإِمَامُ فِي كِتَابِهِ ( تَثْقِيفُ اللِّسَانِ ) أَنَّهُ إنَّمَا يُقَالُ : نَيْلَوْفَر - بِفَتْحِ النُّونِ وَاللَّامِ وَنَيْنَوْفَر بِنُونَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ وَلَا يُقَالُ نَيْنَوْفَر - بِكَسْرِ النُّونِ - وَجَعَلَهُ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ قَوْلُهُ : وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَهَا رَائِحَةٌ إذَا كَانَتْ رَطْبَةً فَإِذَا جَفَّتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَائِحَةٌ يَعْنِي فَلَا يَكُونُ طِيبًا ; لِأَنَّ الطِّيبَ هُوَ مَا قُصِدَ بِهِ الطِّيبُ رَطْبًا وَيَابِسًا وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإِنَّ رَائِحَتَهَا تَخْتَصُّ بِحَالِ الرُّطُوبَةِ ( قَوْلُهُ : ) وَيَشُمُّ الرَّيْحَانَ - هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالشِّينِ - قَوْلُهُ : الْأُتْرُجُّ هُوَ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ إسْكَانِ التَّاءِ بَيْنَهُمَا وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ - وَيُقَالُ تُرُنْجٌ حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَأَمَّا الْحِنَّاءُ فَمَمْدُودٌ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ وَالْوَاحِدَةُ حِنَّاءَةٌ كَقِثَّاءٍ وَقِثَّاءَةٍ قَوْلُهُ : كَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالزَّنْبَقِ هُوَ - بِفَتْحِ الزَّايِ ثُمَّ نُونٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ قَافٌ - وَهُوَ دُهْنُ الْيَاسَمِينِ الْأَبْيَضِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ : هُوَ دُهْنُ الْيَاسَمِينِ فَلَمْ يَخُصَّهُ بِالْأَبْيَضِ وَهُوَ لَفْظٌ عَرَبِيٌّ قَوْلُهُ : دُهْنُ الْبَانِ الْمَنْشُوشِ هُوَ - بِالنُّونِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمُكَرَّرَةِ وَمَعْنَاهُ الْمَغْلِيُّ بِالنَّارِ وَهُوَ يُغْلَى بِالْمِسْكِ قَوْلُهُ : الْكَعْبَةُ وَهِيَ تُجَمَّرُ - بِالْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ - أَيْ تَبَخَّرُ قَوْلُهُ : الْمِسْكُ فِي نَافِجَةٍ هِيَ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَالْجِيمِ - وَهِيَ وِعَاؤُهُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي تُلْقِيهِ الظَّبْيَةُ قَوْلُهُ : عَبِقَتْ رَائِحَتُهُ هُوَ - بِكَسْرِ الْبَاءِ - أَيْ فَاحَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - : يُشْتَرَطُ فِي الطِّيبِ الَّذِي يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ أَنْ يَكُونَ مُعْظَمُ الْغَرَضِ مِنْهُ الطِّيبَ وَاتِّخَاذَ الطِّيبِ مِنْهُ أَوْ يَظْهَرَ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ هَذَا ضَابِطُهُ ثُمَّ فَصَّلُوهُ فَقَالُوا : الْأَصْلُ فِي الطِّيبِ الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ وَالْكَافُورُ وَالْعُودُ وَالصَّنْدَلُ وَالذَّرِيرَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَالْكَافُورُ صَمْغُ شَجَرٍ مَعْرُوفٍ وَأَمَّا النَّبَاتُ الَّذِي لَهُ رَائِحَةٌ فَأَنْوَاعٌ : مِنْهَا مَا يُطْلَبُ لِلتَّطْيِيبِ وَاتِّخَاذِ الطِّيبِ مِنْهُ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْخَيْرِيِّ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَنَحْوِهَا فَكُلُّ هَذَا طِيبٌ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا فِي الْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْخَيْرِيِّ أَنَّهَا لَيْسَتْ طِيبًا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا : نَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ عَلَى الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَنَبَّهْنَا بِهِمَا عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَمَا فَوْقَهُمَا . كَالْمِسْكِ ( وَمِنْهَا ) مَا يُطْلَبُ لِلْأَكْلِ أَوْ لِلتَّدَاوِي غَالِبًا كَالْقُرُنْفُلِ وَالدَّارَصِينِيّ وَالْفُلْفُلِ وَالْمَصْطَكَى وَالسُّنْبُلِ وَسَائِرِ الْفَوَاكِهِ كُلُّ هَذَا وَشِبْهُهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ وَشَمُّهُ وَصَبْغُ الثَّوْبِ بِهِ وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ سَوَاءٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إلَّا الْقُرُنْفُلِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ حَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ قَوْلُ الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ ( وَالثَّانِي ) قَوْلُ الصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ طِيبٌ قَالَ : وَهُوَ الْأَصَحُّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَمِنْهَا ) مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُرَادُ لِلطِّيبِ كَنَوْرِ أَشْجَارِ الْفَوَاكِهِ كَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالْكُمَّثْرَى وَالسَّفَرْجَلِ وَكَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَشَقَائِقِ النُّعْمَانِ وَالْإِذْخِرِ وَالْخُزَامِي وَسَائِرِ أَزْهَارِ الْبَرَارِيِّ فَكُلُّ هَذَا لَيْسَ بِطِيبٍ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ وَشَمُّهُ وَصَبْغُ الثَّوْبِ بِهِ وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ ( وَمِنْهَا ) مَا يُتَطَيَّبُ بِهِ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ كَالنِّرْجِسِ وَالْمَرْزَنْجُوشِ وَالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ وَالْآسِ وَسَائِرِ الرَّيَاحِينِ فَفِيهَا طَرِيقَانِ حَكَاهَا الْبَنْدَنِيجِيُّ : ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَهُ أَنَّهَا طِيبٌ قَوْلًا وَاحِدًا ( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرهمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا : ( الصَّحِيحُ ) الْجَدِيدُ أَنَّهَا طِيبٌ مُوجِبَةٌ لِلْفِدْيَةِ ( وَالْقَدِيمُ ) لَيْسَتْ بِطِيبٍ وَلَا فِدْيَةَ وَمِمَّنْ ذَكَرَ كُلَّ الرَّيَاحِينِ فِي هَذَا النَّوْعِ وَحَكَى فِيهَا الْقَوْلَيْنِ الْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ ( وَأَمَّا ) اللِّينُوفَرُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ : ( الْمَشْهُورُ ) أَنَّهُ كَالنِّرْجِسِ فَيَكُونُ فِيهِ الْقَوْلَانِ : ( الْجَدِيدُ ) تَحْرِيمُهُ ( وَالْقَدِيمُ ) إبَاحَتُهُ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ طِيبٌ قَوْلًا وَاحِدًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَهُوَ شَاذٌّ وَضَعِيفٌ ( وَأَمَّا ) الْبَنَفْسَجُ فَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ : ( أَصَحُّهَا ) أَنَّهُ طِيبٌ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ ( وَالثَّالِثُ ) فِيهِ قَوْلَانِ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ : إنَّهُ طِيبٌ فَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ تَأْوِيلَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) مَحْمُولٌ عَلَى الْمُرَبَّى بِالسُّكَّرِ الَّذِي ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَنَفْسَجِ الْبَرِّيِّ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عَادَةُ كُلِّ بَلَدٍ فِيمَا يُتَّخَذُ طِيبًا قَالَ : وَهُوَ غَلَطٌ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية