الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَلَا يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ إلَّا عَلَى مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حُرٍّ مُسْتَطِيعٍ ( فَأَمَّا ) الْكَافِرُ فَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فُرُوعِ الْإِيمَانِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ ، وَلَا يُخَاطَبُ فِي حَالِ الْكُفْرِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يُخَاطَبْ بِمَا فَاتَهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ } وَلِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ وُجُوبَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ، كَضَمَانِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ وُجُوبَهُ فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ } هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ { يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ } - بِضَمِّ الْجِيمِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ - مِنْ الْجَبِّ وَهُوَ الْقَطْعُ ، وَرَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ يَحُتُّ - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدُهَا تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقُ - مِنْ الْحَتِّ وَهُوَ الْإِزَالَةُ ، وَالْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفِقَةُ الْمَعْنَى ، وَقَدْ يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ كَوْنُهُ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ ، وَهُوَ خَبَرُ آحَادٍ يُفِيدُ الظَّنَّ لَا الْقَطْعَ ، وَتَرَكَ الِاسْتِدْلَالَ بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } فَيُنْكَرُ اسْتِدْلَالُهُ بِظَنِّيٍّ مَعَ وُجُودِ الْقَطْعِيِّ ( وَجَوَابُهُ ) أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَقْتَضِي غُفْرَانَ الذُّنُوبِ لَا إسْقَاطَ حُقُوقٍ وَعِبَادَاتٍ سَبَقَ وُجُوبُهَا ( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ فَصَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، فَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ هُنَا هُوَ الْوَجْهَ لِانْطِبَاقِهِ عَلَى مَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَأَمَّا ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : فَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا ، فَيَعْنِي بِهِ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْمُرْتَدِّ ، وَيَدْخُلُ فِي الْأَصْلِ الذِّمِّيُّ وَالْحَرْبِيُّ ، سَوَاءٌ الْكِتَابِيُّ وَالْوَثَنِيُّ وَغَيْرُهُمَا ( وَقَوْلُهُ ) مِنْ فُرُوعِ الْإِيمَانِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ فَيُنْتَقَضُ بِالْكَفَّارَةِ وَالْعِدَّةِ وَأَشْبَاهِهِمَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : رُكْنٌ مِنْ فُرُوعِ الْإِيمَانِ ( وَقَوْلُهُ ) : وَلَا يُخَاطَبُ بِهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ ، مَعْنَاهُ لَا نُطَالِبُهُ بِفِعْلِ الْحَجِّ فِي حَالِ الْكُفْرِ . ( وَأَمَّا ) الْخِطَابُ الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْفُرُوعِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصِّيَامِ مِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَبَسَطْنَا هُنَاكَ الْكَلَامَ فِيهَا ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يُخَاطَبْ بِمَا فَاتَهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَاجِدًا لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِطَاعَةِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَلَا اعْتِبَارَ بِتِلْكَ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَلَا يَسْتَقِرُّ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ بِهَا ، بَلْ يُعْتَبَرُ حَالُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَإِنْ اسْتَطَاعَ لَزِمَهُ الْحَجُّ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَيَكُونُ إسْلَامُهُ كَبُلُوغِ الصَّبِيِّ الْمُسْلِمِ فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ بَعْدَهُ . وَقَوْلُهُ ) : لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ وُجُوبَهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَضَمَانِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، قَدْ يُقَالُ : هَذَا الدَّلِيلُ نَاقِصٌ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا فِي الْكَافِرِ وَالْحَرْبِيِّ . ( وَأَمَّا ) الذِّمِّيُّ فَإِنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ حُقُوقٍ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ ( وَجَوَابُهُ ) أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ وَالذِّمِّيَّ لَمْ يَلْتَزِمَا الْحَجَّ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُمَا إذَا أَسْلَمَا ، كَمَا لَا يَلْزَمُ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهَا وَهُوَ الْحَرْبِيُّ ، وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَبَسَطْت هُنَاكَ بَيَانَهُ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ فِي الْمُرْتَدِّ : يَجِبُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ وُجُوبَهُ ، فَقَدْ يُقَالُ : يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا أَتْلَفَ الْمُرْتَدُّ عَلَى مُسْلِمٍ شَيْئًا ، فِي حَالِ قِتَالِ الْإِمَامِ لِلطَّائِفَةِ الْمُرْتَدَّةِ الْعَاصِيَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى الْأَصَحِّ . وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ : ( يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِّ ) أَنَّهُ إذَا اسْتَطَاعَ فِي حَالِ الرِّدَّةِ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ دَامَ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : إنَّمَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى مُسْلِمٍ بَالِغٍ وَعَاقِلٍ حُرٍّ مُسْتَطِيعٍ ، فَإِنْ اخْتَلَّ أَحَدُ الشُّرُوطِ لَمْ يَجِبْ بِلَا خِلَافٍ ، فَالْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ لَا يُطَالَبُ بِفِعْلِهِ فِي الدُّنْيَا بِلَا خِلَافٍ ، سَوَاءٌ الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ وَالْكِتَابِيُّ وَالْوَثَنِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَإِذَا اسْتَطَاعَ فِي حَالِ كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ إلَّا أَنْ يَسْتَطِيعَ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ فِي الْكُفْرِ لَا أَثَرَ لَهَا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ( وَأَمَّا ) الْمُرْتَدُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا اسْتَطَاعَ فِي رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَالْحَجُّ مُسْتَقِرٌّ فِي ذِمَّتِهِ بِتِلْكَ الِاسْتِطَاعَةِ ( وَأَمَّا ) الْإِثْمُ بِتَرْكِ الْحَجِّ فَيَأْثَمُ الْمُرْتَدُّ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ ( وَأَمَّا ) الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ فَهَلْ يَأْثَمُ ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا : فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْفُرُوعِ أَمْ لَا ؟ ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالصَّحِيحِ : إنَّهُ مُخَاطَبٌ أَثِمَ وَإِلَّا فَلَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَرْعٌ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : النَّاسُ فِي الْحَجِّ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : ( قِسْمٌ ) لَا يَصِحُّ مِنْهُ بِحَالٍ ، وَهُوَ الْكَافِرُ . ( وَالْقِسْمُ الثَّانِي ) مَنْ يَصِحُّ لَهُ لَا بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَهُوَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَالْمَجْنُونُ الْمُسْلِمَانِ ، فَيُحْرِمُ عَنْهُمَا الْوَلِيُّ ، وَفِي الْجُنُونِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - . ( وَالثَّالِثُ ) مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْمُمَيِّزُ ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا وَعَبْدًا . ( وَالرَّابِعُ ) مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَيُجْزِئُهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْمُمَيِّزُ الْبَالِغُ الْحُرُّ . ( الْخَامِسُ ) مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْحُرُّ الْمُسْتَطِيعُ ، قَالُوا : فَشَرْطُ الصِّحَّةِ الْمُطْلَقَةِ الْإِسْلَامُ فَقَطْ ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّكْلِيفُ ، بَلْ يَصِحُّ إحْرَامُ الْوَلِيِّ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الْمُبَاشَرَةِ بِالنَّفْسِ الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ ، وَشَرْطُ وُقُوعِهِ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ ، فَلَوْ تَكَلَّفَ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ الْحَجَّ وَقَعَ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ نَوَى غَيْرَهُ وَقَعَ عَنْهُ ، وَشَرْطُ وُجُوبِهِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية